Top


مدة القراءة:5دقيقة

النمو الأخلاقي: مراحل النمو، واستراتيجيات التربية، وأنماط التبرير

النمو الأخلاقي: مراحل النمو، واستراتيجيات التربية، وأنماط التبرير
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:09-05-2022 الكاتب: هيئة التحرير

من المفاهيم الرئيسة للأخلاق أنَّها مجموعة القواعد السلوكية التي تستند إلى قيمٍ مختارةٍ، وسندها خير المجتمع أو الخير العلوي أو القيم العليا الخيرة، واتِّباع الشخص لهذه القواعد في سلوكه يجعله أخلاقياً، فالشخص الأخلاقي هو الذي لا يخون ولا يسرق ولا يضر الآخرين، وهو حسب بعض القواعد الأخلاقية، يجب ألَّا يقامر أو يشرب المسكرات أو يدخن.




ويترك هذا المفهوم الواسع جزءاً كبيراً من الخبرة الإنسانية خارج ميدان الأخلاق، فمعظم الاهتمامات الخاصة بالمهنة أو التربية تُعَدُّ لا أخلاقية؛ فالقانون الأخلاقي لا يشملها، وسنتناول في مقالنا هذا مراحل النمو الأخلاقي، واستراتيجيات التربية الخلقية وأنماط التبرير الأخلاقي.

مراحل النمو الأخلاقي:

يرى "ماك دوغل" أنَّ الخلق نظام تصاعدي متكامل من العواطف، تسيطر عليه عاطفة اعتبار الذات، وأنَّه يمر في نموه بأربع مراحل هي:

  1. مرحلة الحذر: النمو الخلقي للطفل يبدأ من خبرة اللذة والألم اللذين يحصل عليهما في أثناء نشاطه، فالنار تحرق والسكين تجرح؛ وبذلك يسيطر الطفل على دوافعه الفطرية؛ إذ إنَّ سيطرة الطفل على دوافعه في هذه المرحلة تعود إلى خوفه من النتائج الطبيعية.
  2. مرحلة السلطة: يتعلَّم الطفل في هذه المرحلة أنَّ بعض أفعاله تنال رضى البالغين الذين يحيطون به لأنَّهم يكافئونه عليها، وبعضها الآخر يثير سخطهم لأنَّهم يعاقبونه عليها، وهكذا يتعدَّل سلوك الطفل في هذه المرحلة نتيجة الثواب والعقاب اللذين يحصل عليهما من أهله ومحيطه.
  3. المرحلة الاجتماعية: في هذه المرحلة تتسع دائرة الطفل الاجتماعية ويسمع من الجو المحيط به ذماً لما يتصرف من تصرفات، وسرعان ما يكتشف أنَّ أفعاله يجب أن تكون مسايرة للرأي العام، وهذا إذا ما أراد أن يحتفظ بعنصر السرور الذي تزوده به عضويته في الجماعة، ويوجد أشخاص لا يتجاوزون هذه المرحلة من النمو الخلقي؛ إذ يبقى سلوكهم طيلة حياتهم متأثراً بالسلطة والرأي العام.
  4. المرحلة الشخصية أو الذاتية: وهي أرقى مراحل السلوك الخلقي؛ إذ يُنظِّم الإنسان سلوكه في أثنائها بالاستناد إلى مثلٍ عليا، وليس معنى ذلك أنَّ الإنسان في هذه المرحلة لا يحسب حساباً للنتائج الطبيعية أو السلطة أو الرأي العام حين يقرر سلوكه؛ بل إنَّه يضع جميع هذه الاعتبارات في حسبانه، ولكنَّ قراره الأخير يُستَمَد من المثل الأعلى الذي كوَّنه لنفسه من عاطفة اعتبار الذات، وتسيطر هذه العاطفة على العواطف والدوافع الأخرى؛ إذ تجعل المرء يسير وفق الصورة التي رسمها لنفسه محاولاً بلوغ المثل الأعلى الذي يريد تحقيقه.
إقرأ أيضاً: الغاية تبرر الوسيلة: عندما تصبح الأخلاق مجرد وهم

استراتيجيات التربية الخلقية:

توجد استراتيجيات عدَّة تُستَعمَل في التربية الخلقية ومنها:

