التخرّج من الجامعة لا يعني أبداً التوقُّف عن التعلم، فالحصول على أدوارٍ، ووظائف، وعلاقاتٍ جديدة في الحياة يتطلّب اكتساب معارف جديدة. التوقُّف عن التعلم يعني التوقُّف عن التحسُّن. يقول "نيت كورنيل" الأستاذ المساعد لمادة علم النفس المعرفي في جامعة وليامز (Williams College)، والذي يعكف أيضاً على دراسة استراتيجيات التعلم، أنَّه على الرغم من أهمية القدرة على التعلُّم بشكلٍ فعال إلَّا أنَّ العديد منا يطورون عاداتٍ سيئةً وتقنياتٍ خاطئة تقوِّض هذه القدرة لديهم. يذكر لنا "كورنيل" ثلاثة مبادئ أساسية للتعلم من خلال:

1- تقبُّل عدم الشعور بالارتياح:

أحد الأخطاء الأكثر شيوعاً وإيذاءً والتي يلاحظها "كورنيل" في أغلب الأحيان هو ميلنا إلى الربط بين الأداء وبين حجم ما نتعلمه، ولكنَّ هذين المقياسين غالباً ما يكونان متعاكسين في الواقع. يوضح لنا "كورنيل" ذلك من خلال المثال الآتي: فلنفترض أنَّك في نادٍ رياضي للتمرُّن على الأثقال تحاول رفع عشرة باوندات، وأنَّك شعرت بالإرهاق بعد عدة تمارين فقمت باستبدال العشرة باوندات تدريجياً بخمسة فوجدت أن التمرين قد أصبح أسهل فجأةً وبأنَّك قادرٌ على القيام بالمزيد من تمارين الخمسة باوند. لقد شعرت مباشرةً بأنَّك أصبحت أقوى. ولكنَّ المشكلة بكلِّ تأكيد هي في أنَّ الوزن الأخف جعلك تشعر بأنَّ أدائك أصبح أفضل، بينما كانت تقدم لك الأوزان الأكبر منفعة أكبر في الوقع. يقول "كورنيل": "يحدث الشيء نفسه مع التعلُّم، فعندما يكون التعلُّم أسهل تشعر وكأنَّك تتعلم بشكلٍ أكبر. ولكنَّك في الواقع تتعلم أكثر عندما تعاني في أثناء التعلم".

وفقاً لـ "كورنيل" يُشعرك التعلم الفعال بالصعوبة، فما يميّز الناجحين عن غيرهم هو قدرتهم على تقبُّل ذلك الشعور المستمر بالصعوبة. بالنسبة إلى معظم الناس، أنَّهم حالما يصبحون جيدين في شيءٍ ما سواءٌ في التحدث أمام الجمهور، أو الكتابة، أو برنامج "الإكسل" (Excel) فإنَّه يتملَّكهم شعورٌ بالزهو والراحة، ويفتقرون إلى الرغبة في الاستمرار في تحدي أنفسهم. ويضيف "كورنيل": "عندما لا تقوم باختبار التقنيات الجديدة وممارستها فإنَّك تكون قد وقعت في مستنقع عدم التقدُّم. فالأشخاص الذين يحقِّقون الأفضل في هذه الحياة هم الأشخاص الذين لا يشعرون بالرضى عند حصولهم على 8 من 10، فهم لن يتوقفوا حتى يحققوا الـ 10 من 10". يتطلب ذلك المخاطرة، وعدم الشعور بالأمان، والتكرار، والسعي خلف النقد، والتألُّم بكلِّ تأكيد.

التعلم هو اجتماعٌ لعدة أشياء: التحدي، والتيقُّظ، والابتهاج، والاندفاع، والملل، فهو ليس مهمةً سهلة. حيث يقول "كورنيل": "إن كنت تقضي وقتاً سهلاً، فإنَّك تسير في الاتجاه الخاطئ".

2- توقف عن حشو دماغك:

حشو المعلومات هو إحدى تقنيات الدراسة المفضلة لدى طلاب الجامعات. حيث يقول "كورنيل" أنَّ الحشو – أو ما يُعرف بالجهد الأخير لحفظ قدرٍ كبيرٍ من المعلومات خلال مدةٍ زمنيةٍ قصيرة – هو تقنيةٌ فعالة "إن كنت ترغب في تذكِّر شيءٍ ما على المدى القصير". فإذا حَشَوْتَ عقلك بالمعلومات قبل الاختبار، فإنَّك على الأرجح ستتذكر الكثير من المعلومات عندما تجلس للكتابة في الامتحان. ولكن ماذا سيحدث بعد عام، أو حتى بعد أسبوع أو أيام قليلة؟ لن تتذكر شيئاً تقريباً من تلك المعلومات.

لاكتساب معارف جديدة تبقى على المدى الطويل، من المهم أن تُباعد بين جلسات التعلم. ما يثير الاهتمام هو أنَّ النسيان هو ما يجعل جلسات الدراسة المتباعدة والمتنوِّعة أكثر فعاليةً من الجلسة الماراثونية الواحدة في تشكيل ذاكرةٍ طويلة المدى. حيث يعتقد "كورنيل" الذي درس هذا الموضوع بشكلٍ مستفيض أنَّ نسيان المعلومات وإعادة دراستها بعد ذلك عدة مرات هو ما يُدعِّم الذاكرة. إنَّ عملية النسيان ومن ثم إعادة جسر الهواة التي تنشأ في الذاكرة بشكلٍ متكرر، يجعل المعلومات تلتصق في ذاكرتك. "لا يمكنك أن تضيف شيئاً إلى معارفك ما لم تعطِ نفسك فرصةً للنسيان"، ولهذا السبب يقدم لنا حشو المعلومات نتائج عابرة.

3- قم بالربط:

إذا كنت تودُّ تذكُّر المعلومات الموجودة ضمن أي فقرة تقوم بقراءتها، قسِّم النص إلى أكبر عدد ممكن من النصوص الفرعية. وقم بالتوقُّف بشكلٍ متكرر وفكِّر في علاقة ما تقرأه الآن مع ما قرأته سابقاً. لكن لا تتوقف هنا، فإذا كنت تريد حقاً أن تلتصق المادة في ذهنك، ابنِ ارتباطات شخصية: اربط النص مع أشياء حدثت معك في وقتٍ سابق، أو مع أحدٍ من أصدقاءك أو معارفك. فكلما زاد عدد الأفكار التي تقوم بربطها مع معلوماتٍ شخصيةٍ سابقة كلما زاد احتمال التصاق هذه المعلومات في ذهنك. من البديهيِّ أن يكون التوقُّف عند كلِّ بضعة جمل للتفكير فيها وربطها مع بعضها مهمةً تستهلك الكثير من الوقت بالإضافة إلى كونها متعبةً للذهن وهذا ما يعيدنا إلى النقطة السابقة التي ذكرها "كورنيل"، وهي أنَّ التعلم يتصف بالصعوبة. يقول "كورنيل" أنَّه بسبب الالتزام التي تملأ وقتنا فإنَّ ذلك "لا يُعد ذلك تقنيةً شائعة، ولكنَّها تقنيةٌ فعالةٌ حقاً".

 

المصدر