Top


مدة القراءة: 5 دقيقة

هل يكون فيروس كورونا سبباً لموجة إبداعية جديدة؟

هل يكون فيروس كورونا سبباً لموجة إبداعية جديدة؟
مشاركة 
الرابط المختصر

إن أحداث البجعة السوداء مثل الركود الاقتصادي والأوبئة تُغيّر مسار الحكومات والاقتصادات والشركات وتُغيّر مسار التاريخ. فقد قضى الطاعون في القرن الثالث عشر على النظام الإقطاعي المتأصِّل في أوروبا، مُستبدلاً إيّاهُ بعقود العمل الأكثر حداثة. وبعد ثلاثة قرون فقط، حصلَ ركود اقتصادي كبير، وبفضل حرب المئة عام بين إنجلترا وفرنسا، حدثت حملة ابتكار رئيسة أدت إلى تحسين الإنتاجيَّة الزراعية تحسُّناً جذرياً. انتشر وباء سارس في الفترة 2002-2004 بسرعة، لكنَّه حفز النُّمو المتسارع لشركة التجارة الإلكترونية الصغيرة آنذاك المسماة علي بابا، وساعد في جعلها في طليعة متاجر التجزئة في آسيا. كان هذا النمو مدفوعاً بالقلق الكبير حول السفر واحتكاك البشر بعضهم ببعض؛ على غرار ما نراه اليوم مع فيروس كورونا.



كما نتج عن الأزمات المالية لعام 2008 آثاراً جانبية خطيرة؛ لكنَّها سببت في ارتفاع شعبية شركتي "إير بي إن بي Airbnb" و"أوبر Uber"، حيث أدت أزمة القروض الائتمانية إلى انخفاض المدخرات والدخل العام. كما ساهمَ إجبار الناس على مشاركة الممتلكات في الغرف المشتركة وركوب السيارات المشتركة لتغطية العجز الحاصل في تعزيزِ شعبية هاتين الشركتين أيضاً.

وتغيرت شركات ألعاب الفيديو بسرعة، حيث شهد عام 2011 صعود شركات الألعاب المجانية، وذلك بفضل شركَتَي "نيكسون كو المحدودة Nexon" في آسيا و"كينغ King" في الغرب.

مع انتشار فيروس كورونا، نشهد بالفعل علامات مبكرة على التَّحول في سلوك المستهلكين والشركات؛ حيث يتمّ تشجيع العمل عن بعد من قبل الشركات التقنيَّة وغير التقنيَّة على حدٍّ سواء، وتتأثر أرباح الخطوط الجوية بسبب انخفاض حجز المقاعد، وتعطَّل توريد السلع على مستوى العالم. كما نفدت متاجر التجزئة من الإيبوبروفينن، والمعقمات وورق الحمام.

بعض هذه التَّغييرات هي استجابات مباشرة وقصيرة الأجل للأزمة، وستعود إلى مستوياتها العادية بمجرد احتواء هذا الفيروس. لكن ومع ذلك، ستستمر بعض هذه التحولات، وتخلق اضطراباً رقمياً على المدى البعيد؛ مما سيمهّد لإعادة تشكيل الشّركات لعقود قادمة.

الأبعاد الثلاثة لتأثير الوباء:

للأوبئة تأثير مباشر على الأبعاد البيولوجية والنفسيَّة والاقتصاديَّة. تختلف شدته اعتماداً على معدل الوفيات والمرضى الموجودين، وكذلك الوقت المستغرق لانتشاره. بالنسبة إلى كوفيد-19 (كورونا المستجدّ):

