شهد إقتصاد الصين تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات العديدة الماضيّة، وهذا ما نتجَ عنه إنشاء الكثير من الشركات والإستثمارات العالميّة التي ساهمت بتقدّم البلاد وازدهارها، كما أنّ هذا التقدّم الإقتصادي ولّد عددًا كبيرًا من رجال الأعمال الذين كان لهم أثرًا إيجابيًا على الإقتصاد في الصين والعالم، فيما يلي سنُسلط الضوء على رحلة تطور الإقتصاد في الصين، وأكثر رجال الأعمال الصينين ثراءً.

أولًا: بداية التطور الإقتصادي في الصين 

كانت الصين تُعاني من الفقر والتخلف قبل سنة 1977م وقبل النهضة الإقتصادية والتنموية التي شهدتها على يد الرئيس دنغ شياوبنغ الذي يُعتبر الأب الروحي للنهضة الحديثة في الصين، والذي اعتمد على المدرّس العراقي في جامعة إكسفورد البريطانيّة إلياس كوريكس لصناعة استراتيجيّة الصين الإقتصاديّة والتي اعتمدت على محاور أساسيّة هي:

  • العمل من أجل حكومة نظيفة وأمينة ونزيهة.
  • تضييق الفجوة الإقتصاديّة بين شرق وغرب الصين عن طريق تبادل الخبرات المتوفرة.
  • العمل على تقليل التضخّم بالعملة الماليّة.
  • القيام بتدريب الوزراء على الإدارة والقيادة وتعلّم اللغة الإنجليزيّة، ونقل هذه التجربة إلى موظفيهم.

وبعد مرور عدة سنوات على وضع هذه الخطة الإستراتيجيّة لكل وزارة، أخذت نتائج هذه التجربة تظهر بشكلٍ واضح للعيان، وبعد مرور خمس سنوات نجحت الصين في بلورة مفهوم اقتصاد السوق الإشتراكي، وإحداث التوازن بين دور الدولة في التدخل بالإقتصاد والعولمة وربطه بالإقتصاد العالمي.

وبعدها قام المختصون بالعمل الجدّي للقضاء على كل العوامل التي تؤدي لتراجع الإقتصاد في البلاد كالفساد، الرشوة، والسرقة، لتصبح الصين اليوم صاحبة أقوى إقتصاد في العالم بعد أميريكا، ويُتوقع أن تكون الصين صاحبة أكبر إقتصاد في العالم بحلول عام 2030 م.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الصين ثاني أكبر مزوّد للاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد الولايات المتحدة، كما وتحتل الصين المرتبة الأولى عالميًا من حيث الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة إلى البلاد والتي بلغت 129 مليار دولار عام 2014، ليس ذلك فحسب وإنما لدى الصين أكبر احتياطيات بالعملة الأجنبية بالغة 3.2 تريليون دولار.

كما ونعلم بأنّ الصين قامت بتخفيض مستويات الفقر والارتقاء باقتصادها بفضل تحولها إلى مركز تصنيع للعالم متخصصة بتجميع المنتجات محليًا بالاعتماد على اليد العاملة الرخيصة نسبيًا وتصدير السلع الرخيصة لجميع الدول.

ثانيًا: أكثر رجال الأعمال الصينين ثراءً في العالم

ويليام دينغ:

ولد ويليام دينغ في 1 أكتوبر سنة 1971 في مقاطعة تشجيانغ الصينيّة، وكان يحلم منذ طفولته بأن يُصبح مهندس ميكانيكي، حيث بدأ يهتم بهذا المجال منذ عمر 13 عام، وبعد أن أنهى المرحلة الدراسيّة في المدرسة سجل في كليّة تشنغدو للعلوم الإلكترنيّة والتكنولوجيا وحصل منها على درجة البكالوريوس، وبدأ يقرأ بكتب الإلكترونيات ليُثقف نفسه أكثر في هذا المجال.

أسس ويليام دينغ شركة نيتياس وتركزت أعمالهِ في أول عامين على تطوير البرمجيات التطبيقيّة على الإنترنت، بما في ذلك نظام ثنائي اللغة في التبريد الإلكتروني الذي يُعتبر الأول من نوعهِ في الصين، ثُمّ دخل في مجال الألعاب الإلكترونيّة ونجح في طرح الألعاب متعددة اللاعبين التي جذبت الملايين من الناس، وطرح بوابة تيتياس للألعاب التي تمتلك الآلاف من الألعاب الدوليّة مثل وورد أوف، واركرافت، وهذه البوابة جعلته من الرجال الأغنى في الصين ولُقب بسببها بعملاق الألعاب الإلكترونيّة.

ويعتزم ويليام للاستثمار في الزراعة العضويّة لتشجيع المزارعين على إنتاج المواد ذات القيمة الغذائيّة الجيدة والطبيعيّة، كما وضع عدة خطط استراتيجيّة للمساعدة على محو الأمية في البلاد، وفي مطلع سنة 2017 كان يبحث للاستثمار في قطاع العقارات، وسافر إلى زيمبابوي والمملكة المتحدة من أجل هذا الموضوع.

روبن لي:

ولد روبن لي في 17 نوفمبر سنة 1968 في الصين، وعندما أنهى المرحلة الثانويّة التحق بجامعة بكين لدراسة المعلومات وحصل على البكالوريوس سنة 1991، وأكمل دراساته العليا في جامعة بوفالو في نيويورك وحصل على الماجستير في علوم الحاسب الآلي سنة 1994، وانسحب قبل أن يُكمل الدكتوراه.

وبدأ روبن لي حياته المهنيّة بشكلٍ فعلي سنة 1994 في شركة IDD لخدمات المعلومات، وعمل على تطوير طبعة على الإنترنت لصحيفة وول ستريت جورنال، وفي سنة 1996 طوّر خوارزميّة لصفحة محرك بحث تحت إسم رانكدكس، وحاز على شهادة براءة الإختراع الأمريكيّة، ويجدرُ بالذكر بأنّ جوجل استلهمت الكثير من رانكدكس.

ويُعتبر روبن لي اليوم واحدًا من أبرز رواد الأعمال في مجال الإنترنت، حيثُ أنّهُ شارك في تأسيس محرك البحث الصيني بايدو، ويُعد من أغنى رجال الأعمال في الصين على الإطلاق، ويشغل عضوية المؤتمر الإستشاري السياسي للشعب الصيني، وحصل هذا الرجل الشهير في العام 1998 على جائزة جورج ثورن عن كتابهِ الحرب الإقتصاديّة في وادي السيليكون، كما وحصل على جائزة الشباب الآسيوي سنة 2005، وحصل على جائزة أفضل قائد إقتصادي سنة 2006 من قبل مجلة ويكلي بيزس الأمريكيّة.

جاك ما:

وُلد جاك ما في العاشر من أيلول سنة 1964 في الصين، واهتم منذ صغرهِ بجمع المعلومات باللغة الإنكليزيّة وكان يسعى لمعرفة أوسع باللغة وقدرة على التواصل من خلالها، وكان يذهب إلى فندق قريب من منزلهِ ليتحاور مع الأجانب الذين كانوا يرتادوه، وبدأ بعد فترةٍ بأخذهم في رحلاتٍ سياحيّة لزيارة الأماكن الأثريّة والسياحيّة بهدف تقويّة لغتهِ الإنكليزيّة، وبعد فترةٍ قام بالتسجيل في أحد المعاهد وحصل على البكالوريوس في اللغة الإنكليزيّة سنة 1988.

وفي أواسط التسعينيات من القرن الماضي تعرّف جاك على شبكة الإنترنت ورأى في هذهِ الثورة التكنولوجيّة فرصة عمل هائلة، حيث زار الولايات المُتحدة الأمريكيّة واستعان بأحد الأصدقاء لإرشادهِ إلى كيفيّة الدخول إلى المواقع الإلكترونيّة، وفي نفس العام جمع ما يُقارب عشرين ألف دولار كتبرعات ليبدأ شركتهُ الخاصة مُركزًا بالتحديد على الشبكة العنكبوتيّة، وكان هدف هذهِ الشركة العمل على إنشاء مواقع إلكترونيّة للعملاء، ونجح جاك في جميع مبلغ يُقارب 800 ألف دولار في ثلاث سنوات.

وتابع جاك انطلاقاتهِ وأسس العديد من الشركات الناجحة وكان النجاح الأكبر لشركة Alibaba التي تحولت لعملاق في مجال الدعاية والتجارة الإلكترونيّة، وهو اليوم يُعتبر من أغنى رجال الأعمال في الصين.

ما هواتينج:

ولد ما هواتينج في 29 أكتوبر سنة 1971، وتختلف القطاعات التي يعمل فيها ما هواتينج، من وسائل التواصل الإجتماعي وصولًا للذكاء الاصطناعي، وقد استثمرت شركته في كل من سناب شات، وتسلات.

وبعد خمس سنوات من الدراسة الجامعيّة بدأ العمل على منصة للتواصل الإجتماعي، وبدأ بتاسيس شركتهِ الخاصة Ten cent، التي اشتُهرت بأنّها المقلدة في بداية مشوارها، واتهمت بنسخ المنتجات الغربيّة وتعديلها لتناسب السوق الصيني، ولكن الشركة بلغت نجاحها عند تأسيس خدمة التواصل الإجتماعي عبر الموبايل We chat، وبلغ عدد مستخدمي هذا التطبيق حوالي المليار، ولا تقتصر خدمة هذا التطبيق على التواصل الإجتماعي فقط، بل توفر أيضًا شبكة تربط بين محركات  البحث والتواصل الإجتماعي ومنصات الدفع الإلكتروني.

ويُعد ما هواتينج الملقب بـ ملك التواصل الإجتماعي أحد أشهر رجال الأعمال وأكبرهم في الصين، وتقدر ثروتهُ بحوالي 42 مليار دولار.

يانغ هويان:

ولدت يانغ هويان عام 1981، وهي إبنة رجل أعمال وصاحب شركة Country Garden Holdings، التي تعتبر من أكبر الشركات المطورة للعقارات بالصين، وقامت يانغ بدراسة التسويق والخدمات اللوجستيّة، وتخرجت من جامعة ولاية أوهايو سنة 2003، وبدأت في حضور اجتماعات الشركة في سن مبكر، كما وكانت تراقب والدها بشكلٍ مستمر لتتعلّم كيف تدار الأعمال.

وبعدَ أن تخرجت من الجامعة عادت إلى الصين وانضمت لشركة والدها، وفي سنة 2005 عملت في مجال إدارة المشتريات، وفي سنة 2006 كمديرة تنفيذيّة في الشركة، وبعد فترةٍ قصيرة تزوجت من شخصٍ مهم في الصين، وقام والدها بنقل 70% من أسهم الشركة لها، واستطاعت بفضل إرادتها وحبها للعمل أن تزيد من أسهم الشركة لتحافظ على امبراطوريّة والدها، وحققت نجاحًا كبيرًا في عالم العقارات، حتّى أصبحت من أغنى السيدات في العالم، واحتلت الصدارة في قائمة فوريس لأغنى أغنياء الصين.

ويجدر بالذكر بأنّ جريدة التليجراف البريطانيّة قامت بنشر تقرير بسيط عن والدها، وقالت فيه بأنّه كان فقيرًا في بداية حياته وعمل في مواقع البناء منذ عمر 24 عامًا، وعمل في شركة لإدارة الممتلكات وبعد مرو حوالي 6 سنوات أصبح رئيس قسم فيها، وفي بداية التسعينات بدأ بشراء العقارات والأراضي القاحلة، وبعدها قام بتأسيس شركتهِ في عام 1971.  

لي كا شينج:

وهو من مواليد سنة 1928 جنوب الصين، وبدأ رحلته في الحياة عندما هاجرت عائلته سنة 1940 من الصين إلى اليابان بسبب ظروف الحرب، وتوفي والده في سن مبكر فترك دراسته وبدأ العمل في سن 14 عام، حيثُ عمل في مصنع البلاستيك  لمدة 16 ساعة في اليوم، وبعدها عمل في بيع الساعات في محل عمهِ.

وبعد مرور السنوات لمع نجم لي كا شينج في مجال المبيعات واكتسب خبرةً كبيرة في مجال تصنيع البلاستيك وهذه الخبرة جعلتهُ يتولى المزيد من المهام في المصنع، واستمر كذلك حتّى بلغ 22 عامًا قضاها في توفير المال وتعلم المزيد من صناعة البلاستيك، واقترض بعدها مبلغًا من المال ليبدأ التأسيس لشركتهِ الخاصة التي خصصها لصناعة الألعاب البلاستيكيّة والأمشاط وعلب الصابون، وفي أوّل عام من تأسيس شركته كان لي يقوم بعمل كل شيئ بنفسهِ حيثُ تعلّم أصول المحاسبة وتقييد المعاملات في السجلات وحتّى إصلاح تروس الماكينات في المصنع.

وفي الفترة التي تلت نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، لاحظ لي وجود طلب متزايد على الورود المصنوعة من البلاستيك في إيطاليا، فسافر في رحلة تعلّم إلى دول غرب أوروبا لمعرفة أفضل الطرق لمزج الألوان أثناء صنع البلاستيك للحصول على زهور صناعيّة أقرب ما تكون إلى الطبيعية.

وبعد عودته لمصنعه قرّر التحول من تصنيع اللعب البلاستيكيّة إلى الزهور الصناعيّة الفاخرة التي تضاهي الحقيقيّة وبأسعارٍ زهيدة، وهنا قام لي بالتوسّع وتوظيف العمالة الماهرة وبدأت أعماله تزدهر حتّى أصبح أكبر مورد للزهور الصناعيّة في آسيا.

ويُعتبر الملياردير العصامي لي كا شينج أغنى رجل في هونج كونج وثاني أغنى رجل في قارة آسيا وفقًا لمجلة فوربس، وتمكّن من بناء امبراطوريتهِ من أعمال تقليديّة ويطلق عليهِ لقب السوبر مان في هونج كونج، حيثُ نجح في تحويل هونج كونج إلى مركز مالي وتجاري نشط.

ويبلغ لي كا شينج 89 سنة من عمرهِ، وتبلغ ثروته أكثر من 35 مليار دولار، وبعد مرور حياة مهنية طويلة امتدت إلى سبعة عقود سلّم لي القيادة إلى ابنهِ ليطوي بذلك فصلًا في واحدة من أكبر التكتلات وأكثرها نجاحًا في هونج كونج.

كما رأيت عزيزي فإنّ الصين نجحت بفضل تخطيطها الصحيح في تحقيق النجاح الإقتصادي الباهر خلال فترةٍ زمنيّةٍ قياسيّة، كما وأنّ هذا الإزدهار الإقتصادي ولّد عددًا كبيرًا من أغنى رجال الأعمال في العالم.

 

المصادر:

  1. العربية
  2. أراجيك
  3. مجلة الرجل
  4. المرسال
  5. القيادي


المقالات المرتبطة