الشعور الذي لا اسم له

ليست المشكلة في الإخفاق، بل في نجاحٍ لم يعُد يشبهك.

يبدأ يومك كالمعتاد، بصوت إشعارات البريد الإلكترونيّ المتلاحقة على هاتفك والتي لم يعد يثير فيك ذلك التوتر المحفّز الذي كنت تشعر به في بداياتك، كما ولا يثير أي شغف، بل أصبح مجرّد ضوضاء خلفيّة رتيبة.



تتأمل فنجان قهوتك في سكونٍ خاطفٍ قبل أن تفتح شاشة الحاسوب لبدء سلسلة الاجتماعات الافتراضيّة، وتشعر للحظة بأنّك تشاهد فيلماً سينمائيّاً بطله شخص يشبهك تماماً: يؤدّي دورك ببراعة، ويتحدّث بلسانك، ويلتزم بمسؤوليّاته، لكنّه ليس "أنت" في العمق.

من الخارج، كلّ شيء مستقرّ. أنت الشخص الذي يُعتمد عليه والمدير الذي يمتلك الإجابات. ومع ذلك، ثمّة مسافة باردة تفصل بين الحياة التي تؤدّيها بانتظام، وتلك النسخة التي تريد أن تسكنَها فعلاً لا أن تكتفي بإدارتها.

هذا ليس احتراقاً مهنيّاً بالمعنى التقليدي. فالمهام ما زالت تُنجز والتقارير ما زالت تُرفع. وأيضاً هو ليس فشلاً. فسيرتك الذاتيّة تزدحم بالإنجازات. هو ما يمثّل شيئاً أدقّ من ذلك كلّه، وأصعب تسميةً: إنّه الشعور الذي لا اسم له. وهو ما يجمع كثيراً من المهنيّين في منتصف الطريق دون أن يجرؤ أحدٌ على التحدّث عنه بصوت عالٍ، ويشعرهم بأنّ هناك فجوة تتّسع بين النجاح كما يراه العالم، وبين المعنى كما تشعر به الروح في لحظات الصدق الصامتة.

ليس ما تظنّه: تسمية الفجوة الحقيقيّة

حين يشتدّ هذا الشعور، يلجأ المهنيّون عادةً إلى تفسيرات مألوفة لكنّها مضلّلة. "أنا فقط بحاجة لإجازة"؛ تنتهي الإجازة ويعود الشعور معك. "ربما أحتاج تحدّياً جديداً في مؤسّسة أخرى"؛ يتحوّل التحدي الجديد إلى روتين، والفجوة تبقى. والأشدّ وطأةً، أن تظنّ أنّ "ثمّة خطأً ما بي"؛ وهذا التفسير الأخير هو الأكثر إيلاماً لأنّه يُنتِج شعوراً بالحرج، ممّا يدفع الإنسان إلى الصمت لا إلى الفهم.

المشكلة ليست في كمّيّة العمل، ولا في غياب الطموح. ما تعانيه هو انفصالٌ خفيٌّ بين الحياة التي تؤدّيها وبين النسخة منك التي تريد أن تعيشَها. لا تفتقر إلى الكفاءة، بل إلى الشعور بأنّك أنتَ من يقود. تؤدّي الدور ببراعة، لكنّك لست المؤلّف.

في جلسات الكوتشينغ، كثيراً ما يصف لي المهنيّون هذه الحالة بطريقة لافتة: "أشعر أنّني أشاهد حياتي من الخارج"، أو "أنجز كل شيء، لكن لا شيء يشعرني بأنّني حقاً هنا." هذه ليست أزمة. هذا ما يحدث حين يُدار الإنسان بدلاً من أن يُدير.

الشعور الذي لا اسم له

حين تصبح مفعولاً به في قصّتك المهنيّة

في قواعد لغتنا العربيّة، "المفعول به" هو الاسم الذي يقع عليه الفعل، الطرف الذي يتلقّى الأثر ولا يملك زمام الحركة. وبمرور السنوات، يجد كثير من المهنيّين أنّهم انزلقوا إلى هذا الموقع دون أن يلحظوا اللحظة التي حدث فيها ذلك. تُحرّكهم رغبات المؤسّسة، تُشكّلهم توقّعات العائلة، تقودهم خطط مهنيّة وُضِعت لهم قبل أن يُسألوا فيها. كلّ قرار بدا منطقيّاً في لحظته. والنتيجة، بعد عقد أو عقدَين، مسيرةٌ يؤدّونها لكنّهم لم يؤلِّفوها بالكامل.

