لا يوجد إجماع بين الفلاسفة فيما يخص نظريات قيام الدولة والمسوغات التي أدت إلى نشوئها؛ وهذا ما أدى إلى تعدد هذه النظريات ووجود انتقادات لكل نظرية منها، فالمقال الآتي مخصص لإطلاعكم على النظريات التي بحثت في مسوغات قيام الدولة ومن هم الفلاسفة الذين دعموا هذه النظريات، وما هي الانتقادات الموجهة لكل نظرية، فإذا كنت مهتماً فتابع القراءة.
ما هي نظريات قيام الدولة؟
توجد العديد من نظريات قيام الدولة وهي:
1. النظريات الثيوقراطية:
تضم هذه النظريات النظريات ذات الأصل الديني، وتعطي هذه النظريات لرئيس الدولة سلطة نابعة من السلطة الدينية فهو يستمد مكانته حسب هذه النظرية من الله الذي خلق الدولة واصطفى حكامها، فيصبح الحاكم مقدساً ومتفوقاً على عامة الشعب بحكم سلطته فقط.
البداية كانت في الحضارات الفرعونية القديمة؛ إذ كان الفرعون ممثلاً للإله على الأرض، وهو الواسطة الإنسانية بين المصريين والآلهة، ولم يتوقف الأمر على الحضارة الفرعونية، فقد كانت هذه النظرية الأساس في حكم الملوك خلال القرنين السابع والثامن عشر، وقد أشار إلى هذه الفكرة الملك "لويس" الرابع عشر في مذكراته عندما قال: "إنَّ سلطة الملوك مستمدة من تفويض الخالق، فالله مصدرها وليس الشعب، وهم مسؤولون أمام الله وحده عن كيفية استخدامها".
أيضاً كانت النظريات الثيوقراطية (الدينية) الأساس في حكم الملوك في "إنجلترا"، وقد استُخدمت هذه النظريات مطولاً لمواجهة النظريات الديمقراطية وفي إعطاء السلطة للكنيسة، وبدأت هذه النظريات بالتراجع تدريجياً بعد القرنين السادس والسابع عشر، ويرجع هذا إلى العديد من الأسباب منها:
- ظهرت في تلك الفترة نظرية العقد الاجتماعي.
- تعرُّض هذه النظريات للكثير من النقد من قِبل الكتاب السياسيين، وبدء انفصال الكنيسة عن الدولة مع تراجع السلطة الدينية على حساب تفوق السلطة الزمنية.
- الاستبداد الذي حدث بسبب مقولة أنَّ الحاكم ليس مسؤولاً أمام شعبه وهو مسؤول فقط أمام الله.
- بدء وعي الأفراد بحقيقة أنَّ الدولة هم من بنوها وعليهم وضع قواعد الحكم فيها بناء على بيئتهم وما يناسبهم ويحقق مصالحهم.
2. نظرية العقد الاجتماعي:
نظرية العقد الاجتماعي هي واحدة من النظريات الديمقراطية التي ترى أنَّ أساس السلطة مصدرها الشعب، وتعتقد نظرية العقد الاجتماعي بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة، فالعقد الاجتماعي هو ما نقل الأفراد من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة، وكان الهدف من هذا العقد إقامة سلطة حاكمة.
تسمى النظريات التي تتفق في أساسها بالنظريات العقدية، وعلى الرغم من اتفاق هذه النظريات في أساسها إلا أنَّها تتنوع في مظاهرها وتختلف في تصوراتها، ويُعَدُّ "هوبز" و"روسو" و"لوك" أهم فلاسفة النظريات العقدية لقيام الدولة، وقد فسر كل منهم نظرية العقد الاجتماعي بشكل معين بغية تدعيم أفكاره السياسية.
3. نظرية "موريس هوريو":
"موريس هوريو" هو رجل قانون فرنسي عاش خلال الربع الأول من القرن العشرين، ويعتقد "موريس" أنَّ الدولة لم تقم أو تنشأ منذ فجر التاريخ، ويرى أنَّها نشأت على مرحلتين؛ المرحلة الأولى تعتمد على القوة التي لها الدور الرئيس في داخل الجماعة البشرية، ويستخدم الحاكم القوة حتى يشد قبضته على الجماعة، بعدها يبدأ الحكام بالشعور أنَّ القوة ليست كافية فقط؛ بل عليهم أن يجدوا هدفاً سامياً يسعون من أجله وهنا تبدأ الدولة بالتشكل.
