كم هي كثيرة متطلبات الحياة ومآسيها وما أضعف وأعجز أحدنا عن تحصيل متطلباتها ودفع مآسيها، إن أحدنا يحتاج لتحقيق تلك المتطلبات ودفع تلك المآسي إلى أضعاف أضعاف قدرته وقوته ولا سبيل لتحصيل تلك الأضعاف المضاعفة إلا بالاعتماد على الغير ممن تتوافر فيهم تلك القدرة والقوة، إن هذا المنطق وهذه الحاجة الفطرية هما اللذان يدفعان الناس إلى ما يسمى التوكل، فالتوكيل ببساطة عبارة عن اتفاق بين إنسان وآخر يطلب فيه الطرف المحتاج عون ومساعدة الطرف الآخر لحل قضيته أو مباشرة أمره على أفضل الوجوه وأحسنها له.

 

والناس في قضية التوكيلات مختلفون فبعضهم لا يوكل أحداً أصلاً ويخوض الحياة ويجابه تحدياتها بمفرده وبقوته الذاتية فقط. وبعضهم يوكل طرفاً لا يأتي من ورائه أي خير، وبعضهم يوكل طرفاً لا يأتي على يديه إلا كل خير، طبعاً الأخير هو أذكاهم، أما الأول والثاني فلا فرق بينهما في قلة الحصافة والذكاء. والعجيب في أمرهم أنهما رغم اضطرابهما المستمر ونتائجهما السلبية على طول الخط لا يغيران سياستهما، فلا المنفرد يتخذ وكيلاً ولا الثاني يستبدل وكيله الخاسر بوكيل ناجح، ولله في خلقه شؤون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إن اختبار الوكلاء الناجحين له أصول علمية ويقوم على تدريسه وتفهيمه للناس أساتذة متخصصون، لابد أن يلجأ الواحد منا إليهم إذا أراد فلاحاً أو نجاحاً، واسمحوا لي أن أعرض عليكم بعض أصول اختيار الوكيل الناجح التي وضعها هؤلاء المتخصصون عسى أن تكون فيها الإفادة.

قال هؤلاء السادة إنه يشترط في الوكيل الناجح أربعة شروط أساسية، وهي أن يكون في منتهى الإحاطة والقوة والفصاحة والشفقة، وعللوا هذه الشروط بالآتي فقالوا في منتهى الإحاطة: حتى لا تخفى عليه أية حيلة أو يخدعه أي تلبيس، وفي منتهى القوة: حتى لا يخاف أحداً أو شيئاً فيجهر بما يراه حقاً فكم من وكيل منعه الجبن من قول الحق رغم ما عرف وانكشف له من الحيل والتلبس، أما اشتراطهم منتهى الفصاحة فلكي يكون عنده القدرة على توضيح الأمور بمنتهى الدقة والوضوح لمن يحكم في القضية لأن عدم القدرة على البيان والتفصيل منقصة قد تضيع الحق من صاحبه، وأما اشتراطهم منتهى الشفقة فلكي تدفعه هذه الشفقة إلى عدم ادخار أي جهد ممكن في نصرة موكله والإتيان بحقه له لأن الوكيل الذي لا يكترث بموكله ولا يبذل قصارى جهده لنصرته حتى وإن كان في منتهى الإحاطة والقوة والفصاحة وكيل لا ينفع ولا يرجى منه الخير. ما رأيكم في هذه الشروط الأربعة؟

أنا شخصياً أراها حكيمة وسديدة وموافقة للفطرة وشديدة العقلانية، لكن مشكلة هذه المواصفات والشروط أنها من الصعب أن تتوافر كلها، وبمنتهى الكمال المرجو في شخص واحد بعينه أو حتى في أي الناس بل إن هذا مستحيل، أتدرون لم؟ لأن منتهى الإحاطة ترتجى عند الله وحده إذ قال تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علماً" (الطلاق12) تأملوا يرحمكم الله منتهى الإحاطة في قوله تعالى: "وإن الله قد أحاط بكل شىء علماً، وكذلك منتهى القوة يستحيل أن تكون لأحد غير الله وحده قال تعالى: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وان الله شديد العقاب" (البقرة 165).

تأملوا يرحمكم الله أن القوة لله جميعاً، وكذلك منتهى القدرة على التفصيل وإعطاء كل ذي حق حقه ليست إلا لله وحده قال تعالى: "قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين" (الأنعام 75)، تأملوا يرحمكم الله وهو خير الفاصلين، وأخيراً وليس آخراً منتهى الشفقة؟ إن منتهى الشفقة لا ينازع أحداً الله فيها، فهو سبحانه الذي قال عن نفسه جل جلاله وتقدست أسماؤه: " ورحمتي وسعت كل شىء". (الأعراف 156). وهو سبحانه الذي كتب على نفسه منتهى الرحمة فقال تعالى: "كتب ربكم على نفسه الرحمة". (الأنعام54).

وما ألزمه بها وما يجرؤ على ذلك أحد ولا يستطيع إنها منتهى الرحمة هذه هي التي شهدت له بها الملائكة كما في قوله تعالى: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم"، (غافر7)؟ إن الله تعالى وحده هو نعم الوكيل نعم من يعتمد عليه ونعم من يوثق فيه ونعم من يسلم ويفوض له الأمر- أي أمر- ونعم من يكتفي به في أي أمر وكل أمر، والمسلم الذي يخونه ذكاؤه أو يستدرجه تهوره وما يعتري إيمانه من ضعف فيعتمد على ذاته الضعيفة أو على ذوات غيره من الناس في حل قضاياه وتحقق أمانيه مسلم يفوت على نفسه كل خير ويضيق على نفسه واسعاً و لا يضر إلا نفسه لأنه لا يزداد إلا عجزاً فوق عجزه قال تعالى: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين". (الأعراف194)، وقديماً قال لبيد الشاعر: ألا كل ما خلا الله باطل، وصدق لبيد فيما قال.

ولأن التوكل مقام قلبي في الأصل دعونا نتحدث عن بعض أمارات صدقه، حتى يلاحظها كل واحد منا ويحكم بها على نفسه وعلى صدق توكله على الله تعالى:

إن أول أمارة من أمارات صدق التوكل هي الرضا، إن الذي يدعو بصدق ويقول يا رب يا رب! عليه أن يسلم بالنتائج التي يقدرها الله له، وعليه أن يرضى بها، لأنه لو لم يفعل ذلك سخط سيكون قد عبر عن شكه في الله الذي وكله، وشك في منتهى إحاطته وقوته، وشفقته وهذا الشك يلغي ادعاء التوكل من أساسه، والذي يفعل ذلك يتعب، أول من يتعب نفسه، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الله الهم في الشك والسخط".

ثاني هذه الأمارات: الطمأنينة، إن الذي يدعي التوكل وهو يشعر بينه وبين نفسه باضطراب مستمر، وتوتر مستمر، عليه أن يفسر لنفسه سر اضطرابه وتوتره هذين المستمرين، فالمفروض لمن يوكل الله القوي أن يكون مطمئناً في جنابه، واثقاً في قدرته وحوله، قال تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، (الرعد 28)، والذكر هنا ليس معناه فقط، قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حوله ولا قوة إلا بالله، وإنما معناه كذلك تذكر الله، فالمفروض أن تطمئن قلوب الذين آمنوا بذكر الله وتذكر أسمائه وصفاته وقدرته، وإلا فماذا يفعل الإيمان لصاحبه؟!

ثالث هذه الأمارات حسن الظن بالله، إن الذي تكون عنده نعمة ثم تسلب منه عليه أن يتعامل مع الموضوع بالشكل الآتي – إذا كان صادقاً في توكله على الله تعالى، عليه أن يقول بينه وبين نفسه، أكيد أن الخير كان لي في وجودها حتى الآن، وأكيد أن الخير لي في عدمها وسلبها مني، فأنا أثق في تصريف الله تعالى لي ولأموري، على أخير وأفضل ما تكون التصاريف، لأنه سبحانه وتعالى نعم الوكيل، رضي الله عن سيدنا عمر بن الخطاب الذي كان يقول: لا أبالي أصبحت غنياً أو فقيراً فإني لا أدري أيهما خير لي، فالغنى ليس بالضرورة خير لصاحبه، والفقر كذلك، إنما الخير كل الخير في الرضا والطمأنينة وحسن الظن بالله فيما صرف ودبر وقدر، فهو سبحانه نعم الوكيل. قال تعالى: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم" (أل عمران 173،174). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أ‌.        عمرو خالد: مجلة المرأة بتاريخ 2 نوفمبر 2004