ولكنَّ الانحياز لطرف دون الآخر نادراً ما يخدم مصلحة أي شخص. صحيح أنَّ هناك مواقف تستدعي الإفصاح عن موقفنا تجاه الظلم من منطلق مبادئنا، لا سيما إذا كان ذلك يهدف إلى منع ضرر أكبر، أو حماية سمعة شخص ما، أو علاقاته، أو مستقبله. لكن، حتى في تلك الحالات، لا يُحبَّذ الانحياز لطرف؛ بمعنى تفضيل شخص على آخر أو انتقاد الطرف الثاني، بل ينبغي أن ينصب التركيز على القضية الأساسية التي تحتاج إلى معالجة، والذي يؤدي إلى نتائج إيجابية وبنَّاءة.
على سبيل المثال، في حالات الانفصال بين الأزواج مع وجود أطفال، فإنَّ الآباء الذين يتمكنون من الحفاظ على مستوى من الاحترام في التواصل، هم عادةً أولئك الذين يضعون حماية مصلحة الأطفال أولوية للطرفين. لا يُلغي هذا التركيز الألم الناتج عن السلوكات المؤذية، لكنَّه يساعد في الحد من تداعيات الانفصال، ويحمي العلاقة بين الطرفين إلى حد ما، وبالتالي يسهم في حماية الأطفال أيضاً.
أما في الخلافات بين الزملاء أو الأصدقاء، فعادة ما يُطلب منك الانحياز لطرف عندما يرى أحدهم أنَّ الطرف الآخر أساء التصرف، ومن الطبيعي أن نشعر برغبة في تصحيح الخطأ والدفاع عن "الضحية"، فنُظهر بوضوح لمن نقدم دعمنا ولماذا، لكنَّنا بذلك قد نصعِّد الخلاف دون قصد، ونرسخ الانقسام، ونُضيِّع فرصة التركيز على جوهر المشكلة والسعي نحو الفهم والحل.
الأسباب التي تجعل عدم الانحياز إلى طرف في الخلافات خياراً جيداً
فيما يلي بعض الأسباب التي تجعل عدم الانحياز إلى طرف في الخلافات خياراً جيداً لحل النزاعات:
1. هناك 3 أوجه لأي خلاف
وجهة نظر أحد الأطراف، ووجهة نظر الطرف الآخر، والحقيقة
لا أحد يعرف القصة كاملة على وجه اليقين، ومن غير المرجح أن تصلك رواية محايدة للأحداث. لذا، فإنَّ الانحياز المبكر لطرف على حساب آخر قد يكون تصرفاً غير حكيم؛ فقد تكتشف لاحقاً حقائق إضافية تبين أنَّ استنتاجاتك الأولى لم تكن دقيقة.
2. لا أحد مذنب أو بريء تماماً
حين تختار أن تدعم طرفاً أو تعارض آخر، يصعب إدراك أنَّ لا أحد في هذه المعادلة بريء بالكامل أو مذنب بالكامل، وللأسف، بمجرد أن تتخذ موقفاً، قد تدافع عن سلوكات لم تكن لترضى بها سابقاً، أو تنتقد تصرفات كنت ستُشيد بها في ظروف أخرى.
3. رد الجميل لصديق
يشير الإحسان المتبادل إلى القيام بتصرف طيب تجاه شخص مقابل أن يردَّ لك الجميل لاحقاً، ولكن هذا النوع من الولاء قد يؤثر في العلاقات، ويحول الصداقة إلى عبء ثقيل، وغالبًا ما يؤدي إلى الدفاع الأعمى عن طرف معيَّن دون تقييم التصرفات.
4. يزداد الخلاف سوءاً
كلما زادت الآراء في المشكلة، أصبح من الأصعب حل الخلاف وإصلاح العلاقات المتزعزعة، وقد يتمكن الشخصان المتخاصمان من حل الخلاف لاحقاً، لكنَّ الأطراف الخارجية التي تدخلت يجدون صعوبة في إصلاح علاقاتهم مع الطرف الآخر أو في تجاوز مشاعر الغضب أو الأذى.
5. المشاعر مؤقتة
غالباً ما يتدخل الناس في خلافات الآخرين عندما يبلغ التوتر العاطفي ذروته بعد انتهاء علاقة عاطفية مثلاً، أو بعد شجار عنيف، أو فور اكتشاف خيانة، أو بمجرد سماع شائعة.
في مثل هذه اللحظات، يقول الناس ما يشعرون به، وليس دائماً ما يعنونه فعلاً. لذلك، من الخطأ أن نعدَّ ما يُقال في ذروة الانفعال موقفاً دائماً أو حقيقياً، فكم من موقف قال فيه شخص كلاماً انفعالياً، فإما أن يعود وينساه لاحقاً أو يقول إنَّه لم يكن يعنيه.
شاهد بالفيديو: 6 أمثلة عن التحيز للنتيجة التي يمكن أن تؤثر سلباً في قراراتك ج 1
نصائح للمساعدة في حل الخلافات
لا يعني هذا أنَّه ينبغي التجاهل أو الانسحاب عند رؤية شخصين متخاصمين؛ بل الأفضل أن تُقدم الدعم وتتمسك بمبادئك، دون أن تسبب خلافات إضافية غير ضرورية. فيما يلي بعض النصائح للمساعدة في ذلك:
1. ركز على جوهر المشكلة
عند وقوع الخلافات، قد نعتقد أنَّه الوقت المناسب للتعبير عما لا يعجبنا في الشخص الآخر والتحدث عن كل عيوبه وأخطائه السابقة. صحيح أنَّ هذا قد يمنح صديقك أو زميلك "المجروح" شعوراً مؤقتاً بالرضا، إلا أنَّ الأثر الحقيقي يؤجج الغضب، ويرسخ شعوره بأنَّه وحده المظلوم، ما يصعِّب عليه لاحقاً إصلاح علاقته بالطرف الآخر.
الأفضل هو التركيز على القضية الأساسية التي سببت الخلاف؛ لأنَّه يشجع على توفير بيئة محفزة لطرح حلول واقعية وخطوات نحو حل المشكلة.
2. أظهر التعاطف دون الاتفاق تماماً مع أي طرف
من الطبيعي والصحي أن يُفرغ الإنسان مشاعره عندما يمر بوقت عصيب، إذ يمكنك أن تتعاطف مع مشاعره دون أن تُظهر اتفاقك مع رأيه حول الشخص الآخر؛ لأنَّك من الصعب أن تعرف ما الذي حدث فعلاً، أو ما إذا كانت القصة التي سمعتها هي الحقيقة، أم مجرد رواية مشحونة بالعواطف؛ إذ لا يدوم الغضب، خصوصاً في العلاقات المتقلبة عاطفياً، وقد ينسى الأشخاص ما قالوه في لحظة الانفعال، لكنَّهم لا ينسون ما قلته أنت.
كما يُفضَّل أن تطلب الإذن قبل تقديم النصيحة، وإذا فعلت، فتذكر أنَّ كل موقف يختلف عن الآخر، وما نفع مع شخص قد لا يُجدي نفعاً مع آخر.
قد يكون ألطف ما تقدمه لصديقك هو مساعدته في التفكير في دوره في الخلاف، حتى وإن لم يتقبل الأمر في البداية.
3. ضع حدوداً واضحة
قد يؤدي اختيارك لعدم الانحياز إلى تشكيك صديقك بقوة علاقتكما؛ ولكن على الأمد الطويل سيدرك أنَّك كنت تدعمه دون الحاجة إلى الإساءة للآخرين، وإذا كنتما صادقين مع بعضكما وتحترمان حق كل منكما في تبنِّي وجهة نظر مختلفة، فمن الممكن الحفاظ على قوة العلاقة حتى مع وجود بعض الاختلافات.

أما إذا استمرت الأمور في التصعيد، ورُفِضت اقتراحاتك، فربما من الحكمة التراجع والاكتفاء بتقديم الدعم العاطفي من بعيد.
لا يتعمَّد الإنسان إيذاء الآخرين
لا ينوي معظم الناس إيذاء أحد، وغالباً ما يكونون هم أنفسهم متألمين، أو يشعرون بعدم الاحترام أو الخيانة تبعاً لما حدث، وحتى إن بدا أنَّهم السبب في المشكلة، فقد تكون أفعالهم ناتجة عن جرح أو خوف دفين، أضف إلى ذلك أنَّ سوء الفهم غالباً ما يكون السبب الرئيس للخلافات، فربما سمع أحدهم شيئاً أو فهمه بطريقة مختلفة عما كان مقصوداً.
في الختام
يصعب عدم التدخل حين نرى شخصاً يتعرض للأذى أو نشهد ظلماً واقعاً، لكن النوايا الطيبة قد تسبب مزيداً من الضرر، أو تزيد الشائعات وتعقد الموقف. لذا، قبل أن تتدخل، اطرح على نفسك الأسئلة التالية:
- هل أنا الشخص المناسب للتدخل؟ أم أنَّه من الأفضل أن يتدخل شخص أكثر حيادية؟
- لماذا أريد التدخل؟ وما هو دافعي وهدفي من ذلك؟
- هل أملك كل الحقائق اللازمة لكي أتعامل مع الموقف بحكمة؟
- هل طريقتي في التدخل قد تؤجج الخلاف، أم من المحتمل أن تسهم في حله؟
يجب أن تعمل لمصلحة كلا الطرفين بهدف الوصول إلى حل يرضيهما. ينبغي بالطبع احترام وتقدير مشاعر الطرفين، لكنَّ التركيز يكون على إيجاد طرائق عملية تفيدهما، وليس على إلقاء اللوم، فهناك فرق بين أن تدافع عن قناعاتك وبين أن تنحاز ضد شخص آخر.
لزيادة فرص حل الخلاف دون تصعيده، حاول دائماً أن تركز على جوهر المشكلة، وتتعاطف دون أن تتبنى وجهة نظر محددة، وتضع حدوداً واضحة، وتتذكر الجانب الإنساني من كل شخص، وتلتزم بدورك دون تجاوز الحدود.
أضف تعليقاً