الانتقال من "الفاعل" إلى "المفعول به" لا يحدث في لحظة واحدة. يحدث ببطء، في قراراتٍ صغيرةٍ بدت واجبة، في تضحياتٍ بدت ضروريّة، في اختياراتٍ بدت هي الخيار الوحيد المتاح. وبعد سنوات، تجد نفسك أمام حياة ناجحة بكلّ المقاييس الخارجيّة، وتتساءل في الداخل: متى حدث هذا بالضبط؟

هذا التساؤل ليس علامة ضعف. هو أولى علامات الوعي.

شاهد من التاريخ: حين يعترف الأعظم بالفجوة

"أندريه أغاسي" واحد من أعظم لاعبي التنس في التاريخ. ثمانية ألقاب في بطولات غراند سلام. رقم أوّل عالميّاً لمدّة فاقت المئة أسبوع. مسيرة يحسُده عليها كلّ من عرف التنس.

وفي مذكّراته "Open" الصادرة عام 2009، يفتتح كتابَه بجملةٍ صادمةٍ بقدر ما هي صادقة، يَقرُّ فيها بأنّه أمضى معظم مسيرته يكرَه الرياضة التي عرّفَته للعالم. لم يختر التنس. اختاره والده له، وحوّله إلى مصيره قبل أن يكون عنده رأي. قضى عقوداً يُؤدّي تميُّزاً خارجيّاً مبهراً، بينما يحمل في داخله فراغاً لم يُسمِّه أحد.

لم يُغيّر أغاسي هذا إلا حين قرّر أن يربط ما يفعله بما يؤمن به. حين حوّل رياضته من غاية مُفروضة إلى وسيلة تخدم شغفَه بالتعليم والعطاء والعمل الاجتماعي. لم يترك التنس، لكنّه استعاد موقع الفاعل فيه. حوّله من غاية مملّة تستهلكه، إلى وسيلة تخدم قيَمه الحقيقيّة.

في قصّة أغاسي لا يعنينا النجاح ولا البطولات. ما يعنينا أنّ أعظم من عرف هذه الرياضة عاش الفجوة ذاتها التي يعيشها مهنيّي منتصف الطريق. والفجوة بين الأداء الخارجيّ والحقيقة الداخليّة ليست ضعفاً. إنّها حالة إنسانيّة يعيشها أناسٌ يُعجب بهم العالم.

أزمة منتصف الطريق للمهنيين

أنت لست الاستثناء: ما تقولُه البيانات

قد يبدو هذا الشعور وكأنّه خللٌ شخصيّ، لكن ما توثّقه الأبحاث يقول شيئاً آخر تماماً. فنحن بصدد ظاهرة عالميّة وإقليميّة موثّقة، إذ كشفت دراسة نشرتها مجلة (Socio-Economic Review) عام 2024، استندت إلى بيانات أكثر من 108,000 مهنيّ، أنّ الرضا الوظيفيّ لدى المديرين والمهنيّين يسير على شكل "منحنى U"؛ يبلغُ أدنى مستوياته في سنّ الأربعين والخمسين قبل أن يبدأ بالتعافي لاحقاً (Zhou, Zou & Williams, 2024). هذا التراجع ليس فشلاً شخصيّاً، بل هو عرَض جانبيّ لـ "نضج الوعي"؛ تلك اللحظة التي تتوقّف فيها المقاييس القديمة للنجاح عن إرضاء هويّتك الجديدة.

وعلى المستوى العالميّ، يُظهر تقرير "غالوب" للعمل لعام 2025 أنّ 79% من موظّفي العالم إمّا غير منخرطين في عملهم، أو منخرطون في رفضه بصورة نشطة. أمّا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتُسجّل أعلى مستويات ضغط بيئة العمل اليوميّة في العالم بنسبة 52%، متجاوزةً أمريكا الشماليّة البالغة 49% (Gallup, 2025). ولا يُعدّ الضغط مجرّد عبء مهام، بل هو "ركود عاطفيّ" حقيقيّ.

والأكثر دلالةً: تُظهر أبحاث مؤسّسة (Six Seconds) للذكاء العاطفيّ تراجعاً عالميّاً بنسبة تقارب 8% في كفاءة "السعي نحو الأهداف النبيلة" خلال السنوات الأخيرة، وهي الكفاءة الأكثر ارتباطاً بإحساس الإنسان بالمعنى والاتّجاه في عمله (Six Seconds, 2024). حين تتراجع هذه الكفاءة، لا يتوقّف الإنسان عن العمل، ولا يفقد مهاراته، بل يحدث شيءٌ خفيّ؛ إذ يستمرّ الأداء، لكنّه ينفصل تدريجيّاً عن الإحساس بأنّه يخدم غاية أعمق. تبقى الإنجازات قائمة، لكنّها أقلّ امتلاءً بالمعنى. وتتحوّل الأهداف من شيء يُحرّك الإنسان من الداخل، إلى شيءٍ يُدار من الخارج.

ببساطة: الفجوة التي تشعر بها هي نتيجة طبيعيّة لبيئة مهنيّة عالميّة تعاني من استنزافٍ حقيقيٍّ في البوصلة الداخليّة. وعندما تعرف أنّ 79% من موظّفي العالم يحملون شيئاً من هذا الشعور، ستدرك أنّ شعورك بالاغتراب ليس استثناءً، وأنّ صمتك حول التجربة أعمق انتشاراً منها.

لست وحدك في منتصف الطريق، أنت فقط تمرّ في المرحلة التي تتطلّب شجاعة الاعتراف بأنّ الأدوات القديمة لم تعد تكفي لرحلتك القادمة.

شاهد بالفيديو: الذكاء العاطفي في العمل مفتاح النجاح المهني

حين يُصبح التحذير علنيّاً: درس "أريانا هافينغتون"

"أريانا هافينغتون" مؤسِّسة موقع "هافينغتون بوست" الإخباريّ، واحدة من أكثر الشخصيّات الإعلاميّة تأثيراً في العالم. في عام 2007، وفي ذروة نجاحها المهنيّ، و بينما كان اسمُها يتصدّر قوائم أكثر الشخصيّات تأثيراً، وموقعها الإخباريّ يحطّم الأرقام القياسيّة، سقطت في مكتبها جرّاء الإرهاق الشديد، ممّا كشف لها بحدّة ما كانت ترفض الاعتراف به: أنّها كانت "تُدير" حياتها المهنيّة دون أن "تسكنها".

لم تعُد هافينغتون بعدها لترميم مظهرها المهنيّ القديم، بل أعادت بناء مسارها لتتكامل فيه قيم الرفاهية والوعي مع عملها، محوِّلةً تجربتها الشخصيّة إلى فلسفة مهنيّة جديدة. فأسّست مشروعاً جديداً يربط النجاح المهنيّ بالصحّة والحضور الداخليّ. والأهمّ من المشروع: اعترفت علناً بأنّ نجاحها الخارجيّ المبهر كان يخفي انفصالاً داخليّاً حقيقيّاً.

الاعتراف بالفجوة لم يُسقطها. بل كان هو ما أنقذها.

الميزان الصعب: ثقل التضحيات الجيليّة في سياقنا العربيّ

في سياقنا العربيّ، لا يأتي هذا السؤال خفيفاً. فالمسارات المهنيّة هنا نادراً ما تكون قرارات شخصيّة بحتة. إنّها امتداد لتضحيات عائليّة، لرهانات صامتة، لأحلام لم تُتَح لمن سبقونا، فحُمّلت إلينا بحسن نيّة وبحبّ حقيقيّ.

هنا، يكتسب النجاح صبغةً جماعيّةً. فهو ثمرة تضحيات، ودعَوات والدَين، وتطلّعات أسرة ترى في منصبك أماناً وبَركة. لهذا السبب تحديداً، قد يشعر المهنيّ في منتصف الطريق أنّ الاعتراف بضيق مساحته المهنيّة هو نوع من الجحود أو التخلّي عن المسؤوليّة.

لكنّ الذكاء العاطفيّ يُعلّمنا أنّ الحقيقة لا تُلغي بعضها. إذ يمكنك أن تحمل في قلبك امتناناً صادقاً لكلّ التضحيات التي رسمَت مسارك، وفي الوقت ذاته صدقاً شجاعاً بأنّ هذا المسار بات يضيق على هويّتك الحاليّة. الامتنان لا يُلغي السؤال، والسؤال لا يُبطل الامتنان.

بينهما تبدأ مساحة جديدة. ليست للرفض، ولا للتمرّد، بل لمحاولة أن يعيش الإنسان ما بُني له بطريقة تشبِهه أكثر.