  • التأثير البيولوجي: كان التأثير البيولوجي لكوفيد-19 سريعاً جداً وكان المسنّون هم الأكثر تضرراً.
  • التأثير النَّفسي: يمكن ملاحظة التأثير النفسي لكوفيد-19 في أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم؛ فالمستثمرون غير واثقون من المستقبل لأنَّ المعلومات حول انتشار كوفيد-19 وتأثيراته على الإنتاجية العالمية غير واضحة. كما يواجه سكان العالم تأثيراتٍ نفسية أيضاً، وذلك مع انخفاض الروح المعنوية وزيادة العزلة بسبب تقييد الاحتكاك البشري وحرية السفر بشكلٍ كبير.
  • التأثير الاقتصادي: كان التأثير الاقتصادي لكوفيد-19 كبيراً أيضاً ولا يقلّ عن العوامل الأخرى، إذ توقّف عرض المنتجات الأساسية، وانخفض الطلب على المنتجات والخدمات المختلفة. وإن استمر هذا، فقد يؤثر فيروس كورونا بشكلٍ كبيرٍ جداً على الناتج المحلي الإجمالي العالمي بشكلٍ سلبي.

ستحدث ابتكارات وتغييرات في التوجّهات على المدى البعيد، وذلك في الوقت الذي يحاول فيه المستهلكون والشركات جاهدين تقليل التأثيرات النفسية والاقتصادية، بُغية احتواء وخفض التأثير البيولوجي للمرض.

بيّنت دراسةُ أكثر من 50 شركة ناشئة توسعت في أوقات الأزمات العالمية أنَّه عادةً ما يؤدي الركود إلى تسارع في تغيير هيكليّة الشركات، مما يؤدي إلى انخفاض تكاليف الخدمة والأسعار. ومن ناحيةٍ أخرى، تميل الأوبئة إلى تمكين فئات جديدة تماماً من الشركات. كما أصبح من الواضح أنَّ الأوبئة والركود يُسرِّعان من الابتكار؛ وذلك لكونهما من الأسباب المباشرة له: أي أنَّ الشركات والأعمال الناشئة كانت موجودة فيما سبق، لكنَّها اكتسبت شعبيَّة بمعدلات متسارعة أكثر بفضل حدث بجعة سوداء معيّن.

إقرأ أيضاً: أهم الأسئلة حول فيروس كورونا ونصائح للوقاية منه

فيما يلي ثلاثة توجهاتٍ جديدة كلياً يمكننا توقعها في فترة ما بعد كوفيد-19:

1. دمجُ شحنات التوريد العالمية في النُّظم البيئيَّة المرنة:

جرى توجيه شحنات التوريد العالمية نحو الحفاظ على الجودة ثابتة نسبياً مع دفع تكاليف أقلّ في كلّ خطوة. وقد أدى ذلك إلى مخاطر كبيرة من حيث الجغرافيا والبائعين عند معظم الشركات. فعلى سبيل المثال، يتناقص الدور الاقتصادي للصين بسبب فيروس كورونا، مما أثَّر على عملية التوريد بشكلٍ كبير، والأساليب التي نشهدها اليوم كشفت عن عدم مرونة هذا النهج.

هناك حاجةٌ ماسةٌ إلى سلاسل توريد أكثر توزيعاً وتنسيقاً وتتبعاً للمكونات عبر مناطق جغرافية وبائعين متعددين، مع الحفاظ على وفورات الحجم. وهذا يتطلّب إقامة منصات عالمية تستخدم تقنيات معقدة مثل تقنيات الجيل الخامس والروبوتات والإنترنت وسلسلة الكُتل، وذلك للمساعدة في ربط العديد من المشترين ببائعين متعددين عبر "شبكة" من سلاسل التوريد الموثوقة.

سيكون لهذا أيضاً تأثيراتٌ كبيرةٌ على اعتماد السيارات ذاتية القيادة وطائرات التسليم بدون طيار؛ حيث أنّ الطلب على خدمات التجارة الإلكترونية سيتجاوز عدد السائقين المطلوبين لتحقيقها. ومن المرجح أن تتقدّم المنصات الالكترونية المعتادة للبيع بالتجزئة مثل "أمازون" و"علي بابا"، وتتنافسان على ملكية هذا النظام الجديد لسلسلة التوريد الأكثر تعقيداً في العقد المقبل.

