لقد شغل مفهوم الإبداع العديد من الباحثين على مر العصور, وصار استخدام كلمة إبداع شائعاً كثيراً من قبل كافة المختصين وغير المختصين، مع أن أكثرهم لا يملك تفسيراً واضحاً لمعنى الإبداع.

 

ولمحاولة تحديد مفهوم الإبداع لا بد من طرح العديد من الأسئلة التي توضح المهفوم لكافة الطبقات ومن هذه الأسئلة.

1 ـ هل الإبداع قدرة عقلية وذهنية يمتلكها كل البشر وإن كان بتفاوت كالذكاء وسرعة البديهة.

2 ـ هل هنالك علاقة بين الذكاء والإبداع والموهبة؟

3 ـ هل يمكن قياس الإبداع وتحديده وتعليمه والتدرب عليه.

4 ـ ما هي المعايير لوضع عملٍ ما ضمن مجالات الإبداع؟ وهل هناك أصلاً معايير لتحديد أي عمل إذا كان إبداعاً أم لا؟

5 ـ كيف يمكن الحصول على أفكار إبداعية وكيف يمكن إبراز ذلك؟

6 ـ كيف نستفيد من العوامل الشخصية والوراثية والبيئية والاجتماعية لتطوير الإبداع.

7 ـ هل يمكننا أن نعمم قواعد معينة يمكن أن تطبق في مجالات الحياة وتعتبر إبداعاً؟

 

إن هذه التساؤلات وغيرها الكثير تعبر عن مدى اتساع مفهوم الإبداع ومدى غموضه، ومدى صعوبة إجابات واضحة وشافية لهذه التساؤلات. ولكن مع كل هذا الغموض إلا أننا يمكننا أن نتوصل إلى الكثير من الحقائق وذلك بعد مرور تجارب كثيرة قام بها باحثون عالميون.

 

تعريف الإبداع (لغة): الإبداع في اللغة هو الاختراع والابتكار على غير مثال سابق. وبصورة أوضح هو إنتاج شيء جديدٍ لم يكن موجوداً من قبل على هذه الصورة. وقد عرفت الموسوعة البريطانية الإبداع على أنه القدرة على إيجاد حلول لمشكلة أو أداة جديدة أو أثر فني أو أسلوب جديد.

 

كما أنه لا يمكننا إلا أن نبرز التعريفات المشهورة للإبداع وذلك حسب تعريف العالم (جوان) gowan: الإبداع مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية التي إذا وجدت بيئة مناسبة يمكن أن ترقى بالعمليات العقلية لتؤدي إلى نتائج أصلية ومفيدة للفرد أو الشركة أو المجتمع أو العامل.

 

كما أن العالم تورانس torance قد عرف الإبداع فقال الإبداع هو عملية وعي بمواطن الضعف وعدم الانسجام والنقص بالمعلومات والتنبوء بالمشكلات والبحث عن حلول، وإضافة فرضيات واختبارها، وصياغتها وتعديلها باستخدام المعطيات الجديدة للوصول إلى نتائج جيدة لتقدم للآخرين.

كما أن هنالك العديد من التعريفات نذكر منها.

·        الإبداع عملية تثمر ناتجاً جديداً وغير عادي يتقبله المجتمع لفائدته.

·        الإبداع هو التميز في العمل أو الإنجاز بصورة تشكل إضافة إلى الموجود بطريقة تعطي قيمة أو فائدة إضافية.

 

 

 

معايير الإبداع

في البداية لا بد من التأكيد على حقيقة أن المصدر الأساسي لمصادر الإبداع هي الدراسات التي تناولت الأشخاص الذين برزوا قديماً وحديثاً وكان لهم تأثير كبير في هذه المسيرة، وهنا يبرز سؤالان.

1 ـ من هم هؤلاء الأشخاص الذين اعتبروا مبدعين؟

2 ـ ما هي المعايير التي تبعث لاعتبارهم مبدعين؟

 

المعيار الأول: أ ـ الشهرة التاريخية: أشهر معيار اعتمد لتصنيف المبدعين هي الشهرة التي اكتسبها المبدع عبر السنين وظل نتاج أعماله يحظى بالاعتراف والتقدير من المثقفين والمختصين والناس وأمثال ذلك ابن سينا أينشتاين ـ نيوتن الخوارزمي، ابن خلدون وغيرهم الكثير. ومن غير المحتمل أن يثير أحد شكوكاً حول أي من هؤلاء لأن إبداعاتهم لم تفقد رونقها وقيمتها على مرِّ السنين، وأصحاب الشهرة هؤلاء لا نستطيع إخفاء إبداعهم ولو أغفلنا العديد من جوانب شخصياتهم سواء أكانت سلبية أو إيجابية وأكبر دليل على إبداعهم صمود إبداعاتهم أمام اختبار التاريخ.

 

ب ـ المعيار الثاني: المصادر والمطبوعات: ويقصد هنا الموسوعات والمعاجم وكتب التراجم وكتب التاريخ والتي تبرز حياة شخص عبر تأريخه وذكر الأعمال التي قام بها، ولعل من أقدم من ألّف في هذا المجال - galton جالتون بكتابة المشهور (العبقرية الموروثة).

 

جـ ـ المعيار الثالث: أحكام الجزاء: وهذا المعيار له أهمية خاصة حيث أن الباحث أو الخبير تكون عنده علاقة مع المبدع موضوع الدراسة، بحيث أنه يرى نتاجه ومدى فاعليته وتمييزه عن النتاجات الأخرى في المجال نفسه. وهنا يقوم الباحث أو الخبير بوضع عدة أساليب لاختيار المبدع. ومن هذه الأشكال:

1 ـ ترتيب المرشحين في قائمة تبرز درجة إسهام كل واحد في مدى تقدمه العلمي ويراد ترتيبهم من الأعلى إلى الأدنى وكلٌّ في مجال تخصصه.

2 ـ وضع عناوين رئيسية لمواصفات كل واحد على حدة وتعبئة نموذج يبرز أصالة التفكير ـ المرونة ـ التخطيط ـ الدقة ـ الرقابة ـ وغيرها.

3 ـ ترشيح عدد من الأشخاص وهم الأكثر إبداعاً في مجالهم.

 

د ـ المعيار الرابع: غزارة الإنتاج: ويقصد بها عدد الدراسات أو المؤلفات أو المنشورات أو براءات الاختراع أو البحوث التي أنجزها بمفرده أو مع آخرين. وتؤخذ نوعية الإنتاجات بعين الاعتبار إضافة إلى الكم. وهنا سلبية لا بد من ذكرها وهي أن الإنتاجات إذا كانت مؤلفات أو نظريات أو منشورات فإنه يصعب فعلياً معرفة عدد المساهمين في العمل وإذا كانت اختراعاً فإنه ينبغي الاكتفاء ببراءة الاختراع حيث أن العديد من الاختراعات لا تبرز مواصفاتها خوفاً من المنافسة وينبغي الاكتفاء بالمعايير التي يضعها وكتب تسجيل براءة الاختراع.

 

هـ ـ المعيار الخامس: مستوى الأداء على اختبارات الإبداع: تستخدم الاختبارات النفسية من قبل باحثي علماء النفس والتربويين المعنيين بموضوع اختبارات الإبداع بصورة واسعة. وأن الأشخاص الذين يتم اختيارهم كمبدعين هم الحاصلون على درجات عالية في هذه الاختيارات. وهذه الاختبارات تعطي قياساً موضوعياً يسجل عملية التمييز بين الأفراد حسب أدائهم، ولكنه قياس يقتصر على الخصائص العقلية والمصرفية وليس له علاقة بالخصائص الشخصية والاجتماعية. وأيضاً من سلبيات هذا المعيار أنه هنالك العديد ممن حصلوا على درجات عالية باختباراتهم ولم يحققوا أي إنجاز أو إبداع يذكر، وأيضاً لا تزال قدرة التبوء لهذه الاختبارات موضع شك لدى العديد من الباحثين.

 

و ـ المعيار السادس: الملاحظة المباشرة: يتميز هذا المعيار بالرؤية المباشرة والتجارب الحية التي يمكن على أثرها معرفة الإبداع وتمييزه. وهذا المعيار يعتبر من أهم معايير الإبداع حيث أن النتيجة تظهر أمامك مباشرة. ويمكنك لمس حركة الإبداع ويعتبر هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يتيح فرصة التعرف على الإطار المرجعي الداخلي للفرد في مقابل الأساليب الأخرى التي تعتمد أساساً على أطر مرجعية خارجية كتقديرات الخبراء أو المحكمين، وقد يساعد في التعريف على أفراد يرون أنفسهم مبدعين بينما لا يراهم الآخرون كذلك.

 

 

صفات المبدع

يتصف المبدعون عموماً بعدد من الخصائص الشخصية والتي تولد دوافع الإبداع وتنبغي الإشارة إلى أنه ليس من الضروري توفر كل صفات المبدع في شخص واحد ولا سيما أننا ارتأينا أن نقوم بتجميع كل صفات المبدع التي توصل إليها الباحثون، علماً أن العديد من الباحثين وضعوا صفات ولم يضعوا الأخرى، ولكن رأينا أن وضعها كلها أفضل.

1 ـ الثقة بالنفس لدرجة الأنانية والتمركز حول الذات ولو على حساب الآخرين.

2 ـ اليقظة والوعي والإحاطة بما يدور حوله.

3 ـ الاجتهاد والانهماك الزائد بالعمل.

4 ـ الانهماك المفرط بالعمل.

5 ـ عدم الاهتمام بالحياة الاجتماعية والحيويات الشخصية واعتبارها مضيعة للوقت.

6 ـ عدم التمسك بالأعراف والأتيكيت وقواعد السلوك والتصرف بطريقة غير تقليدية.

7 ـ الميل للعزلة ومواجهة الصعوبات في التعامل مع الآخرين.

8 ـ المزج بين الطفولة والرشد في الأفكار والسلوك.

9 ـ التعبير عن العواطف بصراحة وبقوة بصورة مباشرة وغير مباشرة.

10 ـ معاناة حالة من الكآبة والتوتر بين الحين والآخر.

11 ـ مقاومة الضغوط الخارجية والقيود المفروضة وحب التحرر.

12 ـ حب الاستطلاع والمساءلة.

13 ـ حب التعلم والانفتاح على الخبرات الجديدة.

14 ـ الانتماء للعمل والاندماج فيه.

15 ـ التركيز على المهمات وعدم التشتت.

16 ـ القدرة على التنظيم الذاتي.

17 ـ التأثير بالآخرين.

18 ـ التأمل والانسحاب من المواقف الميؤوس منها.

19 ـ الميل للتلاعب بالأفكار.

20 ـ تقدير الأصالة والإبداع.

21 ـ الحدس وسرعة البديهة.

22 ـ الأمانة والشجاعة والحرص على الإقدام والمثابرة.

23 ـ التعاطف مع الآخرين.

24 ـ القدرة على جذب الجماهير.

25 ـ الحاجة للدعم والثناء.

26 ـ البحث عن التشويق والإثارة.

27 ـ تجنب العلاقات مع الآخرين وعدم الاقتراب كثيراً من الرفاق.

28 ـ المعاناة من شدة التوتر والانفعال.

29 ـ الانشغال الذهني والتخطيط والتبصر بالأمور.

30 ـ الاعتماد على الذات بدرجة كبيرة.

 

خصائص المبدعين

خصائص المبدعين التطورية

 1 ـ غالباً ما يكون المبدع هو المولود الأول للأسرة.

2 ـ قد يكون عانى من فقدان أحد الوالدين.

3 ـ أجواءه الأسرية غنية بالخبرات والتنوع.

4 ـ يستمتع بالشهرة ويثابر على العمل.

5 ـ يقدم مبادرات تدل على نبوغه المبكر.

6 ـ يفضل التعلم على صحبة الناس وينكب على المطالعة.

7 ـ يتعرض لتجارب وخبرات متنوعة من سن مبكرة.

8 ـ يحب الدراسة والنجاح.

9 ـ يقيم علاقات مميزة مع مجموعات ضيقة.

10ـ يتأثر بالقدوة.

11 ـ يتمتع بإنتاج ضخم.

 

الخصائص المنطقية

 1 ـ الانضباط الذاتي والاستقلالية وكراهية السلطة.

2 ـ مقاومة الضغوط الاجتماعية.

3 ـ الانتباه للتفاصيل.

4 ـ تحمل الغموض والقلق.

5 ـ حب المغامرة والإثارة.

6 ـ تفضيل المسائل المعقدة.

7 ـ امتلاك قاعدة معرفة كبيرة.

8 ـ القُدرة على التفكير المتشعب.

9 ـ الحاجة للإسترخاء.

10 ـ الحاجة لمجتمع وبيئة داعمة.

11 ـ عدم تحمل الملل والروتين.

12 ـ حسن الفهم والاستيعاب.

 

الخصائص الحدسية للمبدع

 1 ـ الانفتاح بغير حدود.

2 ـ الرومانسية.

3 ـ الحساسية الزائدة.

4 ـ الحماس والتسرع.

5 ـ الإحساس المتزامن بالألوان والأصوات والروائح.

6 ـ تقديم أفكار جديدة لحل المشكلة.

7 ـ التفاعل مع الأفكار الجديدة والأصيلة.

8 ـ القدرة على تحرير الأفكار والتعبير عنها.

9 ـ القدرة على مقاومة الاتهام بالشذوذ وغرابة الأفكار.

 

 

الخصائص العاطفية للمبدع:

1 ـ كفوء في التعبير عن نفسه.

2 ـ يدرك الأشياء بطريقة خاصة.

3 ـ ينجذب إلى المواقف المجهولة والمحيرة.

4 ـ له قدرة خاصة على حل الصراعات الداخلية والتناقضات الثنائية.

5 ـ له قدرة على دمج العناصر المتفرقة.

6 ـ يتقبل ذاته جيداً ولا يعبأ برأي الآخرين عنه.

7 ـ يتحمل المواقف المربكة.

8 ـ له القدرة على التركيز.

9 ـ لا يكبت مشاعره ويعبر عن مواقفه جيداً.

10 ـ يتحلى بالشجاعة لمخالفة العادات والمسلمات.

11 ـ سريع البديهة.

12 ـ يشعر مع الآخرين ويتوحد معهم بسرعة

 

الخصائص الحسية للمبدع

 1 ـ منفتح على الأفكار والخبرات الجديدة.

2 ـ يضبط نفسه ويتحكم بذاته.

3 ـ عنده قدرة على التلاعب بالعناصر والمفاهيم.

4 ـ عنده اهتمام بالعالم الخارجي والداخلي.

5 ـ لا يستعجل النهايات.

6 ـ يتقبل الصراعات والتوتر.

7 ـ عنده قيم نظرية وجمالية مرتفعة.

8 ـ عنده أداء حاذق للفنون التقليدية

 

نظريات الإبداع

لقد حاول الإنسان فهم ظاهرة الإبداع ولكنه لم يستطع الوصول إلى مفهوم واضح حتى أخضع هذا المفهوم للبحث والتجارب وقد تنوعت النظريات التي تسعى إلى تفسير الأعمال الإبداعية وسنعرض أهم النظريات والتي لا تزال تتفاعل مع مجتمعنا في العصر الراهن.