Top
مدة القراءة: 6 دقيقة

قصة نجاح الطبيب عبد السلام العجيلي الكاتب والأديب السوري

قصة نجاح الطبيب عبد السلام العجيلي الكاتب والأديب السوري
مشاركة 
الرابط المختصر

سنتحدث في مقالتنا هذه عن الطبيب والكاتب والسياسي السوري عبد السلام العجيلي ابن مدينة الرقة، الذي عاش حياةً زاخرةً بالأحداث السياسيّة والأدبيّة، والذي رحل جسداً ولكنّه بقي حيّاً راسخاً في ذاكرة الناس وترك لنا إرثاً أدبيّاً وثقافيّاً كبيراً.



أوّلاً: من هو عبد السلام العجيلي؟

عبد السلام العجيلي هو طبيب ونائب ووزير وأديب سوري من مواليد مدينة الرقّة السوريّة والذي يُعتبَر أحد أهم أعلام القصّة والرواية في سوريا والعالم العربي، وقد تُرجِمَت مُعظم أعماله إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والروسية، وتُدرّس العديد من أعماله في الجامعات والمدارس ويُعَد مرجعاً من مراجع الأدب العربي.

ثانياً: نشأة عبد السلام العجيلي

وُلِدَ عبد السلام العجيلي في مدينة الرقّة شمال شرق سوريا في عشرينيات القرن الماضي، حيث أنّه لا سبيل لمعرفة العام الذي وُلِد فيه على وجه التحديد، حيث لم يكن في مدينة الرقّة حينها سجلّات ثابتة للمواليد، لذلك تمّ تعديل التاريخ المرجّح لولادته من 1918م إلى 1912م.

والده الحاج علي المحمد الويس العجيلي أحد الوجهاء وأصحاب الأملاك المعروفين، ووالدته الحاجة مزنة الحميد العلوش العجيلي، وقد تربّى عبد السلام العجيلي على يد جدّه تربيةً صارمة، واشتهر جدّه والد والدتهِ حميد العجيلي بتأليف الشعر البدوي.

درس العجيلي الابتدائية في مدينة الرقّة في عام 1929م، وانتقل إلى حلب لإكمال دراسته الثانويّة، ودرس في مدرسة المأمون قبل أن يَلتَحِق بالمعهد الطبّي العربي في دمشق وتخرّج طبيباً عام 1945م. ويُحكى أنّ أحد الأساتذة سأله: "ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل؟ فأجاب: أحلم بأن أُصبح طبيباً يخدم الإنسانيّة ويُعالج المرضى. وكان ذلك حين لم يكن هناك أيّ طبيب من أبناء المنطقة، فيضطر أهالي البلدة إلى أخذ مرضاهم إلى مدينة حلب للطبابة والعلاج.

كان عبد السلام العجيلي طبيباً قبل أن يكون أدبياً أو سياسياً، ما هيأ له موقعاً اجتماعياً مرموقاً ومؤثراً يستند أساساً إلى مكانة عائلته وذلك ضمن مجتمع عشائري يتباهى بأصوله، حيث تنتمي عائلة العجيلي إلى قبيلة البو بدران العراقيّة، الحسينيّة النسب، والتي كانت تُقيم في قرية (الجرن) أو القرن في مدينة الموصل، وقد نزحت بعض أسرها إلى سوريا وكانت عائلة عبد السلام من ضمنها والتي ذهبت في البداية إلى الرها (أورفا) الآن ثمّ انتقلت فيما بعد لمنطقة وادي الفرات (الرقة) في منتصف القرن التاسع عشر.

ثالثاً: بداية حياته السياسية

في عام 1943م أقام عبد السلام العجيلي دعوى في المحكمة للحصول على قيد نفوس جديد ليعدّل مواليده إلى عام 1912 بدلاً من عام 1918م، وذلك ليتمكن من الترشُّح لأوّل انتخابات نيابيّة في العهد الجديد. بعد نيل سوريا لاستقلالها الشكلي، والوعود بإجراء انتخابات نزيهة.

مثَّلَ عبد السلام طالب السنة الثانيّة في معد الطب العربي في دمشق الأمل لعائلته في الحصول على كرسي في مجلس النواب، حيث كانت حكومة الانتداب تُعيق وصول الأصوات الوطنيّة والمُناهضة لها إلى المجلس.

