لعلك أخي القارئ تعجب من عنوان هذا المقال وتتساءل ما هو هذا الاتصال الأعظم؟ وكم كنت أتمنى أن تعرف الإجابة على هذا التساؤل قبل أن أخبرك أنا الإجابة.  أما الآن فقد آن الأوان ولا بد أن أخبرك بالجواب عزيزي القارئ بأن الاتصال الأعظم في هذا الوجود هو الاتصال بالله ـ سبحانه وتعالى ـ ونعني به أن تكون على صلة بالله قال تعالى في محكم التنزيل: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[62]الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62ـ63].

 

 ولعلك تقول لي: وضح لي أكثر ما تقصده.

ولما كنت لستُ أهلاً للحديث في هذا الموضوع الجليل فأترك الحديث للإمام الجنيد ـ رحمه الله ـ ليوضح لك ما تريد فاسمع هذه القصة.

 جرت مسألة في المحبة بمكة أيام موسم الحج فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنًا فقالوا: هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قالت: 'عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله مع الله'. فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد. جزاك الله يا تاج العارفين'.

 إن الاتصال بالله هو أن تكون مع الله وهذا ممكن في كل وقت في صلاتك وفي قراءتك للقرآن وفي عملك وفي تربيتك لأولادك وفي اتصالك مع الآخرين وفي كل شيء.

 يقول الإمام بن القيم: 'إذ استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسى الناس بأحبائهم ائنس أنت بالله، وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله'.

 في يوم من الأيام جلست مع بعض الإخوة في المسجد وكنا نتناقش في موضوع محبة الله تعالى وطال الكلام وقرأنا الأبحاث وتناقشنا الأسباب الموجبة لمحبة الله، وتذكرنا أقوال العارفين وفي النهاية جمعنا القول في كلمات:

'المهم أنك تريد حقيقة من داخلك أن يحبك الله تعالى وتسعى إلى ذلك'

فوجدت العيون قد لمعت وبدا عليها الحماس والعزم على سلوك الطريق إلى الله ورأيت بعد ذلك منهم اجتهادًا جزاهم الله خيرًا.

 وأنا أقول لك أيها الأخ الكريم أبدأ من داخلك واعزم على الاتصال بالله ـ سبحانه وتعالى ـ وأمامك ثلاث أدوات رئيسية لتحقيق الاتصال بالله:

1ـ القلب:

 يقول ابن القيم: في القلب شعت لا يلمه إلا الإقبال على الله وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفي القلب خوف وقلق لا يذهب إلا الفرار إلى الله، وفي القلب حسرة لا يطفئها إلا الرضا بالله'.

 وقد جعل الله سبحانه القلب محلاً لعبوديته وإنك لتجد أمامك الكثير من أعمال القلوب تتصل بها من خوف ورجاء ومحبة وتوبة وصبر وأنس ورضا وطمأنينة، على أنه أقرب وسيلة للاتصال بالله تعالى هو تذلل القلوب لعلام الغيوب، وفي هذا يقول ابن القيم: 'دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه، وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما أن وضعت قدمي على عتبته فإذا هو سبحانه أخذ بيدي وأخلني عليه'.

2ـ اللسان:

 اللسان وسيلة اتصال قوية وفعاله مع ربك قال تعالى في كتابه الكريم: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] وفي الحديث القدسي يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: 'أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه'.

ولك أن تتصور هذا الاتصال الراقي في حال ذكر الله فكلما ذكرت الله ذكرك الله وكان معك.

3ـ الجوارح:

 والجوارح أمامها خيارات كثيرة جدًا للاتصال بالله من صلاة وصيام وصدقة وحج وإماطة الأذى عن الطريق ومساعدة الآخرين وزيارة المريض وغير ذلك وهكذا تظل بقلبك ولسانك وجوارحك في تقرب إلى الله واتصال بالله إلى أن تفوز بما جاء في الحديث القدسي: 'وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ' فهذا الرجل الذي يحبه الله على اتصال دائم بالله وعينه على اتصال دائم بالله وإذنه ورجله ويده إنه دائمًا مع الله.

 وحتى يتم الاتصال بالله عليك أن تتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بمحبته حبًا شديدًا يفوق حب النفس والمال والولد والناس أجمعين قال صلى الله عليه وسلم: 'لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين'.

ويكون الاتصال بالرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا بإتباعه والإقتداء به، قال تعالى في كتابه الكريم: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31] وقد جعل الله سبحانه وتعالى الطريق الموصل إليه وإلى جنته طريقًا واحدًا ألا وهو طريق إتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

 

 ويتم الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الصلاة عليه، فحتى تكون قريبًا من الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أكثر من الصلاة عليه قال صلى الله عليه وسلم: 'أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة' وصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صلاتك تعرض عليه بل ويرد عليك السلام وبذلك تكون قد اتصلت به.

 قال صلى الله عليه وسلم: 'إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت ـ يعني وقد بليت ـ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء'.

 وإلى اللقاء عزيزي القارئ مع مقال جديد نتناول فيه الصفات التي تؤهلك لتكون ممتازًا في عملية الاتصال والذي هو بعنوان 'الصفات المؤهلة'.