يقول الروائي الحائز على جائزة نوبل "وليم جولدنج" في مقدمة إحدى رواياته أن ''من الغباء أن تتخيل النساء أنفسهن مساويات للرجال، لأنهن يتفوقن عليهم بكثير''...
البعض لايعي الأسباب التي تقود رجلاً ما للإدلاء بهكذا اعتراف يدين به بني جنسه... وقد يبدو قولاً مبالغاً فيه بعض الشيء، لكن الشواهد في عصرنا هذا على صدقه كثيرة.

 

في حياة المرأة العادية محاور كثيرة تحاول أن تقيم حولها حياة متكاملة. فهناك البيت بكل مايحتاجه من اهتمام، وهناك الأطفال وصحتهم وتعليمهم وتربيتهم، وهناك الرجل الزوج الذي يحتاج اهتماماً خاصاً، وفوق كل هذا هناك العمل، الذي بات الساحة المعترف بها لإثبات القدرات في العطاء. كما أن العمل لم يعد خياراً تقف أمامه المرأة، لتزن بينه وبين المسؤوليات الأخرى في حياتها. بل هو في ذات الكفة في الميزان ويضاف إليها على العاتق.. ليس لأن المرأة بحاجة لإثبات قدراتها، بل لأن الحاجة المادية لبيتها وعائلتها تفرض عليها أن تعمل.
 
وكل هذا واقع تعيشه النساء وتدبر أحوالها فيه. لكن المشكلة هي ما يقع في الكفة الأخرى من ذاك الميزان، وهو المرأة ذاتها. فهي ترزخ تحت ثقل يحتاج قوة الرجال، لكنها تستمر به رغم أنها خـُلقت كائناً ضعيفاً. فتحملها المسؤوليات ضعفاً، سيجعلها تذوي وتذبل بتسارع، دون متسع من الوقت يكفيها آخر كل نهار لأن تنظر في المرآة لتلحظ ذلك الذبول.
 
التفوق الكبير الذي يتحدث عنه جولدنج يتمثل في قدرة المرأة على لقف الكرات كلها وإعادة رمي الملقوفة منها دون أن تقع أية كرة من اللعبة، أي إدارة عدة جبهات في وقت واحد، وهي قدرة تتفوق المرأة فيها على الرجل.
 
وقد عبر مستشار التنمية البشرية د. إبراهيم الفقي عن ذلك بتسمية ''التفكير الحلزوني''، فيقول أن الرجل يفكر في خط مستقيم، لكن المرأة تفكر بشكل حلزوني. وهي تسمية قد تبدو للوهلة الأولى مضحكة، لكنها تعبر عن قدرة المرأة على إدارة أكثر من محكّ في وقت واحد، في حين أن معظم الرجال يصنفون المشاكل والضغوطات من حيث أهميتها وأولويتها ليتعاملوا معها الواحدة تلو الأخرى. ولولا هذا التفوق في القدرة الإدارية عند النساء لما شغلت الأمهات العاملات نصف القوى العاملة دون خراب بيوتهن. ولو كان حجم المسؤولية والثقل الذي يتحمله أحد أفراد الأسرة يتناسب مع قوامية ذلك الفرد في البيت، لكانت القوامية للمرأة حتماً.
 
الرجال قوامون على النساء...
أستطيع أن أتخيل عدداً من القرّاء الثائرين الآن..!!!
وأتوقع أن بعضاً منهم سيسمي هذا الفكر بأنه جندري مسموم، وسيحاول حجب مثل هذه الأفكار عن زوجته وبناته لتبقى له القوامية في بيته على الأقل.
فكيف تكون القوامية للمرأة وقد قال سبحانه وتعالى أن ''الرجال قوّامون على النساء''؟! في الحقيقة، الآية الكريمة تقول '' الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم''، وليست كما يتناقلها القول الشائع المبتور. والناظر إلى معنى الآية بشكل متكامل يستنتج أن القوامية مشروطة بعاملي التفضيل والإنفاق، وهذا يعني أنها ليست ''حاصل تحصيل'' مرتبطة بالذكورة.
 
أي بيت في يومنا هذا لاتنفق فيه الزوجة بقدر إنفاق زوجها أو أكثر؟؟.
بل أن بعض الرجال باتوا يشترطون في بحثهم عن زوجة أن تكون امرأة عاملة، لأنهم يعلمون أن الأوضاع الاقتصادية المتردية تضعف قدراتهم على فتح بيت الزوجية إن لم تعمل الزوجة. وغالباً ما يكون إنفاق الزوجة على احتياجات بيتها إلزاماً عليها، وليس خياراً تعطاه. كما أن المرأة العاملة التي لاتساهم في تغطية نفقات البيت بسبب اقتدار زوجها عادة ما تنفق على نفسها، وبذلك فهي ليست بحاجة لإنفاقه عليها من أمواله. فإذا كان الإنفاق سبباً في قوامية الرجل على المرأة، فإن أحوال الدنيا اليوم قد أفقدته هذه الميزة.
 
أما في مسألة الأفضلية، وهي الشرط الثاني في القوامية، فهي خاضعة لحكم الحاجة. فأي مضمار هو الذي يستطيع الرجل أن يثبت أن الله فضله فيه على المرأة في يومنا هذا؟ إذا كان السؤال عاماً، فلم يبق في ذلك سوى مضامير القوة الجسدية، والممارسات الاجتماعية المقتصرة على الرجال. أي لم يبق شيء تقتصر الهيمنة فيه على الرجال سوى القتال في الحروب، وفض النزاعات العشائرية. لكن مثل هذه المحكات الخشنة لاتحدث بتكرار كبير لتشكل جزءاً من الحياة اليومية وتـُمتحن فيها قدرات الرجل حتى يفوز بالأفضلية. أما في حياة المرأة فالحال مختلفة. فكل يوم في حياة الأم الزوجة العاملة يحتوي عدة محكات وامتحانات لقدراتها على التنسيق والإدارة وتدبير الحال رغم تعدد الضغوطات، والخروج من المشاكل بأقل الخسائر الممكنة للعائلة مادياً أو صحياً أو اجتماعياً.
 
أما إذا أخذنا سؤال الأفضلية بشكل فردي، فتبقى الإجابة عليه خاضعة لقدرات الرجل والمرأة فردياً، وما يهبانه من نفسيهما لتأسيس وبناء ذلك البيت وتسيير عجلة الحياة. وتأتي مقومات الأفضلية في التعليم أو النسب أو الذكاء أو القدرات الخاصة. وفي كل الأحوال لا تؤخذ الأفضلية بالذكورية بشكل مطلق.
 
إن في قلب كل امرأة حلم عن دورها في الحياة في ظل رجل. يتبلور هذا الحلم مع أوائل سني الوعي. والصورة الغالبة على هذا الحلم هي أن تجد المرأة من يقدرها ويحميها ويدلها إلى حيث المسير. سيشاركها الرأي في الطريق، وقد يستأذنها فيه أحياناً كثيرة، وسيرفع عن كاهلها ثقل التفكير في الآتي. ولا أعتقد أن أي بنت في عمر الصبا كانت تحلم في يوم من الأيام بأنها ستكون لها اليد الأعلى في البيت بسبب اعتماد بيت الزوجية على دخلها من العمل، أو بسبب أفضليتها في إدارة جبهات شؤون الزوجية والأمومة والبيت والعمل في آن واحد. لكن الحياة لا تأتي كما ترسمها أحلامنا. وتلك القوامية التي باتت تراود النساء عن حياتهن ليست مرغوباً فيها أبداً. بل أن لسان حال المرأة اليوم يقول : أما من مساحة أستعيد فيها بعضاً من أنا؟ بعضاً مما خـُلقت به ولأجله؟ رجال اليوم لا يعون أن في كل امرأة طفلة صغيرة، تعشق مرآتها وحليّها وزينتها.
 
ثم يأتي رجل ويشتكي من أن المرأة لم تعد أنثى، وأنها أصبحت خشنة وجلفة ومسترجلة. وأن صوتها يعلو على صوته، وأنها لم تعد تكتحل أو تتعطر. ولا حتى في بيتها. وقد يغزل من ذلك مبرراً للبحث عن أخرى، في ما يشبه ''حجّة بحاجة''. لكن وحدها هي التي تعلم أنها لم تشأ لهذا أن يكون، فغلبة الطبع على التطبع لاتأتي مرة واحدة لتصدّها، بل تأخذ مجراها عليها بتوالي السنين. فالمحامية لا ترغب في الخشونة، لكن مهنتها خشنة، فتغلظ صوتها وهي تعمل ثم تغلب عليه الغلاظة بعد سنين. والطبيبة تقترب كثيراً من مرضاها، فلا تتعطر ولا تتبرج ثم تعتاد على ذلك. والمدرسة تستخدم صوتها كثيراً فتهترء نعومته ويبقى على ذلك. والمهندسة تعمل في الخارج تحت أشعة الشمس وعوامل الجو، فتذبل بشرتها وتفقد شبابها. وجميعهن يتمنين ساعة واحدة في المساء يستعدن فيها بعض ألق ما وُلـِدن به ثم اجتمعت عوامل الشقاء على أخذه منهن، وهو تلك الأنوثة التي صار الرجال يفتقدونها فيهن. لكن ما يجدنه في المساء هو الباقي من تلك المسؤولية المفروضة عليهن، علماً بأن هذه العجلة الدوارة قد تمكنت بطريقة ما من أن تخلق للرجل متسعاً لأن يجد لنفسه أصدقاء وأن يخرج إلى المقاهي ويرفه عن نفسه من ضغوطات البيت! ويستطيع ذلك لأن في حياته إمرأة قوية، تحمل كل شيء على أكتافها وتسير من غير حدو.
 
كل الرجال يدعون عدم القدرة على تدريس أبنائهم، بحجة العصبية وقلة الصبر عليهم. ويدّعون عدم القدرة على متابعة علاجاتهم، بحجة عدم القدرة على حفظ أسماء الأدوية أو مواعيد الوجبات. ولم يعد الرجل يمد يداً في تصليح أي تالف في المنزل، بل يعهد لزوجته بجلب من يصلحه ثم بالإشراف عليه. وفي نهاية الأسبوع يحتل الكنبة متمدداً أمام التلفزيون لساعات، لأنه مرهق من العمل طوال الأسبوع ! المرأة اليوم لا تريد القوامية في بيتها. ولا تريد أن تكون لها اليد العليا، لا بإسهامها في الإنفاق ولا في استلام قيادة الحياة. صحيح أنها ناضلت مطولاً لتصل إلى اليوم الذي تنافس فيه الرجل في كل الأعمال والمجالات، لكن هذه المنافسة لم تكن على أساس عدم التعاون بينها وبين الرجل لتسيير الحياة. فكأن رجالنا اليوم فرحين بما وصلت إليه المرأة من منجزات أكثر منها، لأنها أضافت إلى مسؤولياتها ورفعت عن عاتقهم الكثير باسم المساواة. لكن الوضع المثالي يستدعي من الرجل أن يقدم بعضاً من التضحية مقابل رفع ذلك الثقل عنه، حتى تستطيع أن تبقى المرأة مرأة، والرجل رجلاً.
 
من المؤكد إن ما ذكرناه سيحرك حفيظة رجالنا، وأتمنى أن يتضح لنا أن ليس فيه أي عنصرية نسائية، بل هو وصفٌ لواقع يرفض المجتمع تصويره على أنه يجب ألا يكون، ليس إنكاراً لما هو حق، بقدر ما هو إبقاء على ما يخدم ذكورية هذا المجتمع. فليس كل تغيير يـُحقُّ الحقَّ مرغوباً فيه.
ولو دخلنا إلى بيوت الناس لوجدنا كثيراً من صحة كما ذكرناه...فللرجل دور كبير في فقدان المرأة لأنوثتها...وللأسف هناك في تلك البيوت رجالاً لايعترفون بذلك أبداً وهناك رجالاً وهم الأكثر لايعرفون ذلك حتى يعترفوا أو لايعترفوا به...