وقد اشتهر العجيلي بنشاطه الطلّابي، فقد كان رئيساً للجنة الطلّابية في ثانويّة التجهيز في حلب، وشارك بالاحتجاجات التي عمّت سوريا في عام 1939م بسبب سلب السلطة الفرنسيّة لواء اسكندرون ومنحه لتركيا، وفي أثناء دراسته الطب لم يبتعد عبد السلام عن النشاط الطلّابي السياسي، فكان في مقدّمة الذين خرجوا آواخر العام 1943م لنصرة رجالات لبنان الاستقلاليين والذين تمّ اعتقالهم من قِبَل السلطات الفرنسيّة آنذاك (بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما)، كما ارتجل رسماً للعلَم اللبناني في مظاهرةٍ تُطالب بإطلاق سراحهم وكان العلَم هو نفسه العلم السوري ولكنه وضع بدلاً عن النجمات، ثلاث أرزات.

لم ينجح عبد السلام في انتخابات عام 1943، فعاد مجدّداً إلى دراسته وإلى نشاطه السياسي، حيث تهيّأ لانتخابات الدورة التالية لعام 1947م، عُقبَ نيل سوريا استقلالها التام في عام 1946م.

عاد عبد السلام إلى الرقّة طبيباً في عام 1945م، حيث قام بفتح عيادته الخاصّة والتي احتضن فيها أهالي مدينته، فكان طبيباً كريماً ومحبّاً صادقاً، ومتواضعاً مع مرضاه والناس بشكل عام. ما لبث أن عاد عبد السلام للعودة للحياة السياسيّة حيث تقدّم للترشُّح للانتخابات النيابيّة ليفوز بعدها بمقعد نيابي في المجلس، ثمّ ليخوض بعدها أهم التجارب الوطنيّة مع القضية الفلسطينيّة بعد أن أصدرت الجمعيّة العموميّة للأمم المتحدة قرار التقسيم في عام 1947م.

تشكّل آنذاك جيش الإنقاذ عام 1947م من قِبَل اللجنة العسكريّة للجامعة العربيّة من المتطوّعين من البلدان العربيّة، وشارك في حرب 1948م وكان الجيش قد أطلق عليه في البداية اسم جيش التحرير ثمّ غيّر الاسم إلى جيش الإنقاذ ليدخل الأراضي الفلسطينيّة، ويَحُوْل دون قيام الكيان الصهيوني، وكان حينذاك نائباً عن الرقّة في مجلس النوّاب.

مع انخراط عبد السلام العجيلي في جيش الإنقاذ كشفت تجربته الغنيّة والفذّة لاحقاً عن خيبة أمل الشاب المثالي آنذاك وذلك من خلال كتابه (فلسطينيات) الذي روى فيه عمّا يكشفه ميدان المعارك، وكان من سوء الحظ أنّ تقديراته التي وضعها ذلك الحين أيدتّها أوضاع العرب منذ عام 1984م وحتّى يومنا هذا.

شهد عبد السلام العجيلي قيام أوّل انقلاب عسكري من قِبَل حسني الزعيم في عام 1949م، فابتعد عن السياسة وعاد إلى بلدته وعيادته، حتّى قيام حكومة الانفصال في عام 1961م، وقد تمّ تكليفه في عام 1962م بثلاث وزارات، وزارة الثقافة والإعلام والخارجية.

إقرأ أيضاً: قصة نجاح الأديب والمسرحي سعد الله ونوس

رابعاً: حياة عبد السلام العجيلي كطبيب

على الرغم من اشتهار عبد السلام كأديب أكثر من كونه طبيباً أو سياسيّاً، إلّا أنّه لا يمكن إنكار كونه طبيباً قدّم لأهل بلدته أروع معاني الإنسانيّة، فقد ساهم بدور أساسي في مُكافحة شلل الأطفال في الثمانينات، وتعاوَنَ مع مُنظّمة الصحّة العالميّة للحصول على لقاحات مجانيّة، فتجاوبت الحكومة مع ذلك بشكلٍ سريع، وأطلقت حملة وطنيّة لمكافحة هذا المرض.

فكانت عيادته مقصداً لآلاف المرضى من أهل المدينة وبدو صحرائها المتناثرة من حولها، وسنجد أنّ أطفالاً قد ولدوا لنساء البدو قد حملوا اسم عبد السلام تبرّكاً بشيخ الحكمة الذي تحوّلت عيادته إلى صدرٍ حنون يقصده المرضى من كل مكان. يقول الدكتور عبد السلام العجيلي: «إنّ ما كتبته يكتبه غيري لكنّ دوري في مداواة الناس لا يَقْدِر عليه غيري».

