كلامك جميل ومقنع ولا غبار عليه.. هكذا قال محدثي بعد أن قرأ مقالتي في الأسـبوع الماضـي .. وأردف متسائلاً: ولكن كيف نتحـاور مع أبنائنا؟ الكثير منا قد ينجح في توفير سبل الحياة الكريمة لأولاده ولكنه عندما يأتي لموضوع الحـوار فإنه يفشل فشلاً ذريعـاً للأسـف، لا يدري ماذا يقول، عن ماذا يتكلم كيف يبدأ وأين ينتهـي، وهل الأوامر والتوجيهات والنصائح التي يوجهها الأب أو توجهها الأم لأبنائهم هو المقصود بالحوار.


محتويات المقالة

     

    إن الإجابة على السؤال الذي طرحه صديقي: كيف نتحاور مع أبنائنا؟ تحتاج إلى دورة وورشة عمل لاكتساب هذه المهـارة عملياً حتى نستطيع أن نتحاور مع أبنائنـا وحتى نستطيع أيضـاً أن نوصل أبنائنا إلى مستوى من الوعي والفهم والإدراك حتى يتحاورا معنا حواراً مفتوحاً آمنـا بكل صراحة وبكل أريحية، لا يعتري هذا الحوار خوف من غضب الأب أو مخالفته في الـرأي، وهذا هو المكسب الحقيقـي لك أنت أيها الأب لأنك استطعت بهذه المهارة أن تصل إلى ابنك وأن يصل ابنك إليـك، وهذا التواصل لا يكون إلا بلغة مشتركة ليست لغتك وليست لغته هو وإنما اللغة المشتركة، وعندما نتكلم عن اللغة المشتركة في الحوار فإننا يجب أن نفهـم بأن هناك الفاظ قد تحمل على أكثر من معنى أو تفسر بمعاني أخـرى غير التي تقصدها أنت في حوارك مع أبنائك، ومن هنا يبدأ الخلاف مع الأبنـاء خاصة المراهقين منهـم.

     

    إن الحوار الهادىء هو صمام أمان لكل أسـرة، وعندما يغيب هذا الحوار في الأسرة فإنه ينتقل من البيت إلى الخارج، فمن يا ترى سيتحاور مع ابني في الخـارج، إن اسلوب فرض الرأي وعدم السماح لاختلاف وجهات النظـر تخرج لنا أبناء يهزون رؤسهم ويطعيون دون أي مناقشة، فكأننا نربيهم تربية نجعلهم مع الفئات الهشة في المجتمع وهى الفئات التي تستجيب لكل داع، فهو لم يتعود على أن يسأل لماذا؟ وليس من حقه أن يطرح هذا السؤال من الأساس حتى لو طلب منه شيء مباشرة، فدائماً ما يسمع في البيت هذه العبارات (نفذ وخلاص، اسمع وخلاص، مش من حقك تسأل ليش..الخ) كل هذه العبارات إنما تخرج لنا جندياً مطيعاً في المجتمع ليس له رأي ولا يحترم نفسـه ولا يثق برأيـه، فهل هذا هو الحوار الذي نرجوه في بيوتنا، أرجو أن لا يكون كذلك لإننا نريد أن نبني بناءاً قوياً سليماً صلباً منيعاً للأفكار الدخيلة، ذا رأي مستقل بعيداً على التقليد السلبي، رقماً صعباً في المجتمع، إن الحوار هى النافذة التي نطل من خلالها على الواقع الحقيقي لأبنائنا فنخطىء خطأ كبيراً عندما نغلق نحن هذه النافذة، إن الحوار يعني الثقة المتبادلة بين الطرفين وهذا واضح في تربية النبي – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه والشاهد كما ذكرناه في الأسبوع الماضي، ذلك الشاب الذي أيقن تماما أن باب الحوار مفتوح مع المربي الأول – صلى الله عليه وسلم – مهما كان السؤال ومهما كان الطرح، فجـاء وتجـرأ بكل ثقة وطرح هذا السؤال الغريب في ذلك الجمع الطيب المبـارك حيث قال (إئذن لي بالزنـا!!) وكثير من هذه الأسئلة التي كان الدافع فيها هو اتساع صدر الآخر وهو النبي – صلى الله عليه وسلم.

     

    دعونا نوجز بعض المهارات التي تعين الآباء لحوار مثمر نتعرف من خلاله على أبنائنا ونبني جسور المحبة والثقة:

    -          حدد هدفك وغايتك من الحـوار، هل هو لتوصيل مفهوم أم لتصحيح فكــرة... الخ.

    -    معرفة المرحلة العمرية وخصائصها التي يمر بها الابن.. لإن لكل مرحلة عمرية لغة تناسبها، فمهما كان الكلام جميل إذا لم يكن يتناسب مع السن فلن يترك أثر، كالأب الذي يأتي لابنه بثوب جميل ومن أغلى أنواع القماش ولكـن مقاسه لا يتناسب مع حجم ابنه.. فلن يستفيد منـه، وكذلك الكلمـة.

    -          اختيار الوقت والمكان والظرف المناسب للحوار.

    -    أحسن الاستماع ولا تقاطع.. أشعر الابن بأن كلامه مهم عندك لتكون النتيجة أن تصبح أنت مهماً عنده، فيسمح لك بدخول عقله ومشاعره، وهذه السياسة أرجو من الآباء التأني في تطبيقها، لأن كثير من الآباء لا تسع صدورهم لأراء الأبناء ظناً منهم أن هذه الآراء ناقصة وليست حكيمة وتنقصها التجربة وأن رأيي هو الكامل بالأدلة والخبرات الحياتية المتراكمــة، فعليّ أن أتكلم وعليه أن يسمع حتى انقل إليه خبرات حياتي الصحيحة، وبالتالي سيستفيد ابني من الاستماع أكثر من أنني لو أتحت له المجال ليتكلم، فهو ما زال حدثاً صغيراً فلا يملك هذه الخبرات والمعلومـات، لعل هذا حديث النفس لكثير من الآبـاء تجـاه الأبنـاء، وأقول للأب إذا أنت لم تمنحه هذه الفرصة لكي تستمع إليه وتتعرف على ميوله وخواطره فمن يا ترى سيتسع صدره لابنك، والأعذار المكررة دائماً هى أنه لا يوجد وقت كاف حتى نستمع إليهـم، نعم فلدينا وقت لنشرات الأخبار وحديث المجالس والزيارات والرحلات ولكن لا يوجد لدينا وقت لأبنـائنا!!

     

    وأذكر هنا بعض فوائد حسن الاستماع للأبنـاء:

    ·        إخراج ما لدى الابن من معلومات خاطئة أو مواقف تعرض لها وتحتاج إلى توجيه..

    ·        حسن استماعك له تدريب له على حسن استماعه لك وللآخرين..

    ·        الخجل والتلعