نادراً ما تكمن الإجابة في "ماذا" يعرف المدير، بل في "كيف" يفكر و"كيف" يتواصل. فلا تنطوي الإدارة، في جوهرها، على إدارة العمليات، بل على إدارة "علم النفس"؛ علم نفس القائد نفسه أولاً، ثم علم نفس فريقه.
لطالما كانت الأدوات التي تساعدنا على فهم "دليل المستخدم" للدماغ البشري حكراً على علماء النفس والمعالجين لسنوات طِوال. لكن ماذا لو وُجد دليل يأخذ هذه الأدوات القوية ويضعها في سياق "مجال العمل"؟
هذا بالضبط ما يقدمه كتاب "البرمجة اللغوية العصبية للمديرين" (NLP for Managers) للدكتور "هاري الدير"، والذي نُشر من طرف (Judy Piatkus Publishers)، وأشرف أكاديمياً على نقله إلى اللغة العربية الدكتور محمد إبراهيم بدرة والأستاذ ماجد بن عفيف، ليُنشر لاحقاً بالعربية من طرف "الدار القيمة".
يتعدّى الكتاب كونه مجرد إضافة نظرية، بل يمثّل "صندوق أدوات" عملي مصمم لسدّ الهوّة بين المعرفة الإدارية والأداء البشري الفعلي.
تُعرّف "البرمجة اللغوية العصبية" (NLP) ببساطة بأنّها دراسة "كيف" يقوم الناجحون بما يفعلونه. فهي لا تهتم بـ "لماذا" فشل الناس، بل بـ "كيف" نجح المتفوقون، وكيف يمكننا "نمذجة" هذا النجاح وتكراره، مُشَكِّلة "الكأس المقدسة" بالنسبة للمدير.
ركائز التفوق
يأخذنا الكتاب في رحلة لفكّ شيفرة هذا العلم، مرتكزاً على ركيزتين أساسيتين لأي قائد يطمح إلى "التفوق"، وهما: التحكّم في "الحالة الداخلية"، وإتقان "الاستراتيجية"، وإليكم الشرح تالياً:
الركيزة الأولى: القيادة تبدأ من "الحالة الداخلية" (Mastering Your State)
يجب أن تتقن قيادة نفسك قبل أن تقود أي شخص آخر. لذا، يوضّح الكتاب أنّ "الحالة الداخلية" (Internal State) هي النقطة التي يبدأ منها كل شيء.
يعرّف الكتاب "الحالة الداخلية" بأنّها "الحالة المعرفية (الذهنية)، والعاطفية، والجسدية في لحظة معينة". وعند تطبيق هذا التعريف، يكون مفتاح التفوق، وذلك وفق التالي:
- الحالة الذهنية (المعرفية): هل تكون في حالة "تركيز" تام عند اتخاذ قرار، أم في حالة "تشتّت"؟ وهل تدخل الاجتماع بـ "وضوح" فكري، أم بـ "ضبابية"؟
- الحالة العاطفية: هل تدير مفاوضاتك في حالة "ثقة"، أم "خوف"؟ وهل تقدم التغذية الراجعة (Feedback) لموظّفك في حالة "اتزان" و"دعم"، أم في حالة "غضب" و "رد فعل"؟
- الحالة الجسدية: كيف "تظهر" في الغرفة؟ هل تعكس لغة جسدك ونبرة صوتك "سلطةً" و"طاقةً"، أم تعكس "إرهاقاً" و "تردداً"؟
عادةً ما يكون المدير التقليدي "ضحيةً" لحالته الداخلية؛ لأنّه يتفاعل مع ضغوط العمل. أما "المدير المبرمج لغوياً وعصبياً"، كما يقدمه الكتاب، هو "سيّد حالته"؛ إذ يتعلم تقنيات (مثل الإرساء/Anchoring) لاستدعاء حالة الثقة أو التركيز أو الإبداع عند الطلب.