  • تلقين الأخلاق: وتنطلق هذه الطريقة من وجود الأخلاق وجوداً واقعياً مؤلفاً من منظومة من الوقائع ومنظومة من القيم، وهذه الوقائع والقيم موجودة خارج وعي الناشئ، ومهمة التربية هي نقلها إلى وعيه حتى يتكيَّف معها ويمارسها في سلوكه.
  • يمارس الراشدون في الأُسرة والمدرسة الطريقة التلقينيَّة، فيُعلِّم الأبوان طفلهما بعض قواعد ممارسات السلوك ويدربانه عليها، ويكمل المعلم دورهما بشرح تلك القواعد وتبريرها، وهكذا يأخذ دروساً في الحياة الأخلاقية والواجب والفضيلة والضمير.
  • اكتساب الأخلاق بالنشاط الذاتي والممارسة: تخالف هذه الطرائق مبدأ التلقين، وترى أنَّ التكون الأخلاقي للناشئ يتحقق من خلال نشاطاته الذاتية التي يمارس فيها الأعمال الأخلاقية، فيعمد إلى تنظيم الحياة المدرسية ونشاطاتها وأعمالها المختلفة بإنشاء الجماعات الطلابية المنظَّمة والاعتماد عليها في تحقيق المهمات المطلوبة، وإتاحة الفرص لها حتى توزع الأدوار والمهمات فيما بينها؛ إذ يسهم كل عضو في حياة المدرسة ونشاطاتها وإقامة العلاقات الاجتماعية الأخلاقية مع بقية الأعضاء، كما يسهم في تحقيق النظام المدرسي وتأدية كل طالب واجباته المدرسية.
  • تعقيل الموضوعات الأخلاقية: يرى بعض الفلاسفة أنَّ المعتقدات الأخلاقية بحاجة إلى برهان حتى يتقبلها المتعلِّم ويسلك بموجبها، ويرى آخرون أنَّ الأخلاق الحقيقية تبرر نفسها بنفسها وتجذب الفرد لفعلها أو الاعتقاد بصحتها على الأقل، فاحترام حقوق الآخرين قيمة يمكن ملاحظتها وقبولها ولا تحتاج إلى تبريرٍ، ومهما يكن الصواب فإنَّ التربية الأخلاقية تحتاج إلى استخدام المبررات لتعقيل الأخلاق وزيادة اقتناع المتعلم بها ودفعه إلى سلوكها، فاحترام حقوق الآخرين يصبح أقوى في النفس بإدراك أسبابه ونتائجه في حياة الجماعة والفرد وسلامتها.

شاهد بالفيديو: 6 مواقف تسقط فيها الأقنعة ويظهر فيها الناس على حقيقتهم

أنماط التبرير الأخلاقي على أساس طرائق تحقيقها:

توجد أنماط متعددة للتبرير الأخلاقي يمكن الرجوع إليها ويمكن تصنيفها على أساس طرائق تحقيقها، وفي هذه المجموعة تقع الضمانات التي تقوم على السلطة والبصيرة والنتائج.

  • السلطة: الاتجاه الأول للضمان الأخلاقي هو الرجوع إلى واضع الفكرة الأخلاقية موضوع المناقشة، وهذه هي طريقة السلطة التقليدية فإذا سأل سائل: "لماذا يجب أن نكون أمينين؟ كانت الإجابة: "لأنَّ أفضل الرجال وأحكمهم في جميع الأزمنة والعصور قد علَّموا المثل الأعلى للأمانة، أو علَّمه الآباء ممن نحترمهم ونثق بهم، أو علمه الدين، وهي الطريق التي تسير فيه إرادة الله، أو علمته الدولة التي تدخل هذا المبدأ الأخلاقي في قوانينها.
  • البصيرة: من ناحية أخرى، يمكن تحقيق المُعتَقد الأخلاقي بالبصيرة المباشرة، وهذا الفهم المباشر للحقيقة الأخلاقية يُسمى في بعض الأحيان "الضمير"، وهذا لا يستبعد ممارسة الذكاء في بحث المعتقدات البديلة الممكنة، ولكنَّ الأساس النهائي للحكم هو رغبة داخلية في اتباع الحق مما لا يستطيع الفرد إنكاره ويبقى مع ذلك مخلصاً مع نفسه.
  • النتائج: الطريقة الثالثة الأساسية لتحقيق الأفكار الأخلاقية هي الرجوع إلى النتائج، ومثال ذلك قولنا: الأمانة مرغوب فيها لأنَّها تؤدي إلى الانسجام الاجتماعي والاتساق في الشخصية، والإخلاص في الزواج حق لأنَّه يؤدي إلى استقرار الأسرة وإلى الثقة المتبادلة المستمرة، ونظام الممتلكات الخاصة خيرٌ لأنَّه يؤدي إلى أعظم البواعث للقيام بالمجهود المنتج، والسيطرة الاجتماعية على الممتلكات خيِّرة لأنَّها تتيح فرصة توزيع عادل للثروة، والاعتقاد الأخلاقي في كل حالة يقوم على استعراض نتائجه.
إقرأ أيضاً: كيف نحمي أنفسنا من الانحراف الأخلاقي الحالي؟

أنماط التبرير الأخلاقي على أساس مكانها:

يمكن تصنيف أنماط التبرير الأخلاقي على أساس مكانها؛ وهذا يتضمن الرجوع إلى ضمانات مثل الضمانات الفردية أو المجتمعية أو الضمان الأخلاقي العلوي.

  • الضمان الفردي: إنَّ أسهل أشكال الضمان الفردي يُعبَّر عنه بمثل هذه العبارة: "هذا العمل خيرٌ لأنَّه يسرني"، والفلسفة الأخلاقية من هذا النوع تُسمى فلسفة اللذة، فبدلاً من اللذة والسرور قد يكون المعيار هنا هو الإلهام أو التنوير أو راحة العقل، وفي أيَّة حالة يقوم الضمان على الإحساس بالحق والصواب من جانب الفرد دون افتراض لتطبيق أوسع، وأكثر أشكال الضمان الفردي شمولاً نجده في أخلاقية تحقيق الذات.
  • الضمان المجتمعي: يمكن أيضاً أن يكون ضمان الأخلاق في المجتمع بدلاً من الفرد، للتغلُّب على الصعوبات الأخلاقية؛ إذ يختلف كل فرد عن الآخر بالمثل الأخلاقية خاصته، ولا يمكننا اختراع قواعد أخلاقية واحدة يمكن تطبيقها على كل فردٍ في جميع الظروف؛ لذا بالنسبة إلى المجتمع الحق هو الحق، ونعني بالمجتمع الجنس البشري كله أو جماعة اجتماعية معينة، وقيام الأخلاق على الخير الاجتماعي لا يحل مشكلة نوع الحياة الاجتماعية المرغوب فيها، فالمجتمع الخيِّر قد يُفهَم بأنَّه سيطرة جماعة على الجماعات الأخرى، كما يُفهَم بأنَّه نظام من المساواة في ظل القانون.
  • الضمان العلوي: من الممكن أن تنشب الصراعات وينتشر الخوف ويتقاوى المجتمع الأقوى على الأضعف نتيجة الاختلافات في الأنظمة الاجتماعية والقيم الأخلاقية بين المجتمعات، ومن هذه التفصيلات تنشأ فكرة الضمان الأخلاقي العلوي؛ وهذا يعني وجود أساس "للحق والصواب" سابق على الاهتمامات الواقعية أو رغبات الأفراد ومستقل عنها في بعض الأحيان، والشكل العادي لمثل هذا الضمان يكمن في مفهوم للقانون الأخلاقي يُحكَم بواسطته على جميع القرارات الإنسانية، وهذا القانون في العادة مطلق لا يتغير على الرغم من عدم وجود سبب يدعو إلى عَدِّه متغيراً بتغير الزمن، ويعتقد بعض الأشخاص أنَّ الإنسان يعرف القانون كما في الوصايا العشر، بينما بعضهم يعتقدون أنَّ الحق الأسمى لا يمكن للإنسان معرفته.

إنَّ مفهوم الضمانات التي تسمو بالفرد والمجتمع يؤكِّد على البصيرة الأخلاقية، وأنَّ الحق ليس حقاً لأنَّ الناس اصطلحوا عليه، ولكنَّ ما هو حقٌ يجب أن يوافق الناس عليه سواءً كان الأفراد يفعلون ذلك في الواقع أم لا يفعلون، والضمان العلوي مطلوبٌ عند رؤية التفضيل الإنساني الواقعي خاضعاً إلى حكمٍ أعلى، وفي الممارسة تصبح الضمانات الفردية والاجتماعية غالباً مطلقة كما لو كانت تحتل مراكز علويةً، ويؤدي هذا إلى التعصب والصراع الهدام ويثبط البحث وإعادة البناء الأخلاقي، ومن الواضح أنَّ استخداماً أفضل لفكرة الضمانات العلوية قد يكون في تذكرة دائمة بأنَّ كل اعتقاد أخلاقي يجب أن يتمسك به الفرد بتواضع وبشروط، على أساس الثقة بأنَّنا قد استقبلنا بعض الضوء على طريق الحياة، وما زال هناك ضوءٌ أقوى سينير الطريق إلى حد أبعد.

شاهد بالفيديو: 9 طرق لتحسين مهارات التواصل 

في الختام:

يوجد طرفان متواصلان في عمليات التربية الخلقية؛ أوَّلهما المُربِّي، وثانيهما المربَّى، ولكل منهما دوره التربوي والأخلاقي معاً، فأخلاقية المربِّي ضرورية لتأدية أدواره التربوية وفقاً لمقتضيات الأخلاق، وأخلاقية المربَّى ضرورية لتحقيق التواصل مع المربِّي ومع المحتوى الأخلاقي للتربية، وتُعنى أخلاقية المربِّي بمسائل مثل الأهداف التربوية وطرائق التدريس والتعامل مع التلاميذ والمنهج، أما أخلاقيات الفرد المربَّى فتتصل بأنماط السلوك السليم الذي يجب أن يتعلمه الفرد.

المصدر: د. أنطون حبيب رحمة، 1982، كتاب التربية العامة.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:النمو الأخلاقي: مراحل النمو، واستراتيجيات التربية، وأنماط التبرير