الذكاء العاطفي في العمل

مرايا التعرّف: الأنماط الأربعة للشعور الذي لا اسم له

حين يبدأ هذا الشعور بالتشكّل، لا يظهر بالشكل ذاته لدى الجميع. ويمكن تمييز أربعة أنماط مختلفة، لا بوصفها تصنيفات جامدة، بل كمرايا قد يرى القارئ نفسه في واحدة منها، أو في أكثر من واحدة في الوقت ذاته.

1. القادِر العالِق

هو الذي يعرف ما يريده، ويستطيع أن يسمّيه بدقّة. يمتلك المهارة، والخبرة، وحتى الشجاعة الداخليّة. لكنّ عائقه خارجيّ لا داخليّ: بيئة لا تسمح، علاقات مهنيّة معقّدة، أو التزامات ماليّة حقيقيّة. يرى في اجتماعاته كيف يمكن أن تُدار الأمور بشكلٍ أفضل، وفي قرارات كيف يمكن تحسينها، لكنّه يختار، أو يُضطرّ، أن يبقى ضمن الهامش المتاح. مشكلته ليست غياب الوضوح، بل غياب المساحة. عمله هو التصميم والتفاوض، لا التنقيب عن الذات.

2. المقتنِع الظاهر

سار في مساره بجدّيّة وإخلاص. اختار تخصّصاً محترماً، بنى مسيرة متماسكة، حقّق ما يُفترض تحقيقه. لكنّه، مع الوقت، يبدأ بملاحظة فجوة صغيرة: "هل هذا ما أريده فعلاً، أم ما كان يُفترَض أن أريده؟" تجده يشرح مساره للآخرين بثقة، بينما يتجنّب أحياناً أن يطرح السؤال ذاته على نفسه. الهدف الذي يسير نحوه بجدّ ربما لم يكن هدفه أصلاً، بل هدف من يحبّهم.

3. العارِف المتردّد

يعرف الجواب. يعرفه بدقّة مؤلمة أحياناً. لكن تسمية الجواب تعني الالتزام به، وهذا ما يجعل الصمت يبدو أكثر أماناً من الوضوح. يدرك ما يحتاج إلى إعادة نظر، لكنّ الاعتراف الكامل به يبدو مُكلِفاً. يعيش في صراع بين وعيه الشجاع وخطوته المتردّدة. عائقُه ليس في الفهم، بل في الجرأة على التصريح بما يفهمه.

4. الضائع بصِدق

لا يتظاهر بالوضوح، ولا يدّعي السيطرة. النسخة التي كان يعيشها لم تعد تُقنعه، لكنّه لم يصل بعد إلى نسخة بديلة يمكنه الاتّكاء عليها. ربّما أنهى دوراً طويلاً، أو تغيّر داخليّاً بطريقة لم تعُد تنسجم مع ما كان عليه. يعرف فقط أنّ ما كان، لم يعُد يكفي. وهذا الصدق مع الذات، رغم ثقله، هو في حدّ ذاته بداية.

هذه الأنماط ليست مراحل ثابتة، ولا هويّات نهائيّة. كثيرون يتنقّلون بينها، أو يجدون أجزاءً من أنفسهم في أكثر من مرآة. لكنّها، في جوهرها، تقول شيئاً واحداً: هذا الشعور له أشكال متعدّدة، وكلّها مفهومة، وكلّها تستحقّ أن تُنظر إليها بدلاً من تجاوزها.

الأنماط الأربعة للشعور الذي لا اسم له

الإذن بالاعتراف

الغاية من هذه السلسلة ليست دفعك لاتّخاذ قرار مصيريّ اليوم. وليست دعوة لترك ما بنيته أو التخلّي عن التزاماتك. نحن ندرك تماماً ثقل الواقع، ونحترم كلّ ما يربطك به.

الهدف أبسط من ذلك وأعمق: منحك الإذن بالاعتراف. اعتراف هادئ، بعيد عن جلد الذات أو لوم الآخرين، بأنّ ما تشعر به حقيقيّ، وأنّك تستحقّ أن تقف أمام هذه الفجوة وتنظر إليها.

وضَعنا اليوم اسماً لهذا الشعور الذي كنت تحملُه وحدك. وعرفنا أنّ موقع "المفعول به" هو محطّة في منتصف الطريق، وليس نهاية الحكاية. السؤال التالي أصعب وأعمق: من أين جاء هذا الشعور؟ كيف وصلتَ إلى هنا؟

هذا ما يبحثُه المقال القادم.

أسئلة يطرحُها القارئ بعد هذه المحطّة

1. هل يعني هذا الشعور أنّني ارتكبت خطأ في مساري المهني؟

لا. هذا الشعور في الغالب لا يعني أنّ المسار كان خاطئاً، بل أنّك كبرت داخله. أدوات الطموح التي استخدمتَها في البداية أدّت مَهمّتها. الآن تحتاج إلى أدوات مختلفة تتناسب مع عمق هويّتك الحاليّة. الشعور بالضيق ليس دليلاً على الخطأ؛ هو دليل على النضج.

2. لماذا أشعر بهذا الآن، بعد كلّ هذه السنوات من الجهد والنجاح؟

لأنّ السنوات والجهد والنجاح هي بالضبط ما جعلت هذا السؤال ممكناً. في البدايات، يكون الإنسان مشغولاً بالإثبات والبناء. في منتصف الطريق، حين يستقرّ البناء، تبدأ الذات الحقيقيّة بطرح أسئلة لم تكن لديها مساحة من قبل. هذا ليس تراجعاً؛ هو تقدّم من نوع مختلف.

إقرأ أيضاً: كيف تكتسب مرونة مهنية خلال 90 يوماً؟ خطة إعادة تأهيل مهني شاملة

3. هل الاعتراف بهذا الشعور يعني أنّني سأضطرّ لتغيير حياتي رأساً على عقب؟

لا. الاعتراف بالفجوة لا يفرض عليك قراراً بعينه. كثيرون يعيشون هذا الوضوح ويختارون البقاء في مسارهم، لكن بطريقة مختلفة؛ بقصد أكثر، وبحدود أوضح، وبمعنى أعمق. التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وليس بالضرورة أن يظهر في قرارٍ كبيرٍ فوري.

4. كيف أفرّق بين الرغبة في التمويه وبين "أزمة منتصف العمر" التقليديّة؟

تتّسم أزمة منتصف العمر بالهروب "من" الواقع، بينما الفجوة المهنيّة التي نناقشها هي دعوة للعودة "إلى" الذات. وتمثّل تساؤلاً عن "المعنى" في التفاصيل اليوميّة، وليس رغبةً في تحطيم القوالب القديمة.

5. كيف أتعامل مع هذا الشعور أمام عائلتي التي ضحّت كثيراً لأصل إلى هنا؟

هذا السؤال يحمله كثيرون بصمت، وهو من أثقل ما يُعيق الاعتراف في سياقنا العربي. الامتنان لتضحيات العائلة حقيقيّ ومشروع. والسؤال عن ما تريده أنت حقيقيّ ومشروع أيضاً. الحقيقتان لا تتعارضان. الاعتراف بالفجوة لا يعني الجحود؛ يعني أنّك تأخذ مسيرتك بجدّيّة كافية لتسأل عن معناها الحقيقي.

إقرأ أيضاً: كيف تدير التنافسية السامة في العمل بفعالية؟

6. أنا في موقع مسؤوليّة كبيرة، هل هذا الوقت المناسب لهذه الأسئلة؟

المواقع الكبيرة في الغالب هي ما يجعل هذا الوقت ضروريّاً، لا مؤجّلاً. القائد الذي يؤدّي دوراً لا يؤمن به يُقنع نفسه ومحيطه بشيء لا يُقنعه. أمّا القائد الذي يقود من وضوح داخليّ حقيقيّ، فتأثيره مختلف نوعاً ومداً. السؤال عن المعنى ليس ترفاً لمن لا يتحمّل مسؤوليّات؛ هو ضرورة لمن يتحمّلها.

7. هل يمكنني أن أكون "فاعلاً" في وظيفة لا أحبّها تماماً؟

نعم؛ فالفاعليّة لا تعني بالضرورة تغيير الوظيفة، بل ممارسة "القصد" في كيفيّة أداء عملك ووضع حدود تتماشى مع قيمك، لتستعيد دفّة قيادة "معناك" الشخصيّ.

إقرأ أيضاً: كيف يساعدك تحليل المهارات الشخصية على سد فجوة التحول الوظيفي؟ دليل تطبيقي

8. هل يجب أن أخبر مديري أو زملائي بهذا الشعور فوراً؟

يمثّل هذا الشعور حواراً داخليّاً يحتاج مساحةً من الخصوصيّة لينضج. وما يمنحك القوّة هو اعترافك به لنفسك أوّلاً، ويمكنك لاحقاً تحويله إلى مقترحات عمليّة لتحسين دورك الوظيفيّ بما يخدم توازنك الجديد.




مقالات مرتبطة