5 لغات لإظهار التقدير في العمل

في العقود القليلة الماضية، ساعد الكتاب الذي ألَّفه "غاري تشابمان" (Gary Chapman) عام 1992 بعنوان: "لغات الحب الخمس" (The Five Languages of Love) الأزواج في جميع أنحاء العالم على معرفة الطريقة التي يفضلون بها هم وشركاؤهم تلقي الحب والتعبير عنه في العلاقة.



إذ تقوم الفكرة على وجود خمس لغات حب مختلفة يستخدمها الشركاء للتعبير عن الحب والشعور به، فمعرفة ما يفضله شريكك تؤثر تأثيراً كبيراً في جعله يشعر بِحبك تجاهه.

لكن، ما لا يعرفه الكثيرون هو أنَّ ثمة كتاباً آخر صدر عام 2007، شارك "تشابمان" في تأليفه مع عالم النفس ومدرب القيادة "بول إي وايت" (Paul E. White)، بعنوان: "لغات التقدير الخمس في مكان العمل" (The 5 Languages of Appreciation in the Workplace)، فقال "وايت" إنَّ هدفهما كان تعزيز فاعلية المنظمات وأدائها عبر شرح تأثير الامتنان في مكان العمل.

لا يقتصر التقدير في مكان العمل على جعل الشخص يشعر بالرضا فحسب - على الرغم من أهمية ذلك - بل يؤدي إلى رفع معنوياته أيضاً، يقول "وايت": يساعد التقدير أفراد الفريق في المنظمة على التعاون والعمل معاً، وتحقيق أهدافهم بكفاءة أكبر".

إلى جانب زيادة الإنتاجية والربحية، ثمة نتيجتان إيجابيتان هامتان للتقدير في مكان العمل: تقليل معدل دوران العمالة وزيادة الإقبال على التوظيف في الشركة.

يقول "وايت": "عندما يشعر أفراد الفريق بأنَّهم محط تقدير، يركزون وقتهم وطاقتهم على المهام الموكَلة لهم وتحقيق رسالة المنظمة".

تدعم الأبحاث هذه الفكرة؛ إذ وجد الباحثون في دراسة أجرتها جمعية "علم النفس الأمريكية" (American Psychological Association) عام 2012، أنَّ 93% من الموظفين "الذين أبلغوا عن شعورهم بالتقدير، قالوا إنَّهم متحمسون لبذل قصارى جهدهم في العمل، وأبلغ 88% عن شعورهم بالاندماج"، ومن بينهم، يخطط 21% فقط للبحث عن وظيفة جديدة في العام المقبل.

توجد فائدة كبيرة أخرى تعود على المديرين الذين يُظهرون التقدير للموظفين، وهي إنشاء بيئات عمل تخفف من انفعال زملاء العمل ومن اهتمامهم بصغائر الأمور، مثل الحصول على مكان لركن السيارة، أو العمل في مقصورة أكبر.

تشبه لغات التقدير في مكان العمل لغات الحب، والتي تتضمن كلمات التشجيع وقضاء وقت ممتع والهدايا والتلامس الجسدي اللائق وتقديم الخدمات، كما هو الحال في العلاقات تماماً، غالباً ما نُظهر التقدير للآخرين كما نحب أن نتلقاه بدلاً من تقديمه بالطريقة التي يفضلونها، فإما أن يلجأ المدير إلى ذلك أو يكتفي بالتعبير عن تقديره للآخرين من خلال كلمات مثل: "أشكرك على عملك" يرسلها عبر البريد الإلكتروني، أو مجاملة يقدمها خلال الاجتماع.

يقول "وايت": "تكمن المشكلة في أنَّ أكثر من 50% من الموظفين لا يفضلون كلمات التقدير، وذلك وفقاً لبحث شمل ما يقرب من 400 ألف موظف؛ فإذا كان المدير أو زملاء العمل يُظهرون التقدير عبر الكلمات فقط، فمن المحتمل أنَّهم يفشلون في تحقيق التأثير المطلوب في أكثر من نصف أفراد الفريق".

لتعرف الأسلوب الذي يفضله زملاؤك في العمل أو الموظفون، يمكنك أن تسألهم عنه أو تنتبه إلى الطريقة التي يعبِّرون من خلالها عن امتنانهم، فمثلاً: إذا كان أحد الموظفين يُحضِر المخبوزات للفريق بعد تحقيق نجاح ما، فهذا يدل على أنَّه يفضِّل الهدايا، أمَّا إذا كان المدير يرسل رسائل بريد إلكتروني خاصة لتحفيز أداء الموظفين في نهاية الشهر، فهذا يعني أنَّه يحب عبارات التشجيع.

سنتعمق فيما يأتي في كل لغة من لغات التقدير في مكان العمل، لضمان أن يشعر الجميع بالتقدير:

كلمات التشجيع:

يحب بعض الأشخاص تلقي عبارات التشجيع والتغذية الراجعة الإيجابية، سواء شفهياً أم كتابياً مثل: الثناء على إنجازاتهم، وحتى مدحهم شخصياً.

تقول "ديانا روجرز ييغر" (Diana Rogers Jaeger)، استشارية تنمية المهارات القيادية ومؤسِّسة شركة "لوف تو أبريشييت" (Love To Appreciate) الاستشارية، إنَّ الأشخاص الذين يفضِّلون هذا الأسلوب يرغبون بتلقي مديح محدد يُقدَّم لهم شخصياً؛ ولكن حتى ذلك يختلف من شخص لآخر؛ فربما يفضِّل بعضهم الثناء عبر إخبار الآخرين عن العمل الرائع الذي قاموا به.

شاهد بالفديو: كيف تحفّز موظفيك في العمل؟

قضاء وقت ممتع:

يشير ذلك إلى الشعور بالتقدير الناتج عن قضاء الوقت مع الأشخاص الذين تقدِّرهم، بدءاً من المشرفين ووصولاً إلى الزملاء، ويقتضي ذلك تخصيص الوقت لممارسة نشاطات وتجارب مشتركة لبناء الفريق، مثل الاجتماعات غير الرسمية، أو المنتجعات السنوية.

لكنَّ قضاءَ وقت ممتع لا يقتصر على الخروج فحسب؛ بل قد يفضِّل بعض الأشخاص قضاء وقت أطول مع الآخرين وإظهار الاهتمام، على سبيل المثال، قد يقدِّر موظف الاجتماع بمديره كل أسبوع أو كل شهرين لتناول القهوة في مكان مناسب أو اللقاء عبر منصة "زووم" (Zoom).

يقول استشاري الاستراتيجية والقيادة "يان ماشكي" (Yan Maschke): "يعني قضاء الوقت الممتع دعم أفراد الفريق باستمرار، وذلك عبر سؤالهم عن أحوالهم، والإصغاء إليهم باهتمام، ومناقشة طموحاتهم المهنية وتطوراتهم الشخصية".

تقول "نيكول تيرنبول" (Nicole Turnbull)، مؤسسة شركة "نيون شيد" (Neon Shed): "تقوم الفكرة الأساسية على إيلاء اهتمامك الكامل للموظفين الذين يفضِّلون هذا الأسلوب في تلقي التقدير؛ لذا أوقِف رسائل البريد الإلكتروني والإشعارات على الهاتف، وضَعه بعيداً للتخلص من التشتيت وتعزيز الحضور الذهني، وحاول عدم تأجيل المواعيد مع أولئك الموظفين أو إلغائها، واحرص على منحهم انتباهك".

إقرأ أيضاً: 3 عوائق تقف أمام بناء ثقافة قائمة على التقدير والتفاعل

الهدايا:

إذا كان الموظفون أو زملاء العمل يقدِّرون الهدايا، فيجب أن تثير تلك الهدايا اهتمامهم، لا أن تكون أشياء عامة قد لا تهمهم؛ فإذا كان أحد الموظفين يحب نوعاً معيناً من القهوة مثلاً، فاشترِها وقدِّمها له عند وصوله إلى العمل صباحاً، وإذا كان آخر مهتماً بالعزف، فاشترك مع باقي الموظفين لجمع مبلغ وشراء آلة موسيقية يتمنى الحصول عليها لكنَّه لا يستطيع شراءها بسبب سعرها.

ليس بالضرورة أن تكون الهدايا باهظة الثمن أو فاخرة؛ بل يتعلق الأمر بتقديم هدية تعكس اهتمامات وعواطف الموظفين أو زملاء العمل، كما ليس بالضرورة أن تكون الهدايا مادية؛ بل قد تكون على شكل تقديم إجازات تعويضية أو مرونة في أوقات العمل أو إجازات مدفوعة الأجر.

إنَّ منح الموظف بعض الوقت ليتمكن من أداء مهام شخصية، أو الذهاب للتسوق، أو حضور مناسبة لطفله في المدرسة، أو حتى قضاء يوم شخصي للقيام بشيء ما يجدد نشاطه، جميعها أمثلة رائعة عن منح الإجازات كهدايا.

التلامس الجسدي اللائق:

تردد "وايت" و"تشابمان" في إدراج التلامس الجسدي اللائق ضمن لغات التقدير، لكنَّهما قررا القيام بذلك لسببين:

  1. لم يرغبا في تشجيع تجنب التلامس تماماً في مكان العمل، فقال "وايت": "تُظهر الأبحاث أنَّ التلامس الجسدي اللائق في إطار علاقة صحية وفي ظرف مناسب له تأثير إيجابي"، وأشار إلى أنَّ كل شخص لديه الحق في وضع حدوده الخاصة واختيار ما إذا كان يريد أن يلمسه أي أحد في مكان العمل أم لا.
  2. التلامس الجسدي طبيعي في العديد من العلاقات في مكان العمل، للتعبير عن السعادة والاحتفاء بأمر ما، مثل ضرب كفك بكف زميلك للاحتفاء بإكمال مشروع بنجاح، أو ضرب قبضة يدك بقبضة يده بعد حل مشكلة، أو مصافحته لتهنئته على إجراء عملية بيع كبيرة".
إقرأ أيضاً: بناء علاقات عمل جيّدة، كيفية جعل العمل أكثر متعة وإنتاجية

تقديم الخدمات:

يتمحور تقديم الخدمات حول مساعدة الآخرين عندما يكونون في أمس الحاجة إلى ذلك؛ إذ يُفضِّل الأشخاص الذين يحبون هذا الأسلوب من التقدير أن تمد لهم يد العون بحق، لا أن تتعاطف معهم وحسب.

لتقديم خدمة لموظف أو زميل عمل، اسأل نفسك ما يمكنك فعله لمساعدته أو إتمام مهمة من مهامه بدلاً عنه؛ إذ يُقدِّر هؤلاء الأشخاص الناس الذين يعرضون لهم مساعدتهم دون أن يكونوا مضطرين لذلك، قد يكون ذلك عبر تقديم المساعدة لشخص لأداء مهمة موعدها النهائي قريب، أو تقديم خدمة ما له، أو إحضار الطعام والمشروبات له عندما يعمل لوقت متأخر، أو مساعدته على حل مشكلة تقنية.

يعني تقديم خدمة لشخص ما إذاً مساعدته على إنجاز مهمة ما أو تحقيق تقدم في العمل، فقد يشمل ذلك أيضاً تقديمهم لمنتورز أو شخصيات هامة، أو تقديم الكوتشينغ ومساعدتهم على التطور، أو مشاركة فرصة وظيفية.

جميع هذه الأمور شكل من أشكال التقدير التي تسهم إسهاماً كبيراً في إنشاء ثقافة تنظيمية إيجابية وتحقيق نتائج أفضل.




مقالات مرتبطة