تعريف الإعلام الرقمي وتطوره
هو المحتوى الإعلامي مختلف الأشكال الذي يتم إنتاجه وتداوله من خلال الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية، ويشمل فيديوهات اليوتيوب ومنشورات الفيسبوك وصور الإنستغرام، والمدونات والبودكاست وتويتر أيضاً، فهو عالم واسع وسريع جداً يمكنه الوصول إلى الملايين حول العالم في أقل من دقيقة واحدة فقط.
مراحل تطور الإعلام الرقمي
لم يحدث التحوُّل الرقمي في الإعلام بين عشيّة وضحاها، بل مر الإعلام بمراحل تطور غيّرت من طبيعته، إلى أن وصلنا إلى الإعلام الرقمي. أبرز مراحله ما يلي:
- عصر المواقع الثابتة هو بداياته فقد كانت المواقع الإلكترونية صفحات ثابتة تعرض معلومات فقط ولا يوجد تفاعل كبير؛ حيث كانت بعض المؤسسات والشركات تعرض محتواها الخاص.
- كانت ثورة الويب 2.0 نقطة التحوُّل؛ فيها ظهرت تقنيات وتطبيقات شبكية يمكن استخدامها ليصبح المستخدم منتج للمحتوى، فبدأت تظهر المدونات الشخصية والمنتديات ومواقع تشارك فيديوهات وصور كاليوتيوب.
- انتشار الهواتف الذكية وتطبيقاتها المتعددة جعل الإعلام الرقمي في متناول الجميع حول العالم وفي أي وقت.
- عصر الذكاء الاصطناعي الذي نشهده اليوم والذي فتح آفاق جديدة تماماً وسيزداد دوره أهمية في التحول الرقمي في الإعلام بمرور الوقت.
التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي
يواجه الإعلام الرقمي تحديات كبيرة يجب أن نتعرّف إليها؛ لأنّها تؤثر في طريقة التفاعل مع المعلومات وعلى حياتنا الشخصية أيضاً، وهي ما يلي:
1. قضايا الخصوصية والأمان
من أكبر تحديات الإعلام الرقمي، فكم مرة ظهر لك إعلان عن منتج معين بعد حديثك مع صديق عنه؟، لا تستغرب ذلك؛ لأنّه نتاج جمع المعلومات من بياناتك الشخصية؛ فمع كل نقرة "لايك" أو تعليق، أو عملية بحث تجريها، تجمع الشركات المعلومات حول نشاطك وتحللهاا لتقديم المحتوى المناسب لك.
عند موافقتك على شروط استخدام تطبيق معين، تمنحه حق الوصول إلى جهات اتصالك، وصورك الخاصة، وموقعك الجغرافي أيضاً؛ لذلك، كلما زاد اعتمادك على الإنترنت في التسوق، والخدمات البنكية، وغيرها من الخدمات الخاصة بك، زاد احتمال تعرُّضك للاختراقات الأمنية.
2. انتشار المعلومات المضللة
يصعب علينا اليوم التمييز بين الكذب والحقيقة؛ إذ اتّضح في ما بعد أنّ كثيراً من القصص التي حققت انتشاراً واسعاً كانت ملفّقة، كالعلاجات الوهمية، ونظريات المؤامرة المتعلقة بفيروس كورونا، التي لم يستطع أحد إثباتها.
كما تنتشر معلومات ومفاهيم خاطئة أو غير دقيقة، كالنتائج الطبية التي لا تستند إلى دليل واضح. كذلك، الأمر، من السهل انتشار حملات منظّمة ضد شخصيات عامة وأحزاب سياسية للتأثير في الرأي العالم.
3. التحديات التشريعية والتنظيمية
الإنترنت غير مرتبط بالحدود الجغرافية فيمكن لشخص في بلد نشر محتوى مسيء لبلد آخر، ولا يمكن محاسبته بسهولة نتيجة اختلاف القوانين بين الدول. كذلك حماية الخصوصية على الرغم من فرض بعض الدول قواعد على الشركات العالمية حول جمع بيانات المواطنين ومعالجتها، ولكن لا يمكن أن تُطبق تلك القوانين خارج حدود الدولة.
أما عن حماية البنية التحتية الرقمية للشركات العالمية والمواقع الحكومية للدول من الاختراقات، فإنّ هذا يحتاج تعاون دولي وتشريعات قوية.
الفرص المتاحة في الإعلام الرقمي
بعد مناقشة التحديات لا بد من التعرف إلى الجانب المشرق في الإعلام الرقمي وهو الفرص المتاحة، أهمها ما يلي:
1. الوصول إلى جمهور عالمي
لا يحتاج الموهوب والمبدع اليوم لعقد يحتكر موهبته ليتمكن من التعبير عنها بل يمكنه إيصال رسالته المميزة لأنحاء العالم كافةً، من خلال مدونة أو قناة يوتيوب.
فمثلاً، بدأت الطباخة عبير الصغير من "التيك توك"، وحققت شهرةً واسعةً في الوطن العربي والعالم، وينطبق ذلك على الشركات ورجال الأعمال؛ إذ إنّ جميعهم قادر على عرض خدماته ومنتجاته في الأسواق الدولية من خلال الإعلام الرقمي؛ فمثلاً، يقدم متحف اللوفر رحلات افتراضية دون الحاجة للسفر إليه.

2. التفاعل المباشر مع الجمهور
سابقاً، لم يكن المتلقي قادراً على التفاعل مع المحتوى الإعلامي. على عكس اليوم؛ يمكن للجمهور التعبير عن الرأي بسهولة، وطرح الأسئلة، وانتقاد المحتوى بالتعليقات أو إرسال الرسائل، أو من خلال الاستفتاءات واستطلاعات الرأي التي تجريها عديدٌ من القنوات والمدونات، مما يساعد صناع المحتوى على فهم الجمهور أكثر لتقديم محتوى أكثر تخصصاً؛ بالتالي، بناء علاقة يشعر المتلقي فيها بالانتماء.
3. استخدام التقنيات الحديثة في الإنتاج
التقنيات الحديثة من أهم فرص الإعلام الرقمي لجعله أكثر كفاءة فمثلاً الواقع الافتراضي والواقع المعزز ساهم بجعل تجربة المستهلك انغماس كامل وليس مجرد مشاهدة، وأدوات الذكاء الاصطناعي ساعدت على فهم الجمهور لإنتاج محتوى أكثر تخصصاً.
كما أتاحت تطبيقات الإنتاج والتحرير في الهواتف الذكية لأيّ شخص إنتاج محتوى احترافي دون الحاجة لكاميرات واستديو ومعدات باهظة الثمن.
دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرقمي
الذكاء الاصطناعي محرك خفي ولاعب فعّال في مختلف جوانب الإعلام الرقمي، ومن الضروري التحدث عن دوره الهامّ المتمثّل كما يلي:
1. تحليل البيانات وتحسين الأداء
يُعد الذكاء الاصطناعي أداةً عظيمةً في معالجة وتحليل البيانات التي يولّدها الإعلام الرقمي يومياً. فمثلاً، تُحلَّل المقالات الأكثر قراءةً، والأوقات التي يرتفع فيها التفاعل لمعرفة نوع الأخبار التي تعجب الجمهور والوقت الأمثل لنشرها.
كذلك، تُحسَّن محركات البحث (SEO) لمساعدة صناع المحتوى على تحسين ظهورهم في نتائج البحث باستخدام أدوات تحليل الكلمات المفتاحية (الكلمات التي يستخدمها الناس في البحث).
كما يمكن لهذه الأدوات إنشاء تقارير حول أداء المحتوى، كمراقبة أداء الحملات الإعلانية، وتقديم توصيات تحسّن من استهداف الجمهور المناسب.

2. تخصيص المحتوى وتجربة المستخدم
تُشعرك أدوات الذكاء الاصطناعي وكأنّ المحتوى مخصص لك؛ إذ تُبنى المقالات والأخبار – مثلاً – على اهتماماتك السابقة، بحيث تقترح لك هذه الأدوات الموسيقى المفضلة، والمنتجات التي تشاهدها، ومنتجات مكملة لها.
