سنعالج في هذا المقال ستة عناصر تساعدنا على معرفة بعض من أهم ما يجب القيام به بعد ولادة الفكرة وقبل البدء بتنفيذها، وذلك حتى ننقل أفكارنا الجيدة من حيِّز الأحلام إلى حيِّز الأهداف.
أسباب متعددة هامة تتطلب إعادة النظر في مدى صوابية الطريقة التقليدية لإطلاق المشاريع
من أسباب رغبتي القوية في توضيح أهم الأمور المتعلقة بشؤون وشجون المشاريع ومنشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة كوني عايشتُ عدداً من الاستشاريين والخبراء العاملين في عالم الأعمال:
- تفاصيل فشلها مع كثيرين ممن أُحبِطوا بشدة من عدم تحقيقهم أحلامهم من خلالها أو من عدم تحقيقهم أي نجاحٍ يُذكَر.
- نتائج تلك الدراسات "المُحبِطة والصادمة" التي قرأتُ عنها في مناهج إدارة الأعمال وأهم المرجعيات العالمية المشهود لها بالكفاءة والوثوقية.
- تحليل تلك الدراسات والمرجعيات واكتشاف أسباب فشلها وتحديد معظم وأهم العوامل الكفيلة بإنجاحها فيما لو أُخِذ بها.
أثبتت أكثر الإحصائيات واقعيةً ودقةً أنَّ نسبة الخسارة، تزيد عن نسبة الربح بثلاثة أضعاف إلى أربعة خلال السنوات الخمس الأولى من عمر كل المشاريع التي قُيِّمَت نتائجها ودراستها حول العالم.

الحد الأدنى من التفكير الوقائي تُقلِّل احتمالات الفشل
حتى تتجنب مرارة الخسارة وقبل أن تبدأ مشروعك، أجِبْ نفسك بواقعية وصدق وأمانة -بعيداً عن التفاؤل والتشاؤم- عن السؤال الجوهري الأول: "ما الذي سأحققه من هذا المشروع كعوائد مادية ومالية ومعنوية تتعلق بالرضى والإشباع، وأيضاً كعوائد أو مكاسب أخرى محتملة؟".
من المؤكَّد أنَّ محاولة الإجابة عن هذا السؤال، ستتطلب منك الإجابة عن أسئلة كثيرة أخرى من قبيل:
- هل الأفضل لي العمل الوظيفي أم امتلاك مشروعي المخصص؟
- هل هناك جواب دائم أو صحيح بالمطلق حول أفضلية التوظيف على العمل الحر أو خلاف ذلك؟
- كيف أهيِّئ نفسي لتنفيذ قراري حولها إذا توفرت إجابة "صحيحة" حول تلك الأفضلية؟
- هل ....؟
- مَن سيساعدني في ...؟
- كيف سأتمكن من ...؟
ستؤرِّقك كثير غيرها من الأسئلة بحثاً عن إجابات واقعية وعلمية لها ستساعدك على اتخاذ القرار الأقرب للصواب.
ألا يُعد تجنُّب الخسارة شكلاً من أشكال الربح؟
صحيح أنَّ الوصول للإجابات الشافية سيتطلب منك قدْراً ليس بقليل من الوقت والجهد، ولكن صحيح أيضاً أنَّ رحلة البحث هذه، ستنطوي على كثير من الإثارة، إضافةً لكونها ستقلل كثيراً من خطر الخسارة وتزيد احتمالات الربح (تَذَكَّر دائماً أنَّ: تقليل حجم الخسارة أو تجنُّبها يُعد شكلاً من أشكال الربح)؛ خاصةً أنَّ معظم من يحلمون في بناء منشأتهم المخصصة ويطمحون في إنجاز ذلك، نادراً ما يجدون فرصة ثانية عندما يتعرضون للخسارة، هذا إذا اقتنصوا أصلاً الفرصة الأولى.
إذا كان الأمر كذلك، ألا تستحق "فرصة العمر" تلك التي تطاردها أن تقومَ بأسبابها من:
- المعرفة العلمية الصحيحة.
- الإعداد المادي المناسب، والنفسي الجيد.
- ما يتطلبه أيضاً نجاحك في ذلك من متطلبات.
لا أعتقد أنَّك ستستفيد من هذا المقال ولا من غيره حول هذا الموضوع إذا كانت إجابتك بالنفي، وإذا كانت إجابتك أنَّ "فرصة العمر" تستحق فعلاً بذل ما يلزم من الموارد لتحقيقها، إليك بعض النقاط المفتاحية التي ستُسَهِّل عليك رحلتك في البحث عن حقيقة ما تحلم في "التورط فيه" لإنجازه.

