لذلك، سنتعرف في هذا المقال على سبب التسويف وكيف يمكن لجلسات كتابة مدتها 25 دقيقة أن تحوّل العملية إلى تجربة سلسة ومنظمة، مما يعزز التركيز، ويحفّز الإبداع، ويحوّل الإنجاز إلى عادة ممتعة ومجزية.
لماذا يبدو التسويف في الكتابة أصعب مما نعتقد؟
"غالباً ما لا يرتبط التسويف في الكتابة بالكسل، بل بعبء نفسي يجعل البداية صعبة. كلما بدت المهمة كبيرةً أو غير واضحة، زادت مقاومة الدماغ لها، مما يدفع الكاتب إلى التأجيل بدل المواجهة".
يظنّ البعض أنّ التسويف في الكتابة ناتج عن كسل شخصي، لكنه في الواقع نتيجة آليات دماغية تحميك من الجهد العقلي والعاطفي الكبير الذي تتطلبه الكتابة. يميل الدماغ إلى الهروب نحو أنشطة تمنح مكافآت سريعة، مثل التصفح العشوائي، لتجنب استهلاك طاقة أكبر في إنتاج نص جديد. هناك عدة أسباب رئيسة لتكرار هذه الظاهرة:
- وهم "الوقت المثالي": يؤدي انتظار ظروف مثالية أو ساعات طويلة للتفرغ إلى عدم البدء أبداً؛ إذ يشكل حاجزاً تعجيزياً أمام الإنتاجية.
- الخوف من جودة النص: تخلق النزعة الكمالية والقلق من إنتاج نص ضعيف شللاً فكرياً يمنع الكاتب من البدء، بينما يسهّل السماح بالكتابة "السيئة"، في البداية، تجاوز هذه العقبة.
- الضغط الناتج عن حجم المهمة: يسبب النظر إلى مقال طويل أو فصل كامل ضغطاً نفسياً عالياً، ما يدفع العقل للهرب إلى مهام ثانوية غير مجدية.
شاهد بالفيديو: كيف نتخلص من التسويف؟
كيف يتحول التسويف في الكتابة إلى دائرة استنزاف ذهني؟
"يؤدي التسويف في الكتابة إلى ضغط ذهني متزايد، وتشتت، وشعور مزمن بالإحباط. المشكلة تتفاقم؛ لأنّ الكاتب يربط الكتابة بالإرهاق، لا بالتقدم التدريجي".
يخلق الاستمرار في تأجيل المهام الكتابية ما يسمى بـ "الديون الذهنية" التي تثقل كاهل المبدع. كل يوم يمرّ دون إنجاز، يزيد من ثقل المهمة في عقلك، مما يحول التسويف في الكتابة من مجرد تأخير بسيط إلى استنزاف حقيقي لطاقتك الإبداعية وقدرتك على التركيز في جوانب حياتك الأخرى، كما يؤثر سلباً في جودة نومك وحالتك المزاجية العامة.
1. صعوبة البدء في الكتابة رغم توفر الوقت
قد تجد نفسك في يوم إجازة كامل؛ ومع ذلك، لا تستطيع إنتاج جملة واحدة مفيدة؛ ذلك لأنّ صعوبة البدء في الكتابة تنبع من مقاومة داخلية عميقة لا ترتبط بالوقت المتاح إنما بالحالة النفسية والذهنية. بالإضافة إلى ذلك، كلما طالت فترة التوقف عن ممارسة الكتابة، زادت رهبة الصفحة البيضاء، مما يعزز حالة التسويف في الكتابة ويجعل العودة إلى الروتين أمراً شاقاً يحتاج إلى قوة إرادة جبارة قد لا تتوفر دائماً.
2. التشتت أثناء الكتابة وفقدان الاستمرارية
حتى لو نجحت في البدء بصعوبة، يظهر عائق آخر يتمثل في التشتت أثناء الكتابة. بمجرد وصول إشعار بسيط على الهاتف أو خطور سؤال جانبي ببالك، تنقطع حالة "التدفق" الذهني فوراً. لهذا السبب، تجد أنّ التسويف في الكتابة يتسلل إليك في منتصف العمل، مما يجعلك تفقد الخيط الفكري وتحتاج إلى وقت طويل لاستعادة تركيزك، وهو ما يفسر لماذا تستغرق المهام البسيطة وقتاً أطول بكثير مما تستحق فعلياً.