المرحلة الثانية تبدأ عندما يبدأ المحكومون بالشعور بأهمية وجود الحاكم وضرورة الانتماء إلى جماعة منظمة، فيقبلون الحاكم ويلتزمون بتحقيق أفكاره، والرضى والقبول الذي يحدث من قِبل المحكومين يؤدي إلى إنجاز عملية نشوء الدولة.
يفسر "هوريو" إذاً ظاهرة الدولة تفسيراً عقلانياً، فيرى أنَّ المؤسسة هي حصيلة فكرة تؤسَّس بواسطة من جاء بهذه الفكرة - أي الحكام - ويتقاسمها من ينتفعون بها؛ أي المحكومون، وهذا ما يسبب نشوء التزامات أخلاقية لكل من الحاكمين والمحكومين ولا يمكن للدولة أن تستمر دونها، كما يؤخذ الكثير على هذه النظريات من نظريات قيام الدولة، لكن على الرغم من ذلك كان لها الفضل في إبراز المظاهر الهامة الآتية:
- وضع قيام الدولة في سياق عملية تاريخية طويلة.
- السلطة السياسية ليست إلا مزيجاً من الإكراه والمعتقد وما يعطيها الشرعية هو القبول بها، وهذا ما أكد عليه "هوريو".
- الدولة مؤسسة لها طابع إداري وتمتلك قدرة سياسية قامت عن طريق الأفراد وليس الطبيعة، فهي بذلك ظاهرة حقوقية ولكنَّها مجسدة بفكرة شخص معنوي.
4. نظرية القوة:
تعتمد هذه النظرية على الفكرة التي تقول إنَّ الحرب هي ما أوجدت المُلك بِوصف الصراع المادي سواء كان بين الأفراد أم الجماعات صراعاً موجوداً منذ الأزل، وهو ما أدى إلى قيام الحروب واستخدام العنف بغية تحقيق المصالح الشخصية أو حتى الجماعية، وهذا ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى سيطرة القوي على الضعيف والتحكم به؛ أي إقامة سلطة وهذه السلطة تمثل الدولة، ويقول في هذا السياق الكاتب (جينيكس) أصل الدولة أو المجتمع السياسي يرجع إلى الحرب.
بالعودة إلى القوة لا يُقصد بالقوة هنا فقط الحرب والقتال والقوة العسكرية فليست وحدها من أسباب قيام الدولة، على سبيل المثال القوة الاقتصادية لها الثقل ذاته فهي ما جعلت الغني حاكماً على القوي، والقوة الدينية هي التي جعلت الكثير من الناس خائفين ومنصاعين.
معظم الدول في العالم نشأت عن طريق الحرب والقوة، وأيضاً قيام الدول الجديدة كان عن طريق القوة كما يحدث بسبب الثورات، فأكثر الانتقادات التي وُجهت إلى هذه النظرية أنَّ أصحابها يروجون إلى سياسة القوة ويبررون العنف، فالسلطة التي تفرض على الشعوب فرضاً ليست شرعية وليست دائمة وستختفي عندما تخف قوَّتها.
شاهد بالفيديو: 7 طرق للتغلب على الظروف الاقتصادية العصيبة
5. نظرية الأسرة:
الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع السياسي؛ إذ يعتمد أصحاب نظرية الأسرة على هذه الفكرة، فهم يرون أنَّ الأسرة هي أصل وجود الدولة، وقد انطلقت فكرة الحاكم من سلطة الأب ورقابته على أبنائه.
في البدء كانت العشيرة عدداً من الأسر يرأسها رئيس العشيرة، وبعدها القبيلة المؤلفة من مجموعة عشائر، وقد تشكلت الأمة من مجموعة قبائل وأصبح لهذه الأمة قيادة وسلطة، وبذلك تصلح علاقة الفرد بحاكمه عندما تكون الدولة قومية أشبه بعلاقة الابن بوالده ودور الحاكم مثل دور الأب في الأسرة، وعليه يجب أن يسود هذه الدولة التعاون والاحترام فالرابطة الموجودة هي رابطة دم.
أيَّد "أفلاطون" و"أرسطو" نظرية الأسرة؛ إذ اعتقدا أنَّ المدينة هي نظام طبيعي يوجد وينمو طبقاً لسنة التطور والارتقاء، وأيضاً أيَّد "روسو" و"جان بودان" هذه النظرية، لكن لكل نظرية من نظريات قيام دولة وُجد من ينتقدها.
