هل هناك فروق بين الطفل والشخص الناضج؟ سؤال ساذج لا يحتاج إلى جواب! فالفروق بينهما كثيرة جداً ومتنوعة جداً وظاهرة جداً بحيث إنّها لا تحتاج لا إلى استدلال ولا إلى إقامة حجة! إنّ هناك فرقاً جوهرياً بين الطفل والشخص الناضج، فالأول يشتهي ويتمنى أشياء كثيرة جداً وكبيرة جداً ولا يسعه كيانه النفسي والذهني في هذه المرحلة من عمره أنْ يكون واقعياً فيما يشتهيه ويتمناه، أو في السبل التي يحقق بها مبتغاة، أمّا الشخص الناضج فهو إلى الواقعية أقرب، بحكم احتكاكه الفعلي بالحياة وبالناس!

 

إنّ حالة النضج هذه مطلوب أنْ تعم أمتنا. مطلوب لكل من يحدد هدفاً في حياته أنْ يكون واقعياً في تحديده لهذا الهدف حتى يستطيع تحقيقه، فتحديد أهداف وهمية لن يسوق إلا إلى الفشل، والفشل لن يقود إلا إلى الإحباط، والإحباط يُكرِّس حالة الشلل التي يحياها والتي بدورها تؤدي إلى اليأس، واليأس هو الموت! إذاً كيف يكون أحدنا واقعياً في تحديده لهدف معين، هذا هو السؤال المحوري الذي نقوم على إجابته اليوم – بإذن الله تعالى!.

 

لكي يكون أحدنا واقعياً في تحديده لهدف معين فعليه:

 

أولاً: أن يحدد هدفاً بشرياً، يعني هدفاً قابلاً أنْ يحققه بشر، بإمكانيات البشر النفسية، والجسدية والمادية، أمّا الذي يحدد أهدافاً غير بشرية (جنية) لا يقدر عليها إلا الجن، فلن يجد في نصائحي له ما يفيده أو يشفي غليله. هذه واحدة..


أما الثانية: فعليه أنْ يكون هذا الهدف مرتبطاً بإمكانياته هو الشخصية، فالعالم الذي يحدد لنفسه هدفاً أَخْذ جائزة نوبل في الأدب، شخص لطيف لا بأس من أن يتسامر معه المرء في أوقات ضيقه، فقد يكون في محادثته نوع من أنواع الترويح عن النفس، المطلوب بين الحين والآخر!


أما ثالثاً: فعلى المرء الذي يحدد هدفاً معيناً أن يكتسب علومه وفنونه، فالعلم كغيره من أمور الحياة، لا يتوصل إلى منتهاها إلا من يترقى أدناها، هل سمع أحدنا عالماً أخذ جائزة نوبل في الفيزياء مثلاً. ولم يكن حاصلاً على الدكتوراه في الفيزياء، ومن قبلها الماجستير، ومن قبلها البكالوريوس في العلوم، ومن قبلها أبجديات الحساب؟ أعتقد لا! إنّ الطريق إلى جائزة نوبل في الفيزياء، له أبجديات الحساب من جمع وطرح ولا سبيل إليها بغير ذلك!

 

رابعاً: الصبر! الصبر! الصبر! فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّما العلم بالتعلم، وإنّما الحلم بالتحلم، وإنّما الصبر بالتصبر – أو كما قال - صلى الله عليه وسلم: إنّ الصبر على معناه الحقيقي مفتاح الفرج، والزمن جزء من العلاج وهو طريق تحقيق الأهداف والأحلام. فالإمام البخاري خرج كتابه الذي هو أصبح كتاب بعد كتاب الله تعالى في اثنتي عشرة سنة.

 

وللعلم فإنّ ما فيه من أحاديث غير مكررة بروايات مختلفة لم يزد عن الأربعة آلاف حديث، إنّ معنى ذلك من باب ضرب الأمثال أنّه كان يُخَرِّج كل عام 333 حديثاً تقريباً 21/0004، يعني حديثاً واحداً تقريباً في اليوم. وقد يقول أحد الناس: هذا العدد، ولكن الذي يدرك كيف كان الإمام البخاري يُخَرِّج أحاديثه وشروط الصحة التي ألزم بها نفسه لقبول حديث أو رد آخر، يدرك مدى الصبر والجهد الرهيب الذي بذله رضي الله عنه فجزاه الله خيراً من عالم قد لا تجود بمثله الأيام.


وأحب في هذه النقطة أنْ أوضح الفرق الشاسع بين الدعوة إلى الصبر والدعوة إلى التنبلة، إنّ الذي يحدد هدفاً صغيراً كان أم كبيراً، ولا يضع له حداً زمنياً ليرى ثمرة اكتماله، ويفتح باب الوقت على مصراعيه فيه ولا يعقله في ميعاد، امرؤ مهرج لاه! فالذي ينوي تحضير الدكتوراه في فرع معين من العلوم – ويقول: يا مسهل بغرض فتح باب الوقت وعدم إغلاقه في تاريخ محدد، شخصية مترهلة غير جادة، حتى وإنْ كانت تحضر الدكتوراه.

 

إنّ الدكتوراه بالنسبة لهذا الشخص – حسب ظني واعتقادي – ليست هدفاً، يسعى لتحصيله، بل هي عنوان يسعى للاستئناس بمصاحبته أطول فترة زمنية ممكنة من باب البهرجة، فهو لا يهمه أنْ يحصل عليها في ست سنين أو حتى في عشر سنين، المهم أنْ يقال عنه إنّه يحضر الدكتوراه، ولا أدري ما هذه الدكتوراه التي تأخذ كل هذا الوقت؟


خامساً: المرحلية.. بمعنى أنْ يُقَسِّم الهدف الكبير إلى مجموعة أهداف صغيرة قابلة للقياس والحكم عليها، فالدكتوراه مثلاً عبارة عن إنتاج ذهني وتجريبي مدون على ورق، وهي تتكون من فصول متعددة، قد يكون الزمن المتطلب للانتهاء من الدكتوراه ككل عامين أو أزيد قليلاً، وهذا معناه أنّها إذا كانت مكونة من ثماني فصول مثلاً، أنْ ينتهي من كل فصل في موعد أقصاه ثلاثة أشهر، هذه هي المرحلية التي أعنيها فثمانية فصول ثلاثة أشهر 42 شهراً أي سنتين الدكتوراه.

 

إنّ ما وصلت إليه أمتنا من رقي وحضارة أَثْرت به الأمم الأخرى في يوم من الأيام لها تقديراً وتبجيلاً لم تصل إليه إلا بما ذكرت، بعد الإيمان بالله تعالى وتحقيق هذا الإيمان في كل جوانب..الحياة، والذي منه تحقيق الإيمان والثقة في الذات، ذلك الإيمان الذي يجعل من إرادة المسلم الفولاذ الذي لايلين والصخرة التي تتكسر عليها كل العوادي!.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وللحديث بقية في الأسبوع القادم إن شاء الله.

 

الأستاذ/ عمرو خالد لمجلة اليقظة بتاريخ 11 - 17 أغسطس 2004