فمثلاً، تعتمد منصة أفلام، مثل نتفليكس، على الذكاء الاصطناعي في تحليل نوع الأفلام والمسلسلات التي شاهدتها، والمدة التي قضيتها في المشاهدة، ومتى توقفت عن ذلك؛ لتقترح للمستهلك محتوى مشابه ليعجبه.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعرض المحتوى بما يتناسب مع جودة الإنترنت؛ إذ تنخفض جودة الفيديو تلقائياً عندما يكون الاتصال بالإنترنت ضعيف، وبدلاً من ظهور إعلانات عشوائية، يقدم لك إعلانات تناسبك؛ مثلاً، عندما تبحث عن عطر معين، تجد إعلاناته تلاحقك في عدة مواقع ومنصات للتواصل الاجتماعي.
مستقبل الإعلام الرقمي
رأينا التحولات والفرص التي تطور الإعلام الرقمي، وبناءً على ذلك يمكن توقع مستقبله الذي ينتظرنا، وهو كما يلي:
التوقعات المستقبلية
سيحمل مستقبل الإعلام الرقمي مزيداً من التخصُّص للمحتوى؛ فلا يقتصر الأمر على توصيات، بل سيُقدّم المحتوى المناسب لاهتماماتك ولطريقة استهلاكك للمعلومات.
لذا، إن كنت تفضل رؤية الأخبار في فيديو وليس عن طريق القراءة، ستُعاد صياغة الخبر ليناسبك، وسيصبح الواقع المعزز والافتراضي أكثر انتشاراً، لتشعر وكأنّك في قلب الحدث، فتسمع الأصوات وتتجول في المكان.
كما ستكتب الروبوتات الصحفية التقارير الفورية عن جوانب الحياة المختلفة، ليركز الإعلاميين البشر على الأحداث المعقدة فقط. من المتوقع أيضاً زيادة دور المؤثرين الأفراد في الرأي العام.
كما سيشهد البث المباشر تفاعلاً أكثر من السابق؛ فلا يقتصر تفاعل الجمهور على التعليقات، بل ربما سيتمكّنوا من المشاركة الصوتية والمرئية.
الاتجاهات الناشئة في الإعلام الرقمي
بدأت تتشكل بعض الاتجاهات بالفعل في وقتنا الحالي ولم تعد توقعات مبنية على الخيال، مثل اقتصاد المبدعين الذي يسمح للأفراد من أصحاب المواهب (مثل المؤثرين على تيك توك) أن يبنوا الجمهور الخاص، وذلك بتقديمهم محتوى أكثر تخصصاً ليحقق لهم دخلاً أعلى.
فمثلاً، يُنشئ شخص قناة خاصة بتقديم دروس الرياضيات بطرائق ممتعة وبسيطة ليكون مصدراً أساسياً للطلاب؛ فلا يحتاج للعمل في مؤسسات تقليدية.
عموماً، سيتم التوجه إلى المحتوى المتخصص (النيش)، مثل ظهور بودكاست متخصص في تاريخ السينما المصرية فقط، بحيث تجذب المنصة عدد من المتابعين ليس بالكبير، ولكنّه جمهور مهتم جداً. مع الوقت، نلاحظ زيادة الاهتمام بالبودكاست والكتب الصوتية التي تسمح للمستهلك الاستماع له أثناء ممارسته بنشاطاته المختلفة يومياً، كأن تستمع إلى البودكاست خلال ممارسة الرياضة أو قيادة السيارة.
أما الألعاب، فلم تعد مجرد ترفيه، إنّما توجد منصات متخصصة في التفاعل الاجتماعي تطلق حملات توعية – مثلاً – ضمن عالم الألعاب، وذلك لضمان تفاعل ملايين الأشخاص مع رسالة التوعية.
في الختام
فتح التحوُّل الرقمي في الإعلام الأبواب أمام فرص ذهبية للإبداع والتميز؛ تحدثنا عنها في مقالنا، كما تحدثنا عن تحديات الإعلام الرقمي وصولاً مستقبله، لنخبرك أنّه لم يعد رفاهيةً فحسب، بل جزء أساسي من الحياة اليومية.
يتطلب منك المستقبل الذي تتطلع إليه الاستفادة من تلك الفرص؛ لذا، استفد من هذه المعلومات وشارك المقال مع أصدقائك لنشر الوعي وتقليل المخاطر.
أضف تعليقاً