3. الإحباط وفقدان الثقة بالقدرة على الإنجاز
مع تكرار الفشل في الالتزام بالمواعيد النهائية، يبدأ الكاتب في التشكيك في قدراته وموهبته. ويحوّل التسويف في الكتابة المتكرر الإبداع من شغف إلى مصدر للألم النفسي والتوتر، كما أنّ الشعور بالذنب الناتج عن المماطلة يستهلك من طاقتك ما يكفي لكتابة مقال كامل. ونتيجةً لذلك، يجد الكاتب نفسه عالقاً في حلقة مفرغة من "الاحتراق الإبداعي" الذي يمنعه من التقدم المهني ويقلل من فرصه في التطور.
فعندما لا تكون المشكلة في المهارة، بل في آلية العمل المتبعة، يصبح الحل المنطقي والوحيد هو تغيير طريقة التعامل مع مهمة الكتابة جذرياً، لا زيادة الضغط على النفس. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لتقنيات إدارة الوقت للكتّاب التي تركز على تعزيز الجودة والتركيز بدلاً من مجرد زيادة عدد الساعات الضائعة خلف المكتب.

كيف يقلل نظام جلسات 25 دقيقة من التسويف في الكتابة؟
"يعتمد نظام جلسات 25 دقيقة على تقليل عبء المهمة الذهني. فعندما يعرف الدماغ أنّ الجهد مؤقت ومحدود، وتقلّ المقاومة، ويصبح البدء أسهل، مما يساعد على تجاوز التسويف في الكتابة تدريجياً".
يُعرف هذا النظام عالمياً بتقنية "بومودورو" (Pomodoro)، ويعتمد على فلسفة بسيطة ومثبتة علمياً تقول: "يمكنك فعل أي شيء، مهما كان صعباً، إذا كان لمدة 25 دقيقة فقط". يُعد هذا النظام الترياق الأمثل والفعال لمشكلة التسويف في الكتابة؛ لأنّه يزيل رهبة الوقت اللانهائي ويستبدلها بإطار زمني محدد، ومريح، وقابل للقياس.
1. تقسيم مهمة الكتابة إلى جلسات عمل مركّزة
بدلاً من محاولة كتابة بحث كامل أو مقال طويل في جلسة واحدة مجهدة، يجب عليك تقليص المهمة بتقسيمها إلى جلسات عمل مركّزة. في كل جلسة، يكون هدفك الوحيد والأساسي هو الكتابة فقط لمدة 25 دقيقة دون الالتفات إلى أية ملهّيات خارجية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا التقسيم يسهل عملية إدارة الوقت للكتّاب؛ إذ تتحول المهمة الضخمة إلى قطع صغيرة قابلة للهضم والتحقيق، مما يقلل فوراً من فرص التسويف في الكتابة الذي يغذيه الشعور بالعجز أمام المهام الكبيرة.
2. لماذا 25 دقيقة تقلل مقاومة الدماغ؟
يخشى الجهاز العصبي البشري بطبعه المهام الغامضة والطويلة التي لا نهاية واضحة لها، ولكن عند تحديد 25 دقيقة فقط، فإنك ترسل إشارة تهدئة واضحة لدماغك بأنّ العناء والجهد الذهني سينتهي قريباً جداً. لهذا السبب، يُعد هذا الأسلوب فعالاً جداً في علاج التسويف في الكتابة؛ فالدماغ لا يشعر بالتهديد من وقت قصير، مما يسمح لك بتجاوز عقبة البداية بنجاح مبهر. كما أثبتت الدراسات في علم النفس المعرفي، وتحديداً تلك المنشورة في دوريات، مثل (Psychological Science)، أنّ تقسيم المهام يزيد من قدرة الدماغ على البقاء في حالة "التركيز العميق" ويقلل من رغبته في البحث عن بدائل ترفيهية.
3. دور الفواصل القصيرة في الحفاظ على التركيز
بعد كل جلسة مدتها 25 دقيقة، يحصل الكاتب على 5 دقائق من الراحة التامة. وهذه الفواصل ليست مجرد ترف أو ضياع للوقت كما يظنّ البعض، إنّما هي ضرورة بيولوجية لشحن الطاقة الذهنية ومعالجة المعلومات. كما أنّها تمنع الإنهاك وتجعل الالتزام بروتين الكتابة أمراً ممتعاً ومستداماً لفترات طويلة.
بدلاً من الاستسلام للتسويف في الكتابة بسبب التعب المتراكم، أنت تمنح عقلك مكافآت دورية منتظمة تحفزه على الاستمرار والعودة للجلسة التالية بحماس أكبر. وتؤكد الأبحاث حول "الإنتاجية المعرفية" أنّ هذه الفواصل تساعد في تقوية الروابط بين الأفكار وتوليد حلول إبداعية للمشكلات المعقدة التي قد تواجه الكاتب أثناء العمل.