من أهم الانتقادات التي وُجهت لنظرية الأسرة هي أنَّ الأسرة ليست الخلية الاجتماعية الأولى التي بدأت بها البشرية، ففي العصور القديمة كانت الجماعات البدائية تعيش مع بعضها بدافع الحماية، وفي بعض الجماعات البدائية أيضاً كانت سلطة الأم هي الأعلى، إضافة إلى وجود بعض الدول التي لم تمر بمرحلة المدينة السياسية مثل دولة الفراعنة.
6. النظرية الطبيعية:
لا يستطيع الإنسان العيش وحده وفي عزلة عن الآخرين، وهذا هو جوهر النظرية الطبيعية، فهذه الطبيعة الاجتماعية تفرض على الأفراد علاقات وتفاعلات مختلفة كالدفاع عن النفس وتبادل الحاجات، وهذه العلاقات تحتاج دائماً إلى من ينظمها ويضبطها بالقوانين ويحل النزاعات بين أفرادها، وهذا أوصلنا إلى أفكار القيادة والسلطة والحكم والدولة.
7. نظرية التطور التاريخي:
تُعَدُّ نظرية التطور التاريخي من أهم نظريات قيام الدولة، فهي تتميز عن باقي النظريات الأخرى، ولا تُرجع هذه النظرية نشوء الدولة إلى عامل واحد؛ إنَّما إلى عوامل مختلفة كالدين والاقتصاد والقوة، فإذا تفاعلت هذه العوامل مع بعضها بعضاً وأدت إلى ظهور مجموعة من الأفراد تمكنت من فرض سلطتها وسيطرتها على باقي المجموعة، وهذا ما أوصل إلى ظهور طبقة حاكمة وأخرى محكومة.
بالطبع لم يحدث هذا التفاعل فجأة؛ بل على فترات زمنية طويلة ومتباعدة؛ أي إنَّ الدولة لا يمكن أن تتشكل دفعة واحدة أو بين عشية وضحاها؛ بل تتطلب عملية تراكمية تاريخية طويلة، وقد لاقت هذه النظرية قبولاً أكثر من بقية النظريات؛ وذلك نظراً لمنطقيتها أولاً وثانياً لعدم إرجاعها قيام الدولة إلى عامل واحد فقط.
8. النظرية الماركسية:
وضع كل من "كارل ماكس" و"لينين" أسس تكوين هذه النظرية من نظريات قيام الدولة، وقد توسع "لينين" في تحليل ظاهرة الدولة، ويظهر هذا في كتابه "الدولة والثورة"، وتابع هذا التحليل كل من "ستالين" و"تروتسكي" وبعض المنظرين مثل "غرامشي"، وقد أضافوا إلى دراسة ظاهرة الدولة إسهامات كثيرة.
تعطي هذه النظرية أهمية كبيرة للمجتمع، فالمجتمع هنا هو الذي يشكل الدولة ويقرر طبيعتها، وبرأي "ماركس" الدولة ليست إلا حدثاً تاريخياً عارضاً حدث نتيجة اقتسام الجماعات إلى طبقات مختلفة واحتكار بعض هذه الطبقات ملكية الإنتاج، وهذا سمح لها بالسيطرة على بقية الطبقات، إذاً في هذه النظرية لا تعدو الدولة كونها ظاهرة قانونية تعكس سيطرة طبقة من طبقات المجتمع على أخرى.
لقد قسمت هذه النظرية المجتمعات إلى ست مراحل هي:
- مرحلة الشيوعية البدائية.
- مرحلة العبودية.
- مرحلة الإقطاع.
- مرحلة الرأسمالية.
- مرحلة الاشتراكية.
- مرحلة الشيوعية.
في الختام:
لا توجد نظرية واحدة لتفسير قيام الدولة، فقد تعددت النظريات التي حاولت تفسير نشأة الدولة وسلطتها، فبعض هذه النظريات يرجع إلى أصول وأسس عامة، في حين يرجع بعضها الآخر إلى أسس فلسفية ودينية واجتماعية أو تاريخية، كما رأينا أنَّه لم تسلم نظرية من الانتقادات، وهذا يعني عدم وجود نظرية صحيحة بشكل كامل، وإذا ما أردنا المنطق لربما كانت نظرية التطور التاريخي النظرية الأكثر عقلانية.
المصادر +
- نظريات نشأة الدولة
- نظريات نشأة الدول
- كتاب مدخل إلى علم السياسة، تأليف دكتور ابراهيم فاروق، فارس نداف
أضف تعليقاً