لفــت نظري أحد الآباء في الدمام عندما قال لي بأنه استطاع أن يوجه بناته التوجيه السليم ويحفظهـــن من مزالـــق المعاكسات عبر الإنترنت بأسلوب ذكي استخدمه معهن وأقنعهن أن ما يفعلنــــه غير صحيـــح، وتبدأ القصــــة كما ذكرهـــا بأنه خلال جلسة عائلية سمع من بناته حواراً عن المعاكسات عبـــر الإنترنـــت مـــن خلال محطـــة المحادثـــة بين الشباب والفتيات، يقول: فتمالكت نفسي وقلت لهن: لنغازل مع بعض، وذهبت معهن إلى غرفتهن وجلست معهن أمام شبكــــة الإنترنت وقــرأت المعاكسات بين الشباب والفتيات، وبدأت أوجه بناتي في طريقة الحوار مع الغرباء وخصصت من وقتي ساعة يومية لأجلس مع بناتي، والحمد لله فإن النتيجة اليوم أكثر من رائعة، فلقـــد شعرت بناتي بسخف ما كان يصدر منهن في الماضي،فأصبحت بعد ذلك أوجه حوارهن عبر الإنترنت إلى حوار فعال.


محتويات المقالة

    ما لفت نظري في هذا الموقف، الأسلوب التربوي الجميل الذي تعامل به هذا الأب مع بناته وفق منهج الحبيب محمد «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، وما ينزع من شيء إلا شانه»، وكان بإمكانه أن يستخدم سلطة الأبوة ويقطع عنهم الاشتراك في الإنترنت ولكنه استبعد أسلوب العنف وفضّل الأسلوب الآخر والذي يعالج المشكلة جذرياً.

     

    وأذكر بهذه المناسبة أباً آخر رافق ابنه عند سفره للخارج حتى يتابع تحصيله العلمي ومكث معه أسبوعين لينتهي من المعاملات الخاصة بالجامعة وتوفير المسكن وكان برنامج هذا الأب في أول أسبوع أن يعرف ابنه على المراكز الإسلامية في تلك المنطقة وأن يتعرف على الدعاة والشباب الصالح هناك، وأما الأسبوع الثاني فقد خصصه لتعريف ابنه بأماكن الفساد والمراقص ودور الدعارة وشوارع العاهرات، وكان يتجوّل مع ابنه ويذكر له المعلومات الكاملة عن الجانب السيء في تلك الحضارة ثم يختم وداعه له بكلمات يوصيه بها بأن يصرف وقت فراغه في طاعة الله تعالى ويتجنب أماكن الفساد.


    يقول هذا الابن بعد تخرجه من الجامعة ونيله الماجستير والدكتوراة بأنني لم أدخل الأماكن السيئة في تلك الديار بسبب تلك الجولة التي أشبعني فيها أبي بكافة المعلومات.


    إن هــــذه الحكمة هـــي التي نريدها في تربية أبنائنا في هذا الزمــان الصعــب، ولا نستعجـــل قطـــف الثمرة قبل أوانها، بـــل نتريــث فــي صياغـــة شخصية أبنائنا ونكون رفقاء بهم، فإن الرفـــق يؤثــر فـــي الشخصية أكثـر مـن العنـــف، ولهذا قال أحـــد الصالحين: «ألا ترى أن الماء على لينــه يقطــع الحجـــر علـــى شدته»، بـــل إن الرفق كـــان أساســـاً في تعيــين الــولاة في عهــد عمـــر بن الخطاب ]، وكــان فقـــده سبباً فـــي عــزل الـــولاة.


    فقد دخل عامل لعمر بن الخطاب فوجده مستلقياً على ظهره وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك عليه، فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟

    قال: إذا دخلت سكت الناطق.

    فقال له: اعتزل، فإذا كنت لا ترفق بأهلك وولدك فكيف ترفق بأمة محمد؟  

    فلو كان عمر في زماننا فهل يا ترى سيبقى أصحاب المناصب في مناصبهم بعدما يتعرف على واقعهم التربوي مع أبنائهم؟ ونقول ختاماً: «تعالوا نتغازل مع بعض».

     

    بقلم: د. جاسم المطوع

     

     

    موقع الأسرة السعيدة


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.