سنعرض في هذا المقال أهمية الإعلام والتوعية الاجتماعية، والنماذج الناجحة لحملات التوعية، والفرق بين الإعلام التقليدي والرقمي، والتحديات التي تواجه الإعلام، ونصائح لصياغة حملات أكثر فاعلية.
أهمية دور وسائل الإعلام في مكافحة التحرش
لا يكون دور الإعلام في مكافحة التحرش من خلال التوعية فقط، ولكن من خلال تغيير الثقافة المجتمعية التي تسمح بصمت الضحايا أو تبرير أفعال المتحرشين. وتُلخَّص أهمية هذا الدور في عدة محاور:
كيف تغيِّر التغطية الإعلامية المفاهيم المجتمعية؟
لا تتمثل أهمية وسائل الإعلام في حماية المجتمع في نقل الأخبار فقط، فهو اليوم قوة فاعلة في تشكيل الوعي العام، وقادر على زعزعة المفاهيم التي شرعنت الصمت، أو برَّرت التحرش تحت غطاء العادات أو الأعذار المجتمعية.
ويتجلى دور الإعلام في مكافحة التحرش حين يُخرج القصص الفردية من عزلتها، ويمنح الناجيات مساحة للبوح، فتصبح الشهادة صوتاً جماعياً يحفِّز المجتمع على التحرك.
وما أكدته دراسة منشورة في "ببمد سنترال" (PubMed Central) عام 2023 يعزز هذا المعنى؛ إذ أظهرت النتائج أنَّ الحملات الإعلامية الدقيقة رفعت وعي فئة الشباب (بين 18 و35 عاماً) بالتحرش بنسبة وصلت إلى 45%. وهذا الرقم يعكس أثر الإعلام حين يُوظَّف بوصفه أداة تغيير مجتمعية قادرة على تحويل الرسائل إلى مواقف، والتوعية إلى خطوات ملموسة على الأرض.
الإعلام بوصفه أداة وقائية وتعليمية في قضايا التحرش
يؤدي الإعلام إلى جانب فضحه لظاهرة التحرش دوراً تعليمياً فعالاً، ينشر المعرفة حول التحرش، ويُعرِّف الجمهور بأشكاله المختلفة، وطرائق التعامل معه. وهذه المهمة تشمل الأخبار والتقارير، بالإضافة إلى الوسائط البصرية والسمعية التي تلامس حياة الناس اليومية، مثل البرامج الوثائقية التي تُوثِّق الواقع بعمق، والإعلانات التوعوية التي توصل الرسائل بسرعة ووضوح، والمسلسلات الدرامية التي تطرح القضايا ضمن سياقات قريبة من وجدان المشاهد.
تُستخدم هذه الأدوات للتوعية، ولبناء وعي مجتمعي طويل الأمد، قادر على تمييز السلوك الضار من المقبول، والتصرف بوعي ومسؤولية عند مواجهته. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنَّ الرسائل الإعلامية المصممة بعناية تُحدث تأثيراً ملموساً في مفاهيم المجتمع وسلوكاته، مما يعزز دور الإعلام بوصفه مكوِّناً أساسياً في التصدي لظاهرة التحرش وتحفيز التغيير الإيجابي داخل الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
شاهد بالفيديو: 6 نصائح لحماية طفلك من التعرض للتحرش الجنسي
نماذج ناجحة من حملات التوعية الإعلامية
في ما يأتي عرض لعدد من النماذج الناجحة لحملات التوعية في مواجهة التحرش، التي أحدَثَت تأثيراً واسعاً في الرأي العام، ودفعَت المجتمع تجاه التفاعل الواعي والمشاركة الفعلية:
1. حملة #MeToo: ثورة رقمية غيرت العالم
ما بدأ بوصفه تغريدة عابرة سرعان ما تحوَّل إلى حراك عالمي شكَّل الخطاب العام حول تجارب النساء مع التحرش والاعتداء الجنسي، واسم #MeToo لم يكن الأول في هذا المجال، ولم يكن الوحيد الذي حظي بالانتشار، إلَّا أنَّه تميَّز بقدرته على نقل النقاش من الإطار المحلي إلى الفضاء العالمي، مما منحه قوة تأثير استثنائية.
تؤكد الأستاذة "كارين بويل"، المتخصصة في دراسات الجندر والإعلام النسوي بجامعة ستاثكلايد أنَّ الحملة استندت إلى جهود سابقة، غير أنَّها جمعَت تلك الأصوات المتفرقة في مسار واحد، واضح وصريح، يسلِّط الضوء على حجم الانتهاكات التي تتعرض لها وحقوق النساء في مختلف أنحاء العالم.
لم تفتح الحركة باب الحديث فحسب، إنَّما أوجدت مساحة آمنة للبوح، ودفعت الملايين لمشاركة تجاربهنَّ دون خوف أو خجل، كما عمَّقَت النقاش حول المعايير الاجتماعية في التعامل مع المرأة، وحرَّكَت الرأي العام والمؤسسات تجاه مراجعة السياسات والسلوكات، بما يعزز العدالة والكرامة في بيئة العمل والمجتمع ككل.
2. مبادرات عربية بارزة في التصدي للتحرش من خلال الإعلام
أطلقت طبيبة الأسنان والناشطة "جهاد حمدي" في 2020 ومع تصاعد عنف التحرش في مصر استطلاعاً على "فيسبوك" (Facebook) من خلال "استمارة غوغل" (Google Forms) دعت فيه النساء لمشاركة تجاربهنَّ، فتدفقت مئات الشهادات في أيام، ما دفعها لإخفاء الهويات ونشر النتائج، ثم إنشاء صفحة "تكلمي" (Speak Up) لنشر الوعي ودعم الضحايا.
ولاحقاً، تعاونت "خريطة التحرش الجنسي" مع حركة "في مواجهة التحرش" في حملة "48 ساعة تدوين وزقزقة ضد التحرش" ضمن فعاليات "مش ساكتة"، تحت شعار "مش قابلة أني أشوف تحرش قدامي من غير ما أعمل حاجة"، فدعت النساء للتدوين عن تجاربهنَّ يومياً، وكُسرت تابوهات اللوم، وتحولت شهادات الضحايا إلى قضايا قانونية، مدعومة بنشر منشورات وفيديوهات وتوعية ميدانية نفَّذها ألف متطوع في 17 محافظة مصرية.
الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي: أيهما أكثر تأثيراً؟
يبرز التلفزيون والراديو عند الحديث عن دور الإعلام في مكافحة التحرش بوصفهما وسيلتين تقليديتين شكَّلَتا الوعي المجتمعي.
دور التلفزيون والراديو في نشر الوعي المجتمعي
وصلَت هذه الوسائل من خلال البرامج الحوارية والنشرات التي سلطت الضوء على قصص حقيقية ومعلومات موثوقة إلى شرائح واسعة من المجتمع، خصيصاً الفئات التي تتابع المصادر الرسمية وتوليها ثقة عالية.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والهاشتاغات في حملات التوعية
خلقت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة حرة ومباشرة للتعبير والمشاركة، وكانت الهاشتاغات من أبرز أدواتها في إطلاق حملات توعية حركت الرأي العام وأحدثت نقلة نوعية في مستوى التفاعل مع قضايا وحالات التحرش؛ إذ تحوَّلَت هاشتاغات، مثل #MeToo إلى منصات اعتراف ودعم، مكَّنت الضحايا من كسر حاجز الصمت، وشجعت على النقاش المجتمعي المفتوح.
تتسع دائرة التأثير وتتعزز فرص الوصول إلى جمهور متنوع من خلال الجمع بين الإعلام الرقمي والتقليدي، فالتكامل بين الوسيلتين يمنح الحملات الإعلامية قوة مضاعفة، ويخلق بيئة أكثر وعياً واستعداداً لمواجهة التحرش بجميع أشكاله.
تحديات تواجه الإعلام في معركة مكافحة التحرش
رغم الأثر الكبير الذي أحدثه الإعلام في مواجهة ظاهرة التحرش، لا تزال هناك تحديات حقيقية تقف في طريق فاعليته، ومن أبرز هذه التحديات:
1. مشكلة التحيز الإعلامي ومعالجته
رغم أهمية دور الإعلام في مكافحة التحرش، إلَّا أنَّ بعض المنصات الإعلامية لا تزال تعاني من انحياز في طريقة تناولها للقضية، فهناك من يتعامل مع حالات التحرش بانتقائية مريبة، ويُضخِّم قصصاً ويُهمل أخرى وفق الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية.
وهذا التحيز لا يُسهم في توعية المجتمع، كما يُربك الرسائل ويُضعف الثقة. وما يحتاج إليه المشهد هو تغطية عادلة تستند إلى معايير مهنية لا إلى أجندات خفية، وتنصف ضحايا التحرش وتعزز المساءلة.
2. كيفية التصدي للشائعات والمعلومات المغلوطة
تصبح المعلومات المغلوطة في بيئة رقمية تتسابق فيها الأخبار سلاحاً خطيراً، وحين تنتشر شائعة حول ضحية أو تُتداول رواية غير دقيقة، تتعرض القضية نفسها للتشكيك.
وهنا يتجلى دور الإعلام في مكافحة التحرش بوصفه جدار دفاع أول، ولا يكتفي بعرض الوقائع؛ بل يواجه التضليل بالمعلومة الموثقة والطرح المسؤول. فكل خبر يُنشر بدقة هو خطوة لبناء ثقة مجتمعية قادرة على مقاومة التشويه والانحراف عن جوهر الحقيقة.
شاهد بالفيديو: 6 طرق لمعرفة الأخبار الكاذبة
خطوات لصناعة حملات إعلامية أكثر فاعلية
لا يتحقق دور الإعلام في مكافحة التحرش بمجرد التغطية أو التنديد، وإنما يتطلب تخطيطاً دقيقاً وذكاءً في اختيار الرسائل وطرائق توصيلها.
1. أهمية الرسائل الإيجابية المباشرة
يتجلى دور الإعلام في مكافحة التحرش من خلال تقديم رسائل واضحة وملهمة، تركز على التغيير الإيجابي وتعزيز ثقافة المواجهة، وحين تعتمد الحملات الإعلامية على خطاب مباشر وإيجابي، فإنَّها تحفِّز المجتمع لِاتخاذ مواقف فاعلة، وتحرِّك الأفراد من موقع المتفرج إلى موقع المبادر.
يرفع طرح المشكلة دون تضخيم، وتسليط الضوء على خطوات المواجهة والحلول الممكنة من مستوى الوعي ويمنح ضحايا حالات التحرش شعوراً بالقوة والدعم، وقد أظهرت تجارب دولية أن َّ الرسائل الإعلامية التي تعزز الأمل والإرادة الجماعية، تحدث أثراً عميقاً ومستداماً في الرأي العام.
2. التعاون بين الإعلام والمجتمع المدني لتحقيق نتائج أفضل
لا يمكن الحديث عن حملات إعلامية ناجحة دون الإشارة إلى أهمية الشراكة مع منظمات المجتمع المدني، وهذه الشراكات تفتح المجال أمام الإعلام للوصول إلى الخبرات الميدانية، وتمنحه محتوى أكثر عمقاً وواقعية.
يضيف توفير المساحة للخبراء والناشطين والضحايا أنفسهم للحملات مصداقية وتأثيراً، وقد أثبتت دراسات حديثة أنَّ الحملات التي تُبنى على تعاون مؤسسي بين الإعلام والجهات الحقوقية، تكون أكثر قدرة على إيصال الرسائل وتغيير المواقف الاجتماعية تجاه التحرش.
في الختام
لا يُنكَر دور الإعلام بالتصدي للتحرش وتشكيل مجتمع أكثر وعياً وأماناً. وبالرسائل الصحيحة، والحملات المدروسة، والتحالف مع أصوات المجتمع، يصبح الإعلام جدار الصد الأول في حماية الأفراد وتعزيز القيم الإنسانية.

أضف تعليقاً