2. ستسود النُّظم البيروقراطية الرقمية:

بسبب انتشار وباء كوفيد-19، كان على الحكومات التَّحرك بشكلٍ أسرع من أيّ وقتٍ مضى. حطمت الصين الأرقام القياسية ببناء مستشفى بمساحة 645,000 قدم مربع (تقريباً 60 ألف متر مبع) في 10 أيام فقط في مدينة ووهان. وقامت كوريا الجنوبية بإجراء اختبار سريع لأكثر من 200,000 من مواطنيها، واستَخدمت الهواتف الذكيَّة لوضع علامة على حركة المصابين، وذلك لتنبيه غير المصابين بهذه التحركات عبر التحديثات المتكررة.

كل هذه الجهود -رغم وضوح التأثير البيولوجي- كان من الممكن أنّ تُثْمِرَ أكثر إذا كانت هناك مدنٌ أكثر ذكاءً في العالم؛ فوفقاً لأحدث دراسة أجرتها جامعة غلاسكو، تُعدّ 27 مدينة فقط من بين 5500 مدينة كبيرة الحجم رائدةً في هذا المجال.

وبينما تتعلَّم الحكومات من تجربة فيروس كورونا، فإنَّها ستحوِّل الاستثمار إلى صالح المدن الذكية؛ حيث سيكون من الضروري الحصول عليها من أجل إدارة أحداث البجعة السوداء المقبلة بشكلٍ أفضل. وستكون الحكومات الرئيسة التي تستفيد من هذا التحول هي الحكومات الذكيّة والشركات العملاقة مثل سيسكو ومايكروسوفت وسيمنز، وكذلك الشركات الرقمية النَّاشئة في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.

3. سيتم توفير خدمات الصَّحة النَّفسية على نطاقٍ واسعٍ رقميّاً:

إنَّه لمنَ السهل جداً التنبؤ بأنَّ فيروس كورونا سوف يكون سبباً في ازدياد العمل عن بُعد بالإضافة إلى التَّعليم عبر الإنترنت. ولكن ما يصعب اكتشافه هو ما سيحدث بمجرد أنّ تحتاج غالبية القوى العاملة معاً للعمل عن بعد إلى أجلٍ غير مسمى.

من المحتمل أنّ يؤثر هذا التحوّل على الروح المعنوية والإنتاجيّة والصَّحة العقلية للعمال في جميع أنحاء العالم، وينبغي على الشركات الاستعداد لذلك. بالنسبة إلى الشركات التي تتطلع إلى إضافة اللمسة البشرية رقمياً إلى عملها، فإنَّ الخيارات محدودة اليوم. يمكن لعددٍ قليل من شركات التكنولوجيا الأخرى، مثل "Github" و"Automattic" التي تعمل في الغالب على نموذج التعاون عن بُعد، أن تساعد الشركات الأخرى على التأقلم.

بالنسبة للأفراد الذين يعملون عن بعد، تبدو الأمور أفضل بكثير. يمكن للعديد من الشركات النَّاشئة في مجال الصحة العقلية حلّ مشكلة العزلة، وكذلك يمكن أن تساعد تطبيقات شبكات الأعمال التجارية في حلّ مشكلات التَّوجيه والتَّطوير التي تأتي مع كونك عاملاً عن بُعد.

إقرأ أيضاً: 7 تطبيقات لعقد مؤتمرات الفيديو والاجتماعات عبر الإنترنت عن بعد

العالم ما بعد فيروس الكورونا:

لقد شكل فيروس كورونا صدمةً رهيبةً للاقتصاد العالمي، وكذلك للآلاف من الأفراد والأسر التي أثَّر عليها الفيروس. تحتاج الشركات في الوقت الحالي إلى التأكد من أنَّ صحة وسلامة عمالها وشركائها ومورديها تأتي أولاً. أمّا على المدى البعيد، فقد غيّر فيروس كورونا بشكلٍ لا رجعة فيه الطريقة التي ستتنافس بها الشركات في العقد المقبل.

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: هل يكون فيروس كورونا سبباً لموجة إبداعية جديدة؟






تعليقات الموقع