خامساً: حياة عبد السلام العجيلي كأديب

عدا عن كون عبد السلام طبيباً كان أديباً متعدّد الجوانب، حيث بدأ حياته بكتابة القصّة ونظّم الشعر، ثمّ توجّه لكتابة القصّة القصيرة كما جرّب كتابة الرواية والمقالة والمقامة والمسرح، إضافةً لمحاولاته البسيطة لرسم الكاريكاتير. إلّا أنّ كتابة القصص كانت أساسيّة بالنسبة له وشَغَلَت مساحةً كبيرة من أعماله.

بدأت محاولة عبد السلام بالكتابة منذ سن ال 12 حيث ألّف تمثيليّة عن قصّة تاريخيّة حدثت في إحدى ضواحي الرقّة، كما حاول كتابة بعض الأبيات الشعريّة. فكانت بدايةً تشوبها بعض الأخطاء في الوزن والعروض والتي تداركها لاحقاً بعد معرفتهِ الكاملة بها.

كان أوّل عمل نُشِرَ له حين كان طالباً في الثانوية في عام 1936م، وهو عبارة عن قصّةٍ بدويّةٍ تحمل عنوان "نومان" في مجلّة الرسالة المصريّة، وهي المجلة الأولى في العالم العربي التي كان يُصدِرها الأستاذ الزيات. كما نَشًرَ بأسماءٍ مُستعارة قصصاً وقصائد وتعليقات في مجلّة «المكشوف» اللبنانيّة وفي سواها من الدوريات الدمشقيّة إلى أن اكتشفه سعيد الجزائري وهو من أدباء دمشق الذي كشفه للقُرَّاء وشجّعه على الكتابة، فكان ذلك بداية لصداقتهما.

في عام 1943م فازت قصّته «حفنة من دماء» بجائزة لمسابقة القصة التي نظّمتها مجلّة الصباح. وفي عام 1948م في مصر تعرّف عبد السلام إلى الشاعر أحمد رامي، وأنجز مجموعته القصصيّة الأولى «بنت الساحرة».

 كما ألّف مع عدد من الكُتَّاب السوريين الظُرفاء «عصبة الساخرين» وكانت له جلسات شيّقة مع الرحابنة، كما جمعته علاقات صداقة مع الكثير من الأدباء والنقّاد، من أبرزهم جاك بيرك، وعبد الرحمن بدوي، يونس بحري وغيرهم.

في عام 1951م، ألَّفَ المجموعة الشعريّة "ليالي ونجوم" والمجموعة القصصية "ساعة الملازم" المؤلّفة من تسعة قصص قصيرة منها التي تحمل اسم المجموعة "ساعة الملازم" و"الحب والأبعاد"، ثمّ سافر إلى فرنسا وأقام فيها لمدّة ستّة أشهر، ومنذ ذلك العام حتّى عام 1970م، زار مُعظم أرجاء أوروبا الغربية والأمريكيتين، حيث كتب في تنقّلاته هذه الكثير من القصص الرائعة (كحكايات من الرحلات) و(دعوة إلى السفر).

في عام 1959م، ألَّفَ رواية "باسمة بين الدموع" والمجموعة القصصيّة "الحُب والنفس" وهي مكوّنةٌ من سبع قصص. وفي العام التالي ألَّفَ رواية "رصيف العذراء السوداء" والمجموعة القصصيّة "الخائن".

في عام 1977م، ألَّفَ رواية "أزاهير تشرين المُدماة". وفي العام التالي ألَّفَ كلًّاً من الكتابين من أدب المقالة "عيادة في الريف" و"سبعون دقيقة حكايات" الذي يتألَّفَ من مجموعة من المحاضرات منها "تجربتي في القصة" و"تجاربي في واحد وسبعين عاماً". في عام 1979م، ألَّفَ كلًّا من المجموعة القصصية "الحب الحزين" التي تضم أربع قصص ورواية "المغمورون".

في عام 1982م، جمع مجموعةً من محاضراته التي ألقاها تحت أدب الرثاء في كتابٍ اسماهُ "وجوه الراحلين"، وبعدها بعامين أصدر كتابه "في كل وادٍ عصا" والذي يضم مجموعةً من المقالات.

في عام 1986م، ألَّفَ كتابهُ الثالث في أدب الرحلات والذي أسماهُ "حكايات طبية"، بالإضافة إلى ذلك نشر قصّته "فصول أبي البهاء". وفي العام التالي، نشر كتابه "حُفنة من الذكريات" ومجموعته القصصيّة المتنوّعة بين القصيرة والطويلة "موت الحبيبة".

