نحمد الله كثيراً أنَّ أساس تربيتنا لأبنائنا في العالم الإسلامي ترتكز على تعاليم ديننا الحنيف تطبيقا لمبادئ الشريعة الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، إلا أننا نجد الكثير من شبابنا يدور حول حلقات مفرغة بشخصيات ظاهرها القوة وباطنها الضعف والانهزام.

ذروة الإفلاس عندما نجد شبابنا "ثروة هذه الأمة" يملكون الطموح، ويفتقدون الحماسة اللازمة لتفجير تلك القدرات والطاقات الكامنة التي يغفلون عنها.

قليلٌ من الحب يكفي لإشعال فتيل الحماسة:

تعد الأسرة المنبع الأساسي للحب الذي يعتبر إحدى الحاجات الأساسية لنمو الأبناء باتزان.. عندما يُطل ذلك الطفل الصغير على الأسرة، يملؤها سعادة وحياة، كما يحصل هو على وجبة نفسية شهية متمثلة بذلك الحب العميق من الأبوين، ومن ثم أفراد الأسرة، إلى أن يصل ذلك الطفل إلى مرحلة الفطام من الطفولة، للخوض في مرحلة جديدة مثيرة مليئة بالمغامرة والشغف، ليكتشف أنه كان يتلقى غذاءً نفسيا غير مكتمل في مكوناته وعناصره المشبعة التي تمنحه الحماسة والتوازن في الحياة.

بمحبة نزرع الخوف:

مع بدء ذلك الطفل يكبر بجسمه ومشاعره وعقله و انفعالاته باحثا عن ذلك الغذاء الذي اعتاد عليه منذُ صغره، فأنه لايجده بحجة أنه أصبح رجلا، أو أصبحت فتاة كبيرة في مجتمعات تعاني من انخفاض في الوعي والجهل بثقافة الحب.. مجتمعات زرعت الخوف والرعب في نفوس أبنائنا جراء مشاعر صادقة رقيقة نابعة من نفوس طاهرة أدت بهم إلى ترجمة تلك المشاعر بالطرق السلبية والشعور باللوم والإحباط والخطيئة، وربما الانحراف، و انجرافهم إلى الهاوية.
إلى متى سيظل أبناؤنا يعيشون في غموض المشاعر والعواطف الجياشة؟ ومتى يدرك المربون أهمية تغطية حاجة الحب لدى الأبناء ليكتمل بذلك النمو النفسي الكفيل بإحداث التوازن في حياتهم.

ثقافة الحب:

يتربى أبناؤنا اثني عشرة سنة على كلمة أحبك، ويكتشفون بعدها وكأنها خطيئة تمشي على الأرض، أليس من الأجدر بكل مربي أن يُعلَّم أبناءه ثقافة الحب التي جاءت في شريعتنا الإسلامية وسنة رسولنا الكريم، ليزرع التوازن في نفوسهم تمهيدا لمرحلة عمرية متزنة.

الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تم بناؤهم نفسيا عن طريق الحب، وخير مثال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم جعل له الله في مبتدأ حياته خديجة رضي الله عنها لتبني بذلك الحب الجميل الطاهر الاستعداد النفسي الذي يؤهله، مع تلك التربية الروحية، ليكون مستعدا لتلقي الوحي الذي جاء ليخرج أمة بأكملها من الظلمات إلى النور، وفي نهاية حياته صلوات الله وسلامه عليه وهبه الله عائشة رضوان الله عليها، وعندما سُئل من أحب الناس إليك يا رسول الله ؟ قال عائشة دون أي خجل، ومن الرجال ؟ قال أبوها، فنسب بذلك حب أبيها إلى حبها، ولم يقل أبو بكر "رضي الله عنه ".

الحب.. ثم الحب:

هذه هي ثقافة الحب التي أتانا بها رسولنا الكريم، والتي ينبغي لكل مربي أن يعلمها لأبنائه ابتداء من حب الله عز وجل، إلى حب كل شيء من حولنا "الأسرة، الأصدقاء، المجتمع، الأمة.

وفي موقف آخر يتجلى الحب النبوي الطاهر في حديثه عليه الصلاة والسلام مع الصحابة حين سألهم، وبدأ بأبي بكر رضي الله عنه، قائلا:  ماذا تحب من الدنيا؟ فقال: أحب الجلوس بين يديك، والنظر إلى وجهك، وإنفاق مالي عليك، ثم انتقل إلى عمر، وقال: وأنت يا عمر ماذا تحب ؟ فقال: أحب أن آمر بالمعروف، وإن كان سرا، وأنهى عن المنكر، ولو كان جهرا، وقول الحق، ولو كان مراً، وسأل عثمان، ثم أبا ذر، وعندما انتهى تحدث عن نفسه عليه الصلاة والسلام قائلا: وأنا أحب من الدنيا ثلاثاً: الطيب، والنساء، و جُعلت قرة عيني في الصلاة .. إنه عليه الصلاة والسلام يتحدث عن الحب النبوي الطاهر،و لم يزرع ثقافة الخوف، أو نسب الحب فقط للأعمال الربانية الخاصة بالعبادة والقيام والصيام، ولكنه تكلم عن الحب وكأنه طيب يبث في هذا الحياة، ويزينها، لتستمر بعيدا عن العناء والشقاء.

وازن بين عواطفك:

إن الذي يجعل أبناءنا ينجرفون في الهاوية وممارسة السلوكيات المنحرفة هو عدم وجود ترجمة مقنعة لمشاعرهم وعواطفهم الجياشة، وحصرهم في دائرة مغلقة واحدة وهي حُرمة الحب..

كيف بهذا الابن أو هذه البنت أن يدركا بأن تلك العاطفة الجياشة التي تكمن في جوانحهم هي نعمة من الله عز وجل لهم، وتُفضلهم على كثير من القاسية قلوبهم والعياذ بالله؟!
كيف لهم أن يدركوا بأنهم ينبغي لهم أن يتحكموا بتلك العاطفة بتوازن في جميع أدوراهم الحياتية ليصبحوا ذات قيمة سامية وذاتٍ قوية تملؤها الحماسة والثقة بالنفس ؟! إنها مسؤولية كل مُرَبٍ أمام الله عز وجل أولا، وأمام المجتمع والأمة ثانيا.
كيف نعد شباب نهضة الأمة بقلوب يغمرها الفراغ ؟ وكيف نعد آباء وأمهات المستقبل بذوات ضعيفة مهزومة ؟ إلى متى سنظل نبكي ونتباكى عن سلوكيات أبنائنا وانجرافهم في الوقوع في الممارسات الخاطئة.

أشبع الجانب النفسي لطفلك:

النفس البشرية عندما تشعر بالجوع تبحث عن مصدر لإشباعها، وأبناؤنا إن لم نشبعهم نحن بعاطفتنا سيذهبون لإشباعها بأي طريقة من الطرق دون وعي منهم، وربما يؤدي ذلك إلى الانجراف في الرذيلة، وتلك العاطفة قد تتحول إلى هدف بحد ذاته يتبناه الشاب غافلا عن الأهداف العظيمة والسامية وصناعة المستقبل و التزاماته ومسؤولياته والمساهمة في خدمة لأمة ونهضتها.

هل من الإنصاف أن نلوم أبناءنا وشبابنا على أمور لم نعطها جل اهتمامنا، ونحملهم وسم الخطيئة والعار، ونحن لم نقم بواجبنا على أكمل وجه في تربيتهم التربية الحسنة، وإشباع الجانب النفسي، لإحداث التوازان المطلوب مع الجوانب الأخرى، و لم نقم – كذلك - بإعدادهم لمواجهة هذه الحياة بصعوباتها وعوائقها، إلى أن يصبحوا ذات شخصية مستقلة قادرة على رسم معالم مستقبلها بنجاح.

منظومة تربية وبناء:

هناك منظومة ثلاثية إذا تمكنا إحداث تكامل في دورها بانسجام في رعاية أبنائنا استطعنا أن نستثمر ثروة مهدرة، أهدرناها بمحض إرادتنا، وهذا المنظومة هي "الأسرة، المؤسسات التعليمية، و منظمات المجتمع المدني، التي تتبنى رعاية النشء والشباب وتأهيلهم "، حيث إن لكلٍ منها دور بارز يكمل دور الآخر في بناء الشباب، وخلق بيئة تربوية متكاملة كفيلة بإحداث التوازن الحياتي لديهم، وتهيئتهم للعطاء في ميادين الحياة المختلفة، مساهمين ومؤثرين بفعالية في سبيل تطوير أنفسهم وخدمة مجتمعاتهم و أمتهم .. قال سبحانه وتعالى في محكم آياته في سورة التحريم: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6).

وأخيرا أقول: امنحوا أبناءكم الحب قبل أن ينجرفوا في غياهب الظلام، و لا بد أن يأتي اليوم الذي يحصد فيه كل مُرَبٍ ما زرع.. وقليلٌ من الحب الأبوي الصادق كفيلٌ بإشعال فتيل الحماسة في أبنائنا، وبناؤهم بناءً نفسياً متوازناً.