يعد التعميم أو تكوين آراء نمطية عن الآخرين ظاهرة تنشأ عن الرغبة الغريزية لتكييف النفس مع أفكار الآخرين،:كأن تقول (( مستوى الفتيات في العلوم سيئ)) ، و (( الأولاد يتسمون بالعدوانية)) ، و((الآسيويون جادون في العمل)) ، و (( كبار السن دائمو التذمر)) ، و ((شعوب البحر الأبيض المتوسط يتسمون بالكسل))... و هكذا الخ.

و تنشأ الآراء النمطية والتحامل على الآخرين ؛لأننا نميل بحكم الطبيعة – و للأسف بحكم التربية غالبا- إلى الشعور بالاسترخاء و الراحة مع من يتشابهون معنا- في المظاهر و التوجهات ووجهة النظر في الحياة؛ و لأننا نميل إلى الخوف مما هو غير مألوف لنا وكذلك الخوف من المجهول.

إلا أن تكوين الآراء النمطية يمثل خرقا لإحدى قواعد "الذكاء الاجتماعي"، ألا و هي معاملة كل فرد بوصفه شخصا فريدا من نوعه و جديرا بالاحترام.
وما ينذر بخطر أكثر شدة هو ما توضحه الدراسات بأن الآراء السلبية الاجتماعية النمطية تؤثر في الطريقة التي نحكم بها على أنفسنا و على قدرتنا.

* دراسة حالة : قيل لي أني لن أستطيع و هذا ماأظنه

أعلن " بول ديفز"، بجامعة "ووترلو" بـ "أونتاريو"، عن إجراء دراسة حول تأثير الإعلانات للحملة بالآراء النمطية على الفتيات اللاتي يدرسن مادة الرياضيات بالجامعة و قد اختار الفتيات اللاتي يدعين أنهن متميزات في مادة الرياضيات و يعتبرون تلك المهارة مهمة بالنسبة لهن.

ولكم كانت دهشة "ديفز" عندما وجد أنه بمجرد مشاهدة إعلانين تجاريين يتسمان بالتحيز الجنسي ضد المرأة تقوضت القدرة الذهنية للفتيات تدريجيا، حيث قلت بصورة ملحوظة قدرة الفتيات على حل المسائل الرياضية الصعبة مباشرة بعد مشاهدة الإعلانات.

و في الجزء الثاني من هذه التجربة، أوضح "ديفز" أثر الإعلانات في اختبار الفتيات للمادة التي يدرسنها في الجامعة، فقد تبين أن الفتيات اللاتي شاهدن الآراء النمطية السلبية قد غيرن مادة الرياضيات التي كن قد صرحن في السابق أنهن يردن التخصص فيها ،إلى مادة العلوم.
و قد تسببت نفس الإعلانات أيضا في جعل هؤلاء الفتيات المتحفزات يتجنبن تقلد منصب القيادة في أي مهمة يقوم بها شخصان.

* وهناك دليل قوي يثبت أنه عندما تقلل من شأن أي إنسان بهذه الطريقة فأنت لا تحد فقط من اختياراته و حريته الذهنية :بل انك توجه حياته ومستقبله بطريقة سلبية. ولا ينصح بإتباع هذه الطريقة لزيادة مستوى ذكائك الاجتماعي أو ذكاء الآخرين أو الكوكب الذي تعيش عليه!

و بالإضافة إلى هذا الأثر الاجتماعي السلبي فان هذه العبارات التي تقلل من شأن الآخرين لها أيضا أثر سلبي على جهازهم المناعي فهي تضعف بصفة عامة مناعتهم ضد مقاومة الأمراض المتعلقة بالاكتئاب و الأمراض الأخرى.

ففي أحد التجارب تم تعريض مجموعة من كبار السن لكلمات تثير الآراء النمطية عن الشيخوخة لمدة عشر دقائق؛ و تم عرض كلمات ايجابية لمجموعة منهم، و كلمات سلبية لمجموعة أخرى ، ثم تم بعد ذلك إعطاؤهم مجموعة من المسائل الرياضية ليقوموا بحلها.

و لوحظ أن من تعرضوا للكلمات السلبية قد أصيبوا بالضغط العصبي عند تقديم المسائل لهم .فقد زاد معدل نبضات القلب و ضغط الدم و حساسية الجلد بصورة ملحوظة عندهم و قد ظلت الزيادة في مستوى عال لأكثر من ثلاثين دقيقة.

و على النقيض تماما من ذلك فان هؤلاء الذين تم دعمهم بإشارات ايجابية قد عبروا عن التحدي دون إبداء أية علامة من علامات الضغط العصبي.

*و علاوة عن هذا ، فان الآراء النمطية السلبية عن أي مجموعة – حتى و إن لم تكن أحد أفرادها- تؤثر فيك شخصيا بالسلب.

شيوخ أم شباب؟؟!!

أعلن "جون بارغ" ، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة ولاية نيويورك، أنه قرر إجراء دراسة حول ما إذا كان للآراء النمطية السلبية عن العمر أثر سيئ في طلبة الجامعة. حيث تم تكليف مجموعة من الطلبة بتفسير الجمل التي تم نشرها بكلمات محايدة و تتعلق بالمراحل العمرية ،و كان للمجموعة الثانية نفس المهمة بالضبط عدا أن الجمل التي تم نشرها و تتعلق كلماتها بالمراحل العمرية كان لها مردود سلبي.

و لكم كانت النتيجة مثيرة للدهشة! فقد لوحظ أن الطلاب الذين تعاملوا مع الكلمات السلبية قد قلت عندهم قوة الذاكرة بل الأهم من ذلك أن الطلاب الذين تعاملوا مع الكلمات السلبية أصبحوا –فجأة- أكبر من سنهم. و أصبحت سلوكياتهم غريبة حيث غادروا الحجر و الكل يرقبهم ،و تحركوا ببطء ملحوظ و كانوا يسيرون بخطى متثاقلة ، و على الرغم من أنهم كانوا في أوج شبابهم إلا أن مظهرهم الجسماني و حركتهم البدنية كانت أقرب من وصف الكلمات السلبية للمراحل المتقدمة من العمر بصورة أكبر مما كانت عليه المجموعة المحايدة.

وصل "جون بارغ" من خلال تجاربه السابقة إلى نتيجة مفادها أن الصور المختزنة في أذهاننا لها تأثير غير عادي في سلوكياتنا،و لكن هذه الصور ليست سلبية بالضرورة: فقد تكون صورا ايجابية أيضا.



قوة الذكاء الاجتماعي
THE POWER OF SOCIAL INTELLIGENCE
توني بوزان
الفصل السابع تأثير توجهك في توجهات الآخرين
تكوين الآراء النمطية عن الآخرين ص123
مكتبة جرير الطبعة الأولى2005