في الفترة بين عامي 1990م و1995م، نشر ثلاث مؤلّفات لهُ في أدب المقالة وهي "جيل الدربكة" الذي يضم مقالات وآراء في الفكر والعلم والسياسة والمجتمع، و"فلسطينيات عبد السلام العجيلي" و"محطّات من الحياة".

في عام 1997، ألَّفَ كلًّا من المجموعة القصصيّة المتنوّعة "مجهولة على الطريق"، وكتبه التي تضم مجموعةً من المقالات والآراء وهي "ادفع بالتي هي أحسن"، "أحاديث الطبيب"، "خواطر مسافر". وفي العام التالي أصدر روايته "أرض السِّيّاد".

في الفترة بين العامين 2001-2005، ألَّفَ كلًّا من الرواية "أجملهن" وكتاب "ضد التيار" والقصة "حب أول وحب أخير"، وكذلك "سعاد وسعيد" وكتاب "جيش الإنقاذ".

إقرأ أيضاً: قصة نجاح الروائي نجيب محفوظ

سادساً: نجاحات عبد السلام العجيلي

لاقت كتاباته استحسان الكثير من الكُتّاب العرب والأجانب، واعتُبِرَ عبد السلام العجيلي أحد أعلام الأدب في العالم العربي والعالمي، حيث أصدر نحو أربعين كتاباَ في مؤلّفات متنوّعة، وقد تمّ ترجمت بعض كتبه وأعمالٍ كثيرة له في الدوريّات والمُختارات الأدبيّة الأجنبيّة إلى لُغات عديدة كالفرنسية والإنكليزية والروسية والإيطالية والسويدية والألمانية والأرمنية والتشيكية.

فقال عنه البروفسور المُستشرق الفرنسي جاك بيرك إنّ رواية العجيلي "قلوب على الأسلاك" جديرة بأن تُصنّف بين أقوى ما ظهر من نوعه في الأدب العربي المُعاصر، عمّا أنتجه في الجيل نفسه، أمثال نجيب محفوظ وجبرا ابراهيم جبرا، ويقول الأديب الفرنسي جان غولميه: "غوته وستاندال وفلوبير، أسماء أعلام في الأدب مشهورة، وعبد السلام العجيلي يستحق أن يُشبّه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكي هؤلاء"، وقال الباحث الإنكليزي لويس يونغ: "استوفى العجيلي في مقاماته جميع المقاييس الكلاسيكية، فمقاماته ليست إحياء للشكل الأدبي القديم فحسب، بل حياكة في نول قديم، بخيط جديد".

كان العجيلي يعشق السفر، وجاب العالم من آسيا إلى أوروبا والأميركيتين، إلّا أنّه بقي في داخله ذلك الفتى الأصيل، الذي لطالما بقيَ مُلتصقاً بمدينته الصغيرة الرقّة والتي كان لا يُطِيق الابتعاد عنها، ولم ينسى أهلها لحظة حين تسلّم وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة الذي ناله ورأى فيه تكريماً لأهل بلدته من خلاله ليس لأنّه أفضلهم بل لأنّه واحد منهم فوجّه لهم الشكر والتحيّة وأهداه لهم.

كرّمت الرقة أديبها فأطلقت اسم الدكتور عبد السلام العجيلي، على الشارع الذي يمتد من مركز مدينة الرقة إلى جسر المنصور (العتيق)، وسُمّيت قاعة المحاضرات في مديريّة ثقافة الرقّة باسمه، إضافة إلى وَضِع تمثال نصفي له أمام القاعة، وسُمّيت إحدى الجادات في العاصمة دمشق باسمه، وشهد عام (2005) إطلاق مهرجان العجيلي للرواية العربيّة، والذي ظلّ يُقام سنويّاً حتّى نهاية عام (2010)، ليتوقّف مع اندلاع الأزمة في البلاد.

سابعاً: وفاة عبد السلام العجيلي

توفّي عبد السلام العجيلي صباح الأربعاء في 5 نيسان/ إبريل من عام 2006م (مات على سروج الخيل) هكذا وَصَفَ موته أهالي الرقّة، وقد أوصى قبل وفاته ألّا يجري له حفل تأبين رسمي ولا شعبي، ولا خطابات ولا قصائد، إنّما جنازة عاديّة فقط. فدُفن في مسقط رأسه في مدينة الرقّة بعد حياةٍ زاخرة بالعطاء.

وقد قال: " لقد شبعتُ من الحياة، عشتها بكل ما فيها، وما عدتُ أرغب بالمزيد"..

 

المصادر:


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: قصة نجاح الطبيب عبد السلام العجيلي الكاتب والأديب السوري




ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع