من حق كل إنسان منّا أن يكون له نيولوك، فإن تجديد المظهر من آن لآخر من شأنه أن يكسر الرتابة التي تصيب الواحد منّا بالملل، فالنيولوك تقوم على – شقاوة (لا أقصد شقاء الفعل أو المصير) لذيذة، تُدخل حالة من حالات البهجة المطلوبة على النفس! وفي اعتقادي أنه كلما كانت النيولوك بعيدة عن الشكل الأصلي كلما كانت ملفته، وكلما حققت الهدف منها، إذ ما معنى أن أغير شيئاً تغيراً طفيفاً جداً لا يكاد يلحظ، إن هذا السلوك من شأنه أن يضيع الهدف الأصلي كما أنه يصغر الجهد المبذول ويجعله بلا قيمة. فلنفرض أن واحداً منّا أراد أن يجدد بيته وأن يُحدث فيه نيولوك – وهو قادر على ذلك – هل يحقق غرضه بأن يأتي على لون طلاء أخضر – مثلا – فيجعله – أخف خضاراً أو أكثر دكانة؟! وهل يحقق غرضه بأن يأتي على مجموعة كراسي منتظمة في شكل معين، فيزحزح كل كرسي منها عن مكانه بمقدار سنتيمترات، مع احتفاظه بانتظامية الشكل؟!


محتويات المقالة

     

    إن هذا التحفظ في التغيير لا يحقق أي نيولوك، ولا يجعل للجهد المبذول أي قيمة! إن الذي يريد أن يُحدث نيولوك في بيته – عليه أن يستبدل الطلاء الأخضر بالأحمر الفاقع، والوردي بالأصفر والأسود بالأبيض، والأزرق بالنبيتي وعليه أن يضع المنضدة في مكان الكرسي، أو أن يبعد الكرسي ابتداء وأن يجعل الشكل الدائري مثلث، والمثلث مربع وهكذا، فهذا هو التغيير علي أصله وهذا هو النيويوك بحق. وهذا هو الذي يلفت الانتباه ويجعل الناس يشهقون بجد.

     

    إنني مع هذا النيولوك اللذيذ وأدعو إليه طالما أنه لا يخالف الشرع في أي جانب من جوانبه، ليس ذلك فقط بل أنني أذهب لأبعد من ذلك، وأدعو إليه! إنني أدعو كل واحد منا إلى نيولوك جديد، وخصوصاً إذا كان مُقدماً على حدث كبير أو مناسبة فريدة ليس لها مثل! ويجب علينا أن نستقبله بأبهى نيولوك، وأكثرهم جرأة ولفتاً للانتباه إن هذا الشهر كغيره من أيام الله – سوف يشهد على كل واحد منّا بكيف استقبله وبماذا فعل فيه! وسيسجل في دفاتره الأبهى أناقة، والأكثر جاذبية، ليكافأهم يوم تأتي ساعة المكافأة، وهي لا ريب آتية! إنني أدعو كل واحد منّا أن يستجمع كل ما لديه من طاقة ليغير من نفسه ولو طبعاً واحداً سيئاً، يتركه، أو أن يُحصّل خلقاً واحداً يلتزمه.

     

    إن هذا هو النيولوك الذي ينبغي أن نركز عليه في استقبالنا لهذا الشهر الكريم. وأريد أن تكون هذه الطباع التي نتركها أو نلتزمها من الطباع المؤثرة الصعبة التي تنقل الواحد منّا نقله إنسانية واضحة وبينة لا لبس فيها. وليست من الأمور الخفيفة التي يسهل على المرء تركها أو إتيانها متي شاء. لأنني كما ذكرت سابقاً – فإن التغيير الطفيف الغير ملحوظ ليس له في اعتقادي قيمة يفرح لها المرء ! واسمحوا لي أن أوضح أكثر! فترك الصلاة – مثلا – كبيرة من الكبائر، وتضييع وقتها بلا عذر – مصيبة من المصائب، كانت هذه الصلاة هي صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء.أو صلاة الفجر التي أركز وأؤكد عليها لخصوصيتها وصعوبتها وثقلها على النفس وضيق وقتها الذي لا يتعدى عادة أكثر من الساعة والنصف من آذان الفجر إلى شروق الشمس.

     

    إن العزم الأكيد على عدم تضييع الصلاة أي صلاة عن وقتها هو التغيير الحقيقي الذي أدعو إليه كل واحد منّا كل واحد منّا يريد أن يكون له نيولوك جديد مبهج، وملفت، ومناسب للحدث! أما اعتبار المحافظة على بعضها وتضييع بعضها – على أساس أن الأصل هو تركها بالكلية – شيئاً جديداً وجيداً، وأنه هو النيولوك المناسب للطاقة والوضع فإنني لا أوافق علي ذلك بالمرة، وأقول أنه تغيير ناقص، غير ملفت ولا يرفع صاحبه إلي المصاف التي ينبغي أن يتطلع إليها المسلم في مثل هذه المناسبة!

     

    مثال آخر وهو المال الحرام؛ إن المال الحرام كارثة ماحقة لا يخفف من أثرها شيء مهما عظم، إنه يجعل الأصل – وهو الإنسان – الذي ينطلق منه كل شيء – ملوثاً، وطبيعي لما كان هذا أصله ألا يصفو في شيء! إن التغيير الحقيقي الذي سيكون له قيمة ويجعل للواحد منّا نيولوك هو إعلانه الحرب علي كل فلس حرام سواء كان معه أو ينوي الحصول عليه مستقبلاً! إن المال الحرام - يغلق أبواب السماء ويقطع الصلة بيننا وبين الملأ الأعلى ناهيكم عما يسببه في الدنيا من كوارث عقوق الوالدين وفساد الأولاد وغير ذلك مما يطول فيه السرد! فعن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم، وقال: يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، ثم ذكر الرجل أشعث أغبر – يطيل السفر يرفع يديه إلي السماء يقول يارب ، يارب ومطعمه من حرام ومشربه من حرام ، وغُذي بالحرام فأنّى يستجاب له!

     

    دعونا نكتفي بهاتين القضيتين الكبيرتين، قضية إقامة الصلاة على وقتها وقضية نبذ المال الحرام وعدم الاقتراب من شبهة حرام! ودعونا نتأمل الشخص الذي وفق لذلك، إن بيته لم يكن يعرفه إلا جثة هامدة ساعة صلاة الفجر، أما الآن فقد تغير، وصار يشعر بحركته المباركة وخفته إلى الطهور وسجادة الصلاة، والملأ الأعلى لم يكن يرى له أو لبيته نوراً، أما الآن فقد صار بيته منوراً بذكر الله وبالصلاة، وكذلك الحال بالنسبة لروحه المعذبة ولجسده الذي كان يتلظى بالمال الحرام، فقد هدأت روحه وشفي جسده، وفتحت له أبواب السماء واتصل بخالقه بحبل متين، ما رأيكم في هذا النيولوك الجديد، أعتقد أنه لذيذ وجميل، وجديد ومربح وملفت جداً، خصوصاً للملأ الأعلى – وهذا هو المهم! واللا إيه رأي حضراتكم؟! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     

    عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 15 أكتوبر 2005


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.