وهنا تكمن الخطوة الأولى نحو "التفوق في مجال العمل"، وهي: أن تتحكّم أنت في مقياس درجاتك الذهني والعاطفي؛ لأنّ حالتك معدية، وهي التي تحدد ثقافة فريقك بالكامل.
الركيزة الثانية: هندسة النجاح عبر "الاستراتيجية" (Mastering Strategy)
إذا كانت "الحالة الداخلية" هي "لماذا" نقود، فإنّ "الاستراتيجية" هي "كيف" نقود.
يقدم الكتاب تعريفاً دقيقاً ومختلفاً لـ "الاستراتيجية" (Strategy). فهي ليست خطة الشركة السنوية، بل "تسلسل أنماط التفكير أو السلوك لتحقيق نتيجة معينة".
وهنا تتّضح "برمجة" العقل البشري بأنّ كل ما نفعله هو "استراتيجية". فلديك، مثلاً، "استراتيجية" (تسلسل خطوات ذهنية وجسدية) لكيفية تحفيز نفسك صباحاً، وكيفية الرد على إيميل مستفز، وكيفية إجراء مكالمة بيع.
تكمن المشكلة في أنّنا ندير 90% من استراتيجياتنا العقلية بصورة "لا واعية". بالتالي، يُعد كتاب "البرمجة اللغوية العصبية للمديرين" الدليل الذي يضيء الكشاف على هذه الاستراتيجيات ويمنح القادة سلطة "هندستها" في مجالين، وهما:
1. هندسة استراتيجياتك الشخصية
يعلّمك الكتاب كيف تحلل استراتيجياتك الحالية. بمعنى آخر: ما هي "الاستراتيجية" التي تستخدمها عندما "تسوف"؟ وما هي "الاستراتيجية" التي تستخدمها عندما "تغضب"؟ وبمجرد فهم التسلسل، يمكنك تغييره؛ إذ يمكنك تصميم "استراتيجية" جديدة للإبداع، و"استراتيجية" جديدة لحل المشكلات.
2. "نمذجة" استراتيجيات المتفوقين (The Ultimate Management Tool)
تُعد "الأداة السحرية" في البرمجة اللغوية العصبية للمديرين. مثلاً، لديك موظف مبيعات "نجم" يحقق أهدافاً استثنائيةً، بينما يكافح البقية لأداء وظائفهم. فماذا لو كان بإمكانك "استنساخ" عقليته؟
يقول المدير التقليدي: "اعملوا مثله!". أمّا المدير المبرمج لغوياً وعصبياً، فيسأل: "ما هي استراتيجيته العقلية الدقيقة؟". هل يبدأ بـ "صورة" ذهنية للنجاح (بصري)، ثم "حديث ذاتي" محفز (سمعي)، ثم "شعور" بالثقة (حسي)؟
يمنحك الكتاب الأدوات "لنمذجة" (Modeling) هذا التسلسل الدقيق، وتحويله إلى عملية تدريبية يمكنك "تثبيتها" لدى بقية أعضاء الفريق. بالتالي، فأنت لا تطلب منهم "التفوق"، بل تمنحهم "استراتيجية التفوق" خطوةً بخطوة.
من مدير إلى "مهندس أداء"
يتعدّى كتابنا "البرمجة اللغوية العصبية للمديرين" كونه مجرد قراءة ملهمة؛ إذ إنّه دليل تشغيلي يثبت أنّ القادة العظماء لا يولدون، بل "يُبرمَجون" بوعي. فمن خلال إتقان "الحالة الداخلية" لإدارة "الذات"، وإتقان "الاستراتيجية" لإدارة "النجاح"، يقدم هذا الكتاب منهجيةً عمليةً لتحقيق ما يطمح إليه كل قائد، والذي لا يتمثّل بإدارة العمل فحسب، بل في تحقيق "التفوق الحقيقي في مجال العمل".
أضف تعليقاً