متى تكون "ورطة"؟ ومتى نعِدُّها فرصة؟
لا تعد عبارة "التورط في المشروع الحلم" كلمة مبالغ فيها أو زلة لسان كما يمكن أن تعتقد، وإنَّما وصف دقيق جداً ومختصر لكثير من الحالات الموثَّقة حول العالم التي اكتشف أصحاب الأفكار الخلاقة والأحلام الكبيرة من رواد الأعمال، بعد فوات الأوان، أنَّهم تورطوا بما لا طاقة لهم على الاستمرار به من متطلبات مادية وغير مادية. فهم خاسرون إن توقفوا عند هذا الحد، وخاسرون أيضاً "على أمل الربح" أو حفظ ماء الوجه إن استمروا.
حتى لا تكون ممن انطبق عليهم المثل القائل بأنَّ "الفشل في الإعداد إعداد للفشل"، أدعوك بكل المحبة والتقدير للاطلاع على بعض أهم النقاط المفتاحية مما سيكون عوناً لك في سير خطواتك ضمن مسارك المهني أياً كان ذلك المسار وظيفياً أم عملاً حراً وأياً كانت خطواتك تلك، الأولى تجاه المسار أم ما بعد الأولى بقليلٍ أو كثير.
أي المسارين أفضل لك، المسار الوظيفي أم العمل الحر؟
سنفترض أولاً أنَّك تعرف شغفك وأنَّك حددت طبيعة العمل والمجال الذي يلائمك، ثم ننتقل بعد ذلك لإجابة الأسئلة التي تحدِّد أي المسارين ستسلك الوظيفي أم العمل الحر؟ وللإجابة، علينا أن نقوم بخطوتين:
- الأولى: المقارنة بين مزايا وعيوب إقامة مشروعك المخصص.
- الثانية: تحديد أي المسارين ستسلك وبأي طريقة في ضوء نتائج الخطوة الأولى.
لنبدأ بالخطوة الأولى: المقارنة بين مزايا وعيوب إقامة مشروعك المخصص:
أهم المزايا
1. التحكم بمشروعك والجزء الأهم من حياتك
خاصةً سلطة اتخاذ القرارات وسلطة توجيه وإدارة جميع نشاطات المشروع.
2. حرية الإبداع والتطوير
أي القدرة على التعبير عن موهبتك وأفكارك بحرية تامة ودراستها بما يكفي لتنفيذها دون القيود التي تفرضها السياسات الموضوعة في الشركات البديلة لشركتك.
3. تحقيق قدر مرضي من الأرباح
فكلما كان مشروعك أكثر نجاحاً، زاد المال الذي يمكنك كسبه، وفي حين تعتمد "القيمة الفعلية لرواتب الموظفين" عموماً على ما تفرضه ميزانيات شركاتهم وزيادة تكاليف الحياة، فإنَّ راتبك ودخلك المخصص، يرتبطان بأداء منشأتك مباشرةً.
4. الأمان المهني
من غير المحتمل أن تُطرَد، أو تُسرَّح، أو تُجبَر على الاستقالة في مشروعك المخصص.
5. الشعور بالثقة والفخر
تأسيس منشأتك المخصصة ومثابرتك على إنجاحها من خلال مجهودك الشخصي سيحققان لك ذلك النوع من الرضى الداخلي الذي يسعى إليه كل شخص.
6. احتمالية أكبر لتحقيق الثروة
امتلاك مشروعك المخصص يزيد فرصتك لتكوين ثروة، وإنشاء أصل يمكنك تنميته أو الاقتراض بضمانه، أو بيعه، أو توريثه للأجيال التالية.
7. المخاطرة المالية
إذا فشل المشروع (وهذا الاحتمال ليس بقليل عموماً)، يمكن أن تخسر استثماراتك وأصولك الشخصية بالكامل، بالإضافة إلى هذا، فإنَّك قد تتعرض لخسائر معنوية أيضاً.
8. العمل لساعات أكثر من المتوقع
نادراً ما تقتصر إدارة المشروع على العمل لمدة ثماني ساعات خصيصاً في البداية، قد تضطر للعمل لمدة طويلة في كثير من الأيام من أجل نجاح المشروع.
9. الدخل المتذبذب
بخلاف الراتب المنتظم للوظيفة، سيعتمد دخلك على تقلبات المشروع.
10. المسؤولية
حرية اتخاذ القرارات تكون مصحوبة بعبء تحمل مسؤوليتها، فإذا وقع أي خطأ، فإنَّك المسؤول عنه في الأساس.
11. الضغوطات
هناك دائماً ضغوطات مصاحبة لمحاولة إرضاء العملاء، ودفع رواتب الموظفين، والوفاء بمطالب الدائنين والموردين وكل الأطراف ذات الصلة.
12. القوانين
من المحتَّم عليك الالتزام بالقوانين المحلية وربما الدولية، وكذلك بمعايير الأمان المفروضة من قبل شركة التأمين.

أهم العيوب
لننتقل الآن إلى الخطوة الثانية المتمثلة بتحديد أي المسارين ستسلك وبأي طريقة في ضوء نتائج الخطوة الأولى:
أيَّاً كان المسار الذي قررتَ أن تسلكه، فهو يتضمن شقين لا بد لك من امتلاك الحد الأدنى من المهارات المطلوبة لكل منهما، وهما:
- الشق الفني المخصص بطبيعة المجال.
- الشق الإداري المرتبط بكل مجال.
يندر أن يمتلك أي شخص حديث العهد بسوق العمل الوظيفي أو الحر كل تلك المهارات، وإنَّما يختلف مدى اتقانها بين شخص وآخر تبعاً لكثير من ظروف الشخص الداخلية المخصصة به، والخارجية العامة المخصصة ببيئة عمله بصرف النظر عن طبيعة ذلك العمل.
صفات رواد الأعمال
وفق الكاتب "ديريك ليدو" في كتابه "رواد الأعمال- ريادة الأعمال والبحث عن القيمة"، هناك ثلاث سمات أساسیة لرواد الأعمال يجب امتلاكها أو اكتسابها، وھي:
1. إدارة الذات
تثابر مؤسسات ریادة الأعمال الناجحة على البحث والعمل بجدية تؤهلها لوضع سیاساتھا وإجراءاتھا المخصصة بنفسھا، ویقودھا رواد أعمال لا يتقيدون بأية سلطة أعلى منھم.
2. ابتكار القيمة
یجب على رواد الأعمال أن یبتكروا شیئاً ذا قیمة، وھم یخلقون قیمة بتقدیم شيء مبتكر یجعل منتجھم أو خدمتھم جذابة، ولا سبیل للحصول علیھا سوى عن طریقھم، وحتى لو كانت تلك المنتجات والخدمات مجرد نسخ مقلدة لمنتجات وخدمات أخرى، یجب أن تكون مختلفة عن المنتج الأصلي بوضوح حتى تنجح.
3. استمرار الجاذبية والتحفيز
لكي یواصل رواد الأعمال تقدیم منتجات جذابة ومطلوبة ویجنوا أموالاً من توجیھھم لأنفسھم، یجب أن یقدِّموا أشياء أكثر قیمة، ويمكنهم ذلك عندما یأتون بأشیاء لیست ذات قیمة كبیرة، ویحوِّلونھا إلى أشیاء قیمتھا أكبر بكثیر تُصنَع من مواد وموارد أقل قیمة، فتجعل العمیل یستحسن المنتج أو الخدمة ويدفع ثمنها ويقتنيها.
عند التخطيط لمسارك هذا، من الهام أن تركِّز على احتياجاتك ورغباتك الشخصية، وأن تتأكَّدَ ما إذا كان هذا المسار سيمكِّنُك من تلبية تلك الاحتياجات والرغبات بثمن أنت مستعد لدفعه. فإذا كنتَ مستعداً للدفع، سيكون السؤال التالي هو: هل أمتلك الآن أو يمكنني أن أمتلك في الوقت المناسب كل ما يتطلبه ذلك المسار من الحد الأدنى من المهارات والسمات الشخصية والسلوكية، وباقي المستلزمات للبدء؟
ختاماً
قد تبدو الإجابة عن الأسئلة أعلاه مربكة لبعضهم، ولكنَّها تبقى أقل صعوبة وأقل تكلفة بالوقت والجهد والمال من الإجابة عن الأسئلة حول الخسارة وأسبابها وحجمها، في حال وقوعها لا سمح الله لمن اتخذ الطريق الأسهل أو الأسرع.
اجمع ما يلزم من المعلومات التي سبق ذكرها أعلاه، وغيرها مما يعد أيضاً لازماً وضرورياً، وتحرَّ الدقة في جمعها (ما أمكن). فتاة أحلامك هي عروس العمر، وهذا مشروع حياتك، وكلاهما يستحق منك ما يستحق من وقتٍ وجهد للإعداد الذي سيوصِل للمراد. وإن لم ينطبق ما سبق ذكره على مشروعك، فمن المؤكد أنَّه سينطبق على مشاريع بعض من تعرف أو من تحب. شارِكهم المقال لتكون عوناً لهم في تجنب ما يكرهون من خسائر وتحقيق ما يحبون من أهداف.
المصادر +
- كتاب: كيف تنشئ مشروعاً تجارياً وتديره وتحافظ عليه- الدليل العملي الأساسي لتحويل مشروع أحلامك إلى حقيقة واقعة- الطبعة الرابعة- تأ
- خلاصة كتاب: "رواد الأعمال- ريادة الأعمال والبحث عن القيمة"، منشورات إدارة.كوم- خلاصات كتب المدير ورجل الأعمال- تصنيف: إدارة وقيا
أضف تعليقاً