Top
مدة القراءة: 2 دقيقة

لماذا من الأفضل أن يكون لدينا عددٌ قليل من الأصدقاء!

لماذا من الأفضل أن يكون لدينا عددٌ قليل من الأصدقاء!
مشاركة 
26 ابريل 2019

حصل خلال العقد الماضي أمرٌ ملفتٌ للانتباه، إذ إنَّنا تمكنا للمرة الأولى في التاريخ من بناء علاقاتٍ مع أشخاصٍ حول العالم والحفاظ على تلك العلاقات دون أي تواصل ماديٍّ تقريباً، ولم يعد من الممكن أن نفقد التواصل مع أي أحدٍ مرةً أخرى مع ازدياد عدد أصدقاءنا على فيسبوك ومتابعينا على تويتر كل يوم. ومن الرائع إعادة التواصل مع أصدقاء المدرسة القديمين من خلال نكزةٍ ورسالة فذلك أسهل بكثيرٍ من أن تضطرَّ إلى تبادل الأحاديث معهم بشكلٍ فعلي (فما الذي سأقوله بعد كل تلك السنين؟). ومن منّا لم يشعر بالحماسة مع تجاوز عدد أصدقاءه على فيسبوك الألف أو العشرة آلاف صديق؟



أليس هذا شيئاً جيّداً! فمزيدٌ من الأصدقاء يعني مزيداً من السعادة بكل تأكيد!

هذا ليس صحيحاً، فقد ارتبط ازدياد عدد الأصدقاء فعلياً حسبما تقول "شيرلي توركل" (Sherry Turkle) بازدياد العزلة الاجتماعية، وعلى الرغم من أنَّنا نتواصل مع عددٍ أكبر من الناس إلَّا أنَّ أضحينا نشعر بمزيدٍ من الوحدة. وقد تبيَّن أنَّ ثمَّة علاقةً بين استخدام فيسبوك والشعور بالوحدة، حيث يشعر عددٌ كبيرٌ من مستخدمي فيسبوك أنَّهم غير راضين عن حياتهم وتعيسون، ووجدت إحدى الدراسات أنَّ استخدام فيسبوك يعكِّر المزاج، في حين أنَّ استخدام الإنترنت المدة نفسها من الزمن لا يفعل ذلك.

يجب عليَّ هنا أن أؤكد أنَّ نتائج الأبحاث التي أُجريَت حول فيسبوك والأشكال الأخرى من وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن دوماً سلبية، فهذه الوسائل يمكن أن تُستخدَم بشكلٍ مفيد في تعزيز العلاقات على أرض الواقع، إضافةً إلى أنَّه يبدو أنَّ فيسبوك ليس هو الذي يجعلك تشعر بالوحدة بل الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة هم الذي يُكْثرون من استخدام فيسبوك. بيد أنَّ الأمر الذي يثير الصدمة أنَّ نتائج الأبحاث التي تُجرى حول عدد العلاقات الذي فاق ما كان لدينا في أي وقتٍ مضى ليست إيجابيةً دوماً – وليست قريبةً من ذلك حتى. وهذا يناقض تناقضاً صارخاً نتائج الأبحاث العامة التي أُجريَت حول أهمية العلاقات في جميع الجوانب الصحية.

وفي بحثٍ مثير أُجري في عدة مناطق حول العالم بحث "تيم كاسر" (Tim Kasser) عن قيم الناس وتأثيرها في سلامتهم، ودرس كيف أنَّ العلاقات تؤثر في صحتنا وسعادتنا، ووجد قيمتين مميزتين مرتبطتين بالعلاقات: الشعبية (الرغبة في الحصول على المزيد من الأصدقاء وإثارة إعجاب مجموعة أكبر من الناس) والألفة (الرغبة في تعزيز العلاقات وبناء علاقات وثيقة). لقد كان الأشخاص الذين تُعَدُّ الشعبية أهم بالنسبة إليهم أقل سعادةً وتمتّعاً بالصحّة وأكثر اكتئاباً وإدماناً على المخدرات، أمَّا الذين يسعون إلى الحصول على الألفة كانوا عكسهم تماماً. فمِن الخطأ أن نفترض أنَّ الحصول المزيد من أي شيءٍ في هذه الحياة يُعَدّ أمراً أفضل لأنَّ المسألة ليست كذلك حينما يتعلق الأمر بالعلاقات.


اقرأ أيضاً:
ماذا ستفعل إن كنت وحيداً بلا أصدقاء؟


القليل من الأصدقاء الحقيقيين:

للأسف يبدو أنَّ الناس في الولايات المتحدة وغيرها من بلدان العالم يفضلون أن يحظوا بشعبيةٍ بين الناس عوضاً عن بناء علاقات وثيقةٍ معهم، ففي عام 1985 سُئلَ الناس عن عدد الأصدقاء الذين ناقشوا معهم مواضيع مهمة، وكانت معظم الإجابات تقول 3 أشخاص، حيث ذكر 59% من الذين استُطلعَت آراؤهم أنَّ لديهم 3 أصدقاء مقربين أو أكثر، أمَّا في عام 2004 قال معظم الذين استُطلِعَت آراؤهم أنَّه ليس لديهم أصدقاء يناقشون معهم مواضيع مهمة. لكن الأصدقاء المقربين الذين تستطيع أن تفشي أسرارك لهم يُعدون ثمينين جداً، إذ ذكَرَتْ إحدى الدراسات أنَّ فائدة امتلاك صديقٍ وفي تراه كل يوم من ناحية التمتع بالصحة والسعادة تعادل فائدة زيادة الدخل بمقادر 100 ألف دولار.

وأود أن أشير هنا إلى بحثٍ رائع أجراه "روبين دونبار" (Robin Dunbar) على الثدييات العليا مرتبط بالبحث الذي أجراه "كاسير" قدَّر من خلاله أكبر عددٍ ممكن من القرود الذين يمكن أن يجتمعوا معاً إضافةً إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد البشريين الذين يمكن أن يقوموا بالأمر نفسه اعتماداً على حجم دماغ كلٍّ من الجنسين. وتبيَّن أنَّ أكبر عددٍ ممكن من العلاقات التي يستطيع البشر النجاح في إقامتها هو 150 وقد عُرِفَ هذا الرقم بـ "رقم دانبر". لكن ثمَّة أرقاماً أقل شهرةً أظهرها البحث أيضاً، إذ وجد دانبر مثلاً أنَّ الناس لديهم بشكلٍ عام 5 أشخاص يكونون الأكثر قرباً منهم، يليهم 15 شخصاً هم في المستوى الثاني من حيث قوة الصلة، ثمَّ يرتفع العدد في المستوى الذي يليه إلى 50، ثمَّ إلى 150 في المستوى الذي يليه. إنَّ جميع الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان من علاقاته تقريباً لا يكون مصدرها الـ 500 أو الـ 150 أو الـ 50 صديقاً الذين يملكهم على فيسبوك بل من الـ 15 صديقاً الموجودون في المستوى الثاني الذي أشرنا إليه في الأعلى، حيث إنَّ الوقت الذي تقضيه مع الـ 15 صديقاً هؤلاء يؤثر تأثيراً مباشراً في سعادتك، وصحتك، والمدة الزمنية التي تعيشها (وفي سعادة أولئك الأصدقاء أيضاً، وصحتهم، والمدة الزمنية التي سيحيونها). وفي بحثٍ أجراه كلٌّ من "أيد دينر" (Ed Diener) و"مارتن سيليجمان" (Martin Seligman) على أشخاصٍ سعيدين جداً وجدا أنَّ الشيء المشترك الذي يجعلهم سعيدين جداً هو العلاقات القوية التي تربطهم بالأصدقاء المقربين وأفراد العائلة والالتزام بقضاء الوقت معهم بشكلٍ شخصي.


اقرأ أيضاً:
7 أنواع من الأصدقاء لا يُمكن الاستغناء عنهم


المسألة مسألة أولويات:

أنا لا أقول هنا أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تُعَدُّ شيئاً سيئاً ولا أحثُّك على ألَّا تكون صاحب شعبيةٍ بين الناس، كل ما في الأمر أنَّنا نحتاج إلى فهم ما هو الأهم. ثمَّة بكل تأكيد متعة نحصل عليها حينما نرافق الكثير من الناس ونتتبع أخبار الأصدقاء الذين فقدناهم وقتاً طويلاً. كل ما في الأمر أنَّه ينبغي علينا أن النظر إلى هذه الأمور بوصفها "وجباتٍ اجتماعيةً خفيفة" مثلما أطلق عليها عالما النفس "ويندي جاردنر" (Wendi Gardner) و"كيندي بيكيت" (Cindy Pickett) وليس بوصفها وجبةً رئيسة. وإضافةً إلى ذلك نحن في حاجةٍ خلال معركة الأولويات التي تثقل كاهل حياتنا بشكلٍ دائم إلى الحرص على ألَّا يكون الحصول على مزيدٍ من "الأصدقاء" على حساب علاقاتنا الحقيقية القليلة. ومن الضروري أن نتأكَّد من ألَّا تشغلنا العلاقات الوهمية التي نبنيها مع العديد من الأشخاص واستمرار تنامي شبكة علاقاتنا إلى درجة تعزز شعورنا بالغرور عن الأمر المهم حقاً: زيادة عمق علاقاتنا الوثيقة مع الآخرين. ويجب علينا أن نحترس من ألَّا تشتت مئات العلاقات التي تجمعنا بالآخرين انتباهنا وألَّا تصرف اهتمامنا عن اللحظات الخاصة التي نعيشها مع الذين يقاسموننا الطريق.


اقرأ أيضاً:
نصائح لتأسيس وبناء علاقات اجتماعيَّة ناجحة


فإذا تجاهلنا العلاقات الوثيقة القليلة واهتممنا بالعلاقات السطحية العديدة سنخفق في المضي قُدُماً، فمن هم أصدقاؤك الـ 15 المُقرّبون؟

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: لماذا من الأفضل أن يكون لدينا عددٌ قليل من الأصدقاء!




ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع