حينما كنت أتقدم لمقابلات عمل كنت أشعر بالحرج بسبب لهجتي، فأنا وُلدت في مدينة سانتياغو في تشيلي، وحصلت على شهادة الدكتوراه في الولايات المتحدة، وعملت في حكومة ولاية واشنطن قبل أن أفتتح شركتي الخاصة. وحينما كنت أتقدَّم إلى وظيفةٍ حكومية كنت أخشى من أن تؤدي لهجتي إلى تشكُّل ما يُطلِق عليه "بيتر سينج" (Peter Senge) عالم علم الأنظمة اسم "النماذج الذهنية" (mental models) وهي الافتراضات المسبقة المترسخة في عقولنا والتي تحرك أفكارنا وسلوكاتنا من دون أن نشعر بذلك. وكنت أخاف من أن يستحضر الأشخاص الذين يجرون المقابلة معي حينما يسمعون لهجتي الصور النمطية السائدة عن نساء أمريكا اللاتينية دون أن يعوا ذلك.

إنَّنا نتخيل بشكل غريزي الأسباب التي من الممكن أن يرفض الأشخاص المسؤولون إجراء المقابلة لنا من أجلها لأنَّنا نخشى نتيجة الرفض، فقد يكون سجلك في التنقل بين الوظائف، أو معدل درجاتك المنخفض، أو نقص الخبرة لديك سبباً في تشكل نموذجٍ ذهنيٍّ معين. حيث تؤدي مشاعر الشك كهذه إلى تشتيت انتباهنا ومنعنا من تقديم أفضل ما لدينا.

ليس في الإمكان التخلص نهائياً من المخاوف، بيد أنَّك تستطيع أن تهيَّئَ نفسك للمقابلة باتباع نهجٍ دقيق وشامل يعزز ثقتك بنفسك. فلنستعرض إذاً أحدث طرائق الاستعداد لمقابلات العمل الشخصية:

1- ردد باستمرار "إنَّهم يقفون إلى جانبي":

فلتعلم، مهما كانت مخاوفك، أنَّ الأشخاص الذين يُجرون المقابلات لك يريدونك أن تنجح، فعملية إجراء المقابلات تستهلك الوقت ومُكلفة، والشركة هي التي أعلنت البارحة أنَّها في حاجةٍ إليك. لذا كرر هذه العبارة دائماً حينما تشعر بالقلق: "الأشخاص الذين يجرون المقابلة يقفون إلى جانبي".

2- فَلْتَبْدُو كأحد أبناء الشركة:

حينما تبحث عن فرصة عمل حلل الوصف الوظيفي والمحتوى الموجود على الموقع الإلكتروني للشركة، ومن ثمَّ استخدم ما قرأته في إجاباتك عن الأسئلة المطروحة في المقابلة، وأظهر مدى تناغم خبراتك وقدراتك مع الوصف الوظيفي ومع اللغة الاختصاصية المستخدمة فيه. فإذا ظهرْتَ بمظهر أحد "أبناء" الشركة لا بمظهر السائح الذي يزور بلداً غريباً كانت إجاباتك أكثر إقناعاً.

3- استعد لهذا السؤال: "لماذا ترغب في العمل هنا؟":

سيسألك كل شخصٍ مسؤول عن إجراء مقابلة عمل في النهاية: "لماذا ترغب في أن تعمل هنا؟"، وهو يقصد بذلك أن يقول: "هل تعرف ما يكفي عن هذه الشركة وهل أنت مهتم بما نقوم به؟". حيث يقدم عادةً الأشخاص الذين يعرفون تاريخ الشركة، وقيمها، ورسالتها، وثقافتها، ومنتجاتها، وآخر أخبارها أكثر الإجابات إقناعاً عن هذا السؤال.

4- استطلع مكان إجراء المقابلة:

قبل أن تذهب إلى حضور مقابلة العمل قم باستطلاع البيئة المادية التي ستُجرى فيها المقابلة، فَجُلْ بالسيارة أو على قدميك في محيط الشركة لتعرف ما الذي يرتديه موظفوها، وكيف ستصل إلى قسم الاستقبال، وكم سيستغرق المشي من سيارتك أو من وسيلة النقل العامة إلى الشركة. وحدد الوقت الذي ستنطلق فيه إلى مقابلة العمل بحيث تصل قبل الموعد بثلاثين دقيقة على الأقل.

5- اجمع معلوماتٍ عن الغرفة التي ستُجرى فيها المقابلة:

اسأل الأشخاص الذين تعرفهم عن مكان إجراء المقابلة، فإذا كان ثَمّةَ لوحٌ أبيض فقد تخطط لتوضيح فكرة من الأفكار الواردة في أحدث الأبحاث التي أجريتها باستخدام الرسم البياني، أو قد يطلب منك المسؤولون عن إجراء المقابلة إظهار مدى قدرتك على التفكير المنطقي باستخدام اللوح. أو قد تُضطَّر إلى استعراض الملفات التي تستخدمها في التسويق، أو إجراء تمرين حول مهارات الترميز، أو عرض النجاحات التي وصلت إليها مؤخراً. وإذا عرفت الوسائل الحاسوبية المتوافرة أمكنك أن تحضر معك كبلاً لنقل البيانات، أو سواقة (USB)، أو نُسَخ إلكترونية للتعامل مع أيَّة حالة طارئة.

6- استعد جسديَّاً:

فليكن جسدك مستعداً لأن تكون يقظاً وواثقاً، فقد كنت أنا أطلب إجراء مقابلات العمل في الساعة الـ 10 صباحاً بحيث أدخل إلى المقابلة وأنا مفعمٌ بنشاط الصباح. كما أنَّ التمرُّن، واختيار الوقت المناسب، والنوم بشكلٍ جيد في أثناء الليل، وتناول وجبة لذيذة قبل المقابلة تُعَدُّ جميعاً أموراً مهمة تساعد على إفراز هرمون الشعور بالراحة (الأندروفين) الذي يعطي شعوراً بالاندفاع. وثمَّة مثلاً العديد من النساء اللواتي يشعرن بالثقة حينما يرتدين الكعب العالي، وربما ترسل تسريحة الشعر أو ارتداء قميصٍ جديد إشارةً إلى جسدك بأن يكون مستعداً وهادئاً.

 

اقرأ أيضاً: لغة الجسد وأهميتها في مُقابلة العمل

 

7- ابنِ علاقاتٍ وديةً مع الأشخاص المسؤولين عن إجراء المقابلة:

ابحث عن هوية الأشخاص الذين سيجرون المقابلة لك بحيث تستطيع أن تبني علاقاتٍ وديةً معهم، ففتش من خلال إجراء بحث حولهم عن طريق الإنترنت عن القواسم المشتركة التي تجمع بينكم كالهوايات، أو الدراسة في المدرسة نفسها، أو الانتماء إلى المدينة نفسها، أو دراسة الاختصاص نفسه، أو تشجيع الفريق الرياضي نفسه. إذ تعزز مثل هذه الروابط الألفة بينك وبين الأشخاص المسؤولين عن إجراء المقابلة والذين سيقومون بدورهم بالبحث عن معلوماتٍ تتعلق بك أيضاً، لذا راجع حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي (وهو الأمر الذي يُفضَّل أن تقوم به قبل التقدُّم إلى الوظائف).

8- تحدّث عمَّا تقوم به حينما تمر بأسوأ أيامك:

يَفتْرض الأشخاص المسؤولون عن إجراء المقابلة بأنَّك تستطيع أن تقوم بعملك بكفاءة حينما يكون يومك مثاليَّاً (وإلَّا لما عرضوا عليك إجراء المقابلة)، ولكن ماذا يُقالُ عن اللحظات الأكثر إجهاداً وصعوبة؟ تحدث عن الأوقات التي شعرت فيها بالإرباك وواجهتك تحديات كبيرة واستطعت على الرغم من ذلك الخروج منتصراً، فالشركات لا تريد موظفين مثاليين بل تريد موظفين مرنين يخفقون فيتعلمون ويتكيفون. فكن أنت الشخص الذي تحتاج إليه الشركة في اللحظات العصيبة.

9- استعرض الحقائق:

يؤدي التفاخر إلى شعور الأشخاص الذين يجرون المقابلة بالنفور، إلَّا أنَّك يجب عليك أن تبحث عن طريقةٍ تسوِّق بها نفسك بعيداً عن الصفات الجوفاء، إذ إنَّ كلماتٍ كالإصرار، والعمل الجاد، والتفكير الاستراتيجي، والتعاون، والتنظيم، إلخ... لا معنى لها من دون وجود حقائق أو قصص تدعمها. فاروِ قصصاً عمَّا أنجزته وعن النتائج الملموسة التي حققتها ودع الحقائق تتحدث عن نفسها.

 

اقرأ أيضاً: كيف تسوق لنفسك في سوق العمل؟

 

10- قدِّم إجاباتٍ واثقة:

سيسألك الشخص المسؤول عن إجراء المقابلة حتماً سؤالاً لن يكون لديك إجابةٌ فوريةٌ عنه، فلا تجب بـ "مممم"، أو "آههه"، أو "دعني أفكر في هذا" فتأثير مثل هذه الأجوبة يتعاظم ليجعلك في موقفٍ دفاعي تشعر فيه بمزيدٍ من الشك. أجب بـ "نعم"، أو "بالتأكيد"، أو "بالطبع" لتعزز ثقتك بنفسك، واطرح أسئلةً توضيحية تُكْسِبُك المزيد من الوقت إذا وجدت نفسك مضطراً إلى ذلك.

وأخيراً ركز الاهتمام على الأشخاص المسؤولين عن إجراء المقابلة لا على نفسك، إذ إنَّ مقابلة العمل لا تعدو كونها مجرد حوار فإذا جعلت الحديث المتبادل بينك وبين الأشخاص المسؤولين عن إجراء المقابلة ساحةً للتفاعل ستكون أنت الرابح. أمَّا إذا ركزت اهتمامك على اللهجة أو على غيرها من المخاوف فسيصبح اهتمامك منصباً على نفسك وسيضعف التواصل بينكم. وإذا سيطر الخوف على المُتقدِّم للمقابلة فسيكون بعيداً كل البعد عن الظفر بالعمل كشخصٍ يحاول التحدث وكتابة رسالةٍ نصية في الوقت نفسه.

عندما تستعد بالطريقة التي تحدثنا عنها تستطيع ترويض مخاوفك واكتساب الثقة بالنفس. حيث إنَّ كل ما يرغب فيه الأشخاص المسؤولون عن إجراء المقابلة في نهاية المطاف هو إيجاد زميلٍ يستمتعون بالعمل معه خلال السنوات القادمة، فقدم صورةً كهذه عن نفسك في كل مقابلة عمل تقوم بها.

 

المصدر


المقالات المرتبطة