يُذكر أنَّ مشروع "279 يوماً" لا يزال يحظى بصدى واسع وانتشار متزايد على مستوى عالمي؛ إذ تُعد ترجمته إلى اللغتين الصينية والإسبانية قيد الإنجاز، من خلال جهود تطوعية بحتة. وقد ألهم المشروع عدداً من الأشخاص لإطلاق مدوَّناتهم ومشروعاتهم المخصصة.
وردَ خلال أسبوع الإطلاق رغم النجاحات الواضحة التي حصدها المشروع رسالة بريد إلكتروني حملت مضموناً أقلق القائمين عليه. لم تكن هذه الرسالة من ناقد أو معارض؛ بل من شخص أبدى إعجابه بالمشروع واصفاً صاحبه بـ"الرائع"، غير أنَّ مضمون الرسالة، تضمَّن ما يتعارض جذرياً مع روح المشروع.
محتوى الرسالة
لا أقصد الإزعاج، لكن لماذا لا يُطلب من الزوَّار إدخال معلومات بريدهم الإلكتروني قبل تحميل البيان؟ كان من الممكن جمع قائمة بريدية من المتابعين، يتحول بعضهم إلى عملاء أو مشترين مستقبلاً. يعد ما تمتلكه هنا كنزاً حقيقياً، فلماذا لا تُحوّله إلى برنامج اشتراك شهري بمقابل مادي؟
من المرجح أن تحقق دخلاً أعلى بعشر مرات في العام القادم إذا أدرتَ الأمر باحترافية. أنت تبذل جهداً رائعاً فعلاً، ما هي وجهتك المستقبلية بهذا المشروع؟
ملاحظة: القيمة الحقيقية ليست في عدد المتابعين على تويتر فحسب؛ بل في القائمة البريدية التي أسميتها بذكاء "الجيش الصغير".
اجعل نموذج الاشتراك في البريد الإلكتروني مرئياً بوضوح في الزاوية العلوية اليمنى كما يفعل الجميع، وحتى لو كان الهدف إرسال أفكار مجانية فقط، فتستخدمها لاحقاً لبيع منتجاتك أو منتجات الآخرين.
في ظل فيضان المعلومات الذي نعيشه، لا بد من استراتيجية تتيح التواصل المستمر مع الجمهور إن لم يشتروا في المرة الأولى.
تحليل أثر الرسالة
قد لا تبدو الرسالة في الوهلة الأولى عدائية أو تحمل انتقاداً مباشراً؛ بل ربما يراها بعضهم مشجِّعة أو بنَّاءة، غير أنَّ القلق الذي أثارته، ينبع من المنطق الكامن خلف كلماتها، فكاتب الرسالة يرى العالم من زاوية تقوم على استغلال الجمهور لتحقيق مكاسب مادية.
التسويق القائم على مبدأ "الندرة"
تقترح الرسالة فلسفة تسويقية تعتمد على فكرة "الندرة"، وهي فكرة شائعة في مجال التسويق الإلكتروني. يُنظر فيها إلى الناس بوصفها فرصاً تجارية ينبغي اغتنامها قبل أن تضيع؛ إذ يعد إنفاق المال دليلاً على نجاح الاستراتيجية، وإن لم يفعلوا، فالخلل يُعزى إلى الأسلوب المتَّبع أو إلى الأشخاص أنفسهم.
يتعارض هذا المنظور، رغم شيوعه، مع المبادئ التي تأسس عليها المشروع. فيُدرك صاحب المشروع تفاصيل آليات التسويق الرقمي، من وضع نماذج الاشتراك في أماكن بارزة، إلى استغلال الإلحاح والندرة لرفع نسب المبيعات. ومع ذلك، فُضِّل الامتناع الواعي عن توظيف هذه الأدوات لأغراض تجارية بحتة.
البديل المطروح هو فلسفة "الوفرة"، وهي تقوم على مبدأ العطاء بسخاء، وبناء العلاقات على التقدير والاحترام المتبادل. فلا ضرورة لإرغام الزائر على الاشتراك قبل الاطلاع على المحتوى؛ إذ إنَّ مثل هذا السلوك، قد يولِّد امتعاضاً ويخلق التزاماً سطحياً. كما لا يُعقل أن يُقدَّم محتوى مجاني بغرض الإلهام، ثم يُشترط لاحقاً دفع رسوم للوصول إلى ما يُسمَّى بـ"الحقيقة الكاملة".
لا يُستخدم الاسم الرمزي "الجيش الصغير" بوصفه خدعة تسويقية؛ بل يشير إلى مجتمع حقيقي يتكوَّن من أفراد حول العالم، تُبذل في سبيلهم ساعات يومياً لبناء علاقات إنسانية، حتى لو لم يدفع بعضهم شيئاً. وهذا أمر مقبول تماماً.
شاهد بالفيديو: مهارات المسوق الإلكتروني الناجح
الجانب الربحي من التسويق
لا يكمن الخلل في الرسالة وحدها؛ بل في منظومة تفكير متجذِّرة في ثقافة تسويقية ترى الجمهور بوصفه أداة للربح. وتكمن المفارقة في أنَّ هذا المشروع، رغم امتناعه عن اتباع تلك الأساليب التقليدية، قد حقَّق نتائج رائعة.
بلغت نسبة التحويل بين 4 إلى 5 بالمئة عند إطلاق دليل "العمل لحساب الذات"، وهي نسبة مرتفعة جداً وفقاً لمعايير التسويق المعروفة؛ إذ تبدأ النسب المعتادة غالباً من 1%.
رغم أنَّ الغالبية العظمى من الزوَّار (قرابة 95%) لم يشتروا المنتج، إلَّا أنَّ النظر إليهم لم يكن بوصفه "فرصاً ضائعة"؛ بل بوصفهم أشخاصاً مبدعين يقومون بأعمال ذات قيمة، وربما لا يحتاجون ببساطة إلى ما يُعرض عليهم. وهذا النوع من التواصل – حتى دون عائد مالي – يُعَد مصدر فخر وامتنان.
ما كان مزعجاً حقاً في الرسالة هو اختزال المجتمع إلى مجرد قناة تسويقية.
لا يدَّعي هذا النهج التفوق الأخلاقي، ولا يسعى إلى فرض رؤيته على الآخرين، فثمة قناعة بأنَّ محاولة إقناع من يعارض الفكرة من جذورها أمر غير مجدٍ. فقد طُرح سؤال ذات مرة: "كيف يقتنِع شخص بأنَّ فكرتك صحيحة؟" والإجابة ببساطة: لا يمكن، فالنجاح الحقيقي لا يكمن في الإقناع القسري؛ بل في الوصول إلى من يتوافقون أصلاً مع الفكرة أو يُبدون استعداداً لتبنيها.
الثقة قبل المال
من الأمثلة التي تُظهر قوة الثقة في العلاقة بين صانع المحتوى والمتلقي، رسالة وردت من شخص مقيم في نيوزيلندا بعد أن انتقل من كندا. كان قد اشترى منتجاً لأول مرة، وكتب التالي:
شكراً لك.
هذا أول منتج معرفي أشتريه في حياتي. كانت خطوة جريئة بالنسبة لي:
أهدرَت جدتي أموالاً طائلة على مسابقات البريد؛ لذا نشأتُ على الحذر من الغرباء. (لكنَّ طريقتك في العرض كانت شفافة تماماً). لقد تركتُ وظيفتي وسافرت من كندا إلى نيوزيلندا لأقيم مع العائلة. لا يوجد مصدر دخل حالياً؛ لذا اعتبرتُ هذه النفقات استثماراً في حياة جديدة.
لا حاجة لي بأن أُخبرك أنَّ المستقبل يبدو مشرقاً. ومن الرائع الشعور بذلك.
تأويل الرسالة
تبرز الرسالة قراراً عاطفياً عميقاً، فدفع مبلغ 39 دولاراً ليس بالأمر الصعب، لكنَّ كسب ثقة حقيقية من شخص في ظروف كهذه يتطلب مصداقية راسخة.
ينبغي أن يُعامل الناس بكرامة واحترام، حتى إن تطلَّب الأمر التنازل عن بعض الأرباح، ومن المؤسف أنَّ هذا التوجُّه يُعَد "غير تقليدي" في بعض الأوساط.
التسويق الذي لا يكرهه الناس
يوجد نوع من التسويق لا يثير النفور؛ بل يُقابل بالتقدير، وهو ما يُعرف بـ"التسويق القائم على الحاجة"؛ إذ يُعرض الحل الملائم عندما توجد حاجة حقيقية. وفي هذا السياق، لا حاجة لإرغام أحد على الاشتراك، ولا حاجة لفوترة شهرية تلقائية؛ بل سيكون الناس مستعدين للدفع عن طيب خاطر.
الرد على رسالة الناقد
نظراً لتدفُّق الرسائل اليومية، لم يكن هناك متَّسع لنقاشات مطوَّلة؛ لذلك كان الرد على الرسالة الأولى مقتضباً: "امنح بسخاء، واستقبِل بسخاء."
أرسلَ لاحقاً الشخص نفسه رسالة أخرى مليئة بالانتقادات، واختتمها باقتراح بأن يُحتفظ بعنوانه، والتواصل معه بعد 10 سنوات لمعرفة "النتيجة". وكأنَّ الزمن سيكشف عن صواب رأيه، وأنَّ الندم قادم لا محالة.
لكن، لم يكن هناك اهتمام كبير بالرد، وتم ببساطة أرشفة الرسالة. فالحياة أقصر من أن تُهدر في جدالات كهذه.
من يعلم ماذا سيحدث بعد 10 سنوات؟ ربما سيكون الانشغال الأكبر آنذاك هو التواصل مع أناس رائعين حول العالم حتى دون مقابل مادي ومع ذلك، تبقى الثقة بأنَّ المستقبل يحمل الأفضل.
في الختام
لا يدور هذا المقال حول رفض التسويق بوصفه مهنة أو نشاط، بل حول مساءلة بعض ممارساته التي تنزع عنه بُعده الإنساني، وتحوّل العلاقة مع الجمهور إلى معادلة ربح وخسارة.
ما طُرح هنا هو دعوة لتبنِّي نمطٍ مختلف من التفكير، يُعلي من شأن الثقة، ويحتفي بالكرامة، ويرى في الكرم استراتيجية طويلة الأمد لا ضعفاً مرحلياً، فليست كل قيمة تُقاس بالدولار، ولا كل نجاح مرهوناً بزيادة عدد المشتركين. ثمة نوع آخر من التسويق – هادئ ونزيه، وعميق لا يكره الناس أصحابه؛ بل يثقون بهم، ويعودون إليهم، لا لأنَّهم أُرغموا على ذلك، بل لأنَّهم أرادوا.
أضف تعليقاً