على الجانب الآخر، يحدث أن تلتقي بشخص لا تنسجم معه أبداً بسبب التباين في وجهات النظر، أو لعلَّك ببساطة لا تفهم سلوكه.
من الطبيعي أن تكون فرص انسجامك معه أقل بكثير من انسجامك مع الأشخاص الذين تألفهم بسرعة. وعلى ظاهر الحال، ليس هناك خطب في هذه الغريزة البشرية الطبيعية.
لكن، فكر في سير العلاقات في بيئة العمل في ضوء هذه الغرائز الطبيعية، وتخيل أنَّك ضمن فريق، وهناك شخص يعارض آراءك دوماً (مع العلم أنَّ معظم أعضاء الفريق الآخرين يتفقون معك)؛ يزعجك الأمر شيئاً فشيئاً. وخلال أحد الاجتماعات التي تغيب عنها ذلك الشخص، تبين لك أنَّك لست الوحيد الذي يشعر بهذا الانزعاج، ويبدو أنَّ باقي أعضاء الفريق بدؤوا يفقدون صبرهم أيضاً.
يصل صدى التوتر إلى الفريق القيادي، مما يستدعي تدخل وسيط لحل المشكلة. نلاحظ غالباً في الحالات التي يكون فيها 3 أشخاص على الأقل معنيين بالمشكلة ما يلي:
- يبدو أنَّ مشكلات المجموعة أو الثنائي تجاه الفرد متماثلة، لكن في الواقع توجد دائماً بعض الفروقات، حتى وإن كانت طفيفة.
- غالباً الفرد هو آخر من يعلم بوجود تلك المشكلات.
- يتحدث الثنائي أو المجموعة عن هذا الفرد في عدة مناسبات ومع عدة أشخاص.
- كلما طال أمد هذه المشاعر المتراكمة، قلَّت رغبة الثنائي أو المجموعة في التوصل إلى حل يحقق مكسباً للطرفين، وازدادت رغبتهم في أن ينتصر موقفهم هم فقط.
فهل يعني هذا أنَّ المجموعة أو الثنائي هم الطرف الوحيد المسؤول كلياً عن نشوء النزاع؟ بالطبع لا؛ إذ توجد أسباب مشروعة وسط القضايا المشتركة تستدعي اللجوء إلى وساطة. بل وفي بعض الأحيان، يفيد تنوع هذه الآراء في إبراز المخاوف بدل تجاهلها أو عدم فهمها بالشكل الكافي.
ومع ذلك، فإنَّ التعامل مع النزاع على أنَّه "مجموعة في مواجهة فرد" قد يؤدي إلى إغفال بعض العوامل الجوهرية التي يمكن أن تسهم في التوصل إلى حل شامل.
المخاوف المشتركة
قد يكون هناك إجماع على بعض السلوكات أو الإشكالات، وهذا يفيد في تحديد المحاور التي ينبغي مناقشتها، وتشجيع المتحفظين على مشاركة ملاحظاتهم. ومع ذلك، فإنَّ لكل شخص في جلسة الوساطة تجربة فريدة في تعامله مع الآخرين ومع الموقف نفسه. وعليه، فإنَّ علاقته بالطرف الآخر، ومسار التوصل إلى الحل، قد يتطلبان نهجاً مختلفاً قليلاً ووعياً خاصاً بالإشكالات التي تخصه وحده.
الجهل نعمة
يتفاجأ كثيرٌ من الأفراد في النزاعات متعددة الأطراف بانطباعات الآخرين عنهم ورأيهم بسلوكاتهم؛ لأنَّهم ناقشوا المسألة في دائرتهم الضيقة (وربّما مع آخرين من خارجها أيضاً)، وهم متأكدون من الإشكالات. غير أنَّهم لم يجروا بعد حواراً مباشراً وهادئاً وبنَّاء مع ذلك الفرد، فيجد نفسه فجأة في موقف مزعج، ليس فقط لأنه لم يكن يعلم بوجود هذه المشكلات؛ بل لأنَّ الآخرين كانوا على دراية بها قبله.
شاهد بالفيديو: 11 نصيحة حول كيفية حل أي خلاف يحدث في مكان العمل
تعقيدات الوساطة بين 3 أطراف
تثير مواجهة شخص واحد لعدد من الأفراد الشعور بالارتباك والقلق وضعف الثقة بالنفس، حتى وإن كان الفرد واثق من نفسه ومعتاد على المواجهة، وقد يشعر بأنَّه سيضطر إلى الاستسلام، لأنَّه ببساطة 1 ضد 2، ويُعد وجود 3 أطراف أمراً معقداً في الوساطة، لكنَّه أيضاً شائع الحدوث. وهنا يظهر دور الوسيط الخبير، القادر على تقييم الحالة وتعديل آلية التعامل بما يضمن شعور كل طرف بالراحة والإنصاف.
الدفاع عن الفريق
القاعدة العامة هي أنَّ "الفِرَق تريد أن ينتصر الطرف الذي تؤيده"، ويكفي أن تنظر إلى أية فعالية رياضية لترى استياء الجماهير عند انتهاء المباراة بالتعادل، فالجماعة ترغب في فوز فريقها. وأحياناً، يدفع هذا الحماس بعض الأشخاص إلى القيام بأشياء ما كانوا ليقدِموا عليها فرادى، وقد يؤدي ذلك إلى انقياد الأفراد وراء رأي الأغلبية، وتبلُّد إحساسهم بما يُعد "معاملة منصفة" إذا ما أقرَّت الجماعة بأنَّها كذلك.
لكن، لو أُتيحت الفرصة لأفراد من كل طرف أن يلتقوا في مساحة محايدة للحوار، فستزيد احتمالية أن ينظر كل منهم إلى الآخر بوصفه فرداً متفرداً، لا خصماً جماعياً.
في الختام
انتبه إلى ظهور التكتّلات ضمن فِرَق العمل، فالصداقة أمر طبيعي وإيجابي؛ أما الانقسام إلى "نحن وهم"، فهو طريق يمهد لنشوب الخلافات إن تُرك دون معالجة. إنَّ تشجيع الأفراد على التواصل مع بعضهم بعضاً بوصفهم أفراداً، بصرف النظر عن وجود ثنائيات أو جماعات، يسهِّل التوصل إلى حل جذري أكثر قابلية للتحقق.
كن واعياً لاختلالات موازين القوة، حتى إن كنت ترى سلوك الفرد عدوانياً (ويستدعي المواجهة والمعالجة)، فإنَّ مواجهة عدة أشخاص لفرد واحد، ستبدو دائماً بمنزلة تهديد.
يمكن تسوية النزاعات متعددة الأطراف بعدالة ودون إحساس بعدم بالانزعاج، لكنَّ الأمر يتطلب مهارة وحكمة، ونهجاً مصمماً خصيصاً لكل حالة.
لكل فرد هواجسه ومخاوفه رغم وجود قواسم مشتركة بين الأطراف وخاصة في النزاعات التي تنشب ضمن مكان العمل.
لا يعني قيام عدد من الأشخاص بالفعل نفسه، أو تبنِّي القول أو الرأي ذاته، أنَّ ذلك التصرف أو الرأي هو "الحقيقة" الموضوعية.
أضف تعليقاً