نعم. فإنهما يشتركان في استغراق الوقت الطويل فيهما، وكذلك يعملان على نفس المستوى الخيالي والذهني، فالطفل يشاهد البرامج الخيالية حتى يظن أنه في عالم غير العالم الذي نعيش فيه، وكذلك متناول المخدرات يصيبه العتة والانفصال عن الواقع، و ثناء تقديمـــي لإحــــدى الدورات الخاصة بالرجال لاحظـــت رجـــلاً قد تغير وجهه، ونزلـــت دمعة من عينه على خده، وكنت وقتها أتحدث عن إحدى مهارات التعامل مـــع الأبناء وكيفيـــة استيعابهم، وخلال فترة الراحة جاءنــي هــذا الرجــل وحدثني على انفراد قائلاً: هل تعلـــم لماذا تأثـــرت بموضوع الـــدورة ودمعت عيناي؟ 

قلت له: لا والله!! فقال: إن لي ابناً عمره سبعة عشر سنة وقد هجرته منذ خمس سنوات لأنـــه لا يسمع كلامي، ويخرج مع صحبة سيئة، ويدخن السجائـــر، وأخلاقه فاســـدة، كما أنه لا يصلي ولا يحترم أمـــه، فقاطعته ومنعت عنـــه المصـــروف وبنيت لـــه غرفة خاصة في السطح، ولكنه لم يرتدع، ولا أعرف ماذا أعمل، ولكن كلامك عن الحوار وأنـــه حـــل سحـــري لعلاج المشاكل أثّر بي، فماذا تنصحني؟

هل استمــر بالمقاطعــة أم أعيــد العلاقة؟! وإذا قلــت لــي ارجـــع إليــه فكيـــف السبـــيل؟! قلت له: عليك أن تعيد العلاقة اليوم قبل الغد، وإن ما عمله ابنك خطأ ولكن مقاطعتك له خمس سنوات خطأ أيضاً، أخبره بأن مقاطعتك له كانت خطأ وعليه أن يكون ابناً باراً بوالديه ومستقيماً في سلوكه، فرد عليَّ الرجل قائلاً: أنا أبوه أعتذر منه، نحن لم نتربى على أن يعتذر الأب من ابنه!!

قلت: يا أخي الخطأ لا يعرف كبيراً ولا صغيراً وإنما على المخطئ أن يعتذر، فلم يعجبه كلامي، وتابعنا الدورة وانتهى اليوم الأول، وفي اليوم الثاني للدورة جاءني الرجل مبتسماً فرحاً ففرحت لفرحه، وقلت له: ما الخبر؟ قــال: لقـــد فكّرت كثيراً بكلامـــك وطبقته البارحة، وهـــل تعرف ما هـــي النتيجـــة؟

قــلت: أخبرنـــي، قال: طرقت على ابني الباب في العاشرة ليلاً وعندما فتح الباب قلـــت لــه: يا ابنــي إنــي أعتذر من مقاطعتك لمدة خمس سنـــوات، فلم يصدق ابني ما قلت ورمى رأسه على صـــدري وظل يبكــي، فبكــيت معه، ثــم قال: يا أبي أخبرني ماذا تريدني أن أفعل، فإني لن أعصيك أبداً.

وكان خبراً مفرحـــاً لكل مـــن حضر الدورة، نعـــم إن الخطأ لا يعرف كبيراً ولا صغيراً، بل إن النبي محمد في إحـــدى الغزوات كـــان يساوي بــــين الصفوف، فوضـــع عصـــاه في بطن أحد الصحابة ليساوي وقوفه مع بقية الصف، فطلب هذا الصحابي أن يقتـــص من النبـــي على فعلتــه، فكشـــف النبـــي عن بطنه وأعطاه العصا ليقتص منه ولكن الصحابي انكب على بطنه يقبله، فقال له النبي: «لم فعلت ذلك»، فقال أردت أن يكون آخر عهـــدي بالدنيا أن يمس جلدي جلــــدك، واستشـــهد الصحابــي فــي تـــلك المعركـــة.

إن الأب إذا أخطأ فـــي حق أبنائـــه ثم اعتذر منهم فإنه بذلك يعلمهم الاعتذار عند الخطأ، وإذا لم يعتذر فإنه يربي فيهم التكبر والتعالي من حـــيث لا يشعر.. هذا ما كنـــت أقوله في أحــد المجالس في مدينــة «بوسطن» بأمريكا وكان بالمجلس أحد الأصدقاء الأحبـــاء وهــو «د. وليد فتيحي»، فحكى لي تعليقاً على ما ذكرت قصة حصلت بينه وبين أحد أبنائه عندما كان يلعب معه بكتاب من بلاستيك، فوقع الكتاب خطأً على وجه الطفل وجرحه جرحاً بسيطاً، فقام واحتضن ابنه واعتذر منه أكثر من مرة حتى شعر أن ابنه سُعِـــد باعـــتذاره هذا، فلما ذهب به إلى غرفة الطوارئ في المستشفى لعلاجه وكان كل من يقوم بعلاجه يسأله كيــف حصــل لك الجــرح؟

ثم قال د.وليد معلقاً، أعتقد أن سبب عدم ذكري لأنني اعتذرت منه، وحدثني صديق آخر عزيز علي وهو دكتور بالتربية بأنه فقد أعصابه مرة مع أحد أبنائه وشتمه واستهزأ به ثم اعتذر منه فعادت العلاقة أحسن مما كانت عليه في أقل من ساعة. فالاعتراف لايعرف صغيراً أو كبيراً أو يفرق بين أب وابن.

بقلم: د. جاسم المطوع

 

 

موقع الأسرة السعيدة