شاهد بالفيديو: 10 نصائح للتخلص من التسويف
كيف تتغير علاقتك بالكتابة عند الالتزام بجلسات قصيرة؟
"عند اعتماد جلسات كتابة قصيرة، تتحول الكتابة من عبء ثقيل إلى عادة يمكن إدارتها. الاستمرارية الصغيرة تبني ثقة، بينما تجاهل الحل يُبقي التسويف دائرة مغلقة من الضغط والتأجيل".
تخيّل يومك مستقبلاً وأنت تتحكم بالكامل في قلمك وأفكارك؛ إذ يصبح التسويف في الكتابة مجرد ذكرى من الماضي. عند الالتزام بجلسات كتابة قصيرة ومركزة، ستندهش من قدرتك على إنجاز ما كنت تحلم بتحقيقه في ساعات قليلة فقط، مع إنتاج نصوص أكثر وضوحاً وترتيباً، وتنشيط عقلك لأقصى طاقاته، مما يمنحك شعوراً عميقاً بالرضا والثقة.
أما إذا تجاهلت تنظيم وقتك واستمرت في الأساليب القديمة، فسيظل التسويف هو المسيطر، وتتراكم المهام، وتضيع ساعات طويلة في كتابة غير منتجة، حتى يبدأ الشغف بالكتابة يتلاشى تدريجياً، تاركاً شعوراً بالإحباط وفقدان الحافز الذي دفعك للاحتراف في البداية.
.jpg_07cf4628d36e713_large.jpg)
كيف تبدأ اليوم بتطبيق نظام 25 دقيقة دون تعقيد؟
"أفضل طريقة للتغلب على التسويف في الكتابة هي البدء بجلسة واحدة مدتها 25 دقيقة. لا تخطط للمثالية، بل للبدء فقط، واترك الزخم يتكوّن طبيعياً".
لمواجهة التسويف في الكتابة، يكفي أن تتخذ قرار البدء فوراً وبأبسط الوسائل المتاحة. للقيام بذلك، حدد أولاً مهمةً صغيرةً، مثل كتابة فقرتين أو العناوين الفرعية؛ لأنّ التركيز على جزء محدود يقلل التشتت ويزيد الإنتاجية. بعد تحديد المهمة، اضبط مؤقتاً لمدة 25 دقيقة؛ إذ يضع الوقت المحدد عقلك في حالة تركيز عالية، وخاصةً عند إبعاد كل الملهيات من الهاتف والمتصفح.
من الأفضل أن تبدأ بجلسة واحدة فقط لتكسر حاجز البداية، وعندما تتعود على هذا النظام، ستزداد عدد الجلسات تلقائياً وبصورة طبيعية. بهذه الطريقة، يبرز السر في البساطة والاستمرارية؛ إذ يمنحك إتمام أول 25 دقيقة دفعة معنوية قوية ويجعل الكتابة عادة ثابتة في حياتك.
الأسئلة الشائعة
1. لماذا أُسوّف في الكتابة رغم معرفتي بأهميتها؟
لأنّ الدماغ يربط الكتابة بمجهود طويل أو تقييم ذاتي، فيلجأ إلى التأجيل كآلية هروب، لا كدليل على الكسل.
2. هل جلسات 25 دقيقة مناسبة لكل أنواع الكتابة؟
نعم؛ خصوصاً للكتابة الذهنية أو الإبداعية؛ لأنّها تقلل الضغط وتساعد على الاستمرارية.
3. ماذا أفعل إذا فقدت التركيز أثناء الجلسة؟
استمر حتى نهاية الوقت دون مقاومة؛ فالهدف هو الالتزام بالجلسة لا جودة الناتج.
4. كم جلسة كتابة أحتاج يومياً؟
تكفي جلسة واحدة للبداية، ويمكن الزيادة تدريجياً حسب طاقتك.
5. هل يناسب هذا النظام الكتّاب المحترفين؟
نعم؛ يعتمد كثيرٌ من المحترفين جلسات قصيرة للحفاظ على جودة التركيز وتجنّب الإرهاق.
في الختام
لا يُعد التسويف في الكتابة عيباً شخصياً، وإنّما إشارة إلى أنّ طريقة عملك الحالية لا تتوافق مع طبيعة العقل البشري. لذلك، عند تقسيم المهمة إلى جلسة واحدة مدتها 25 دقيقة، تعيد تنظيم علاقتك بالكتابة لتصبح ممتعةً ومنظمةً ومجزيةً نفسياً ومهنياً. وبالمثل، يصنع الالتزام بروتين بسيط ومرن الفارق بين الهواية والاحتراف، ويحول التسويف إلى إنجاز ملموس. لذا، ابدأ الآن، واضبط مؤقتك، واكتب جملتك الأولى لتشهد التحول بنفسك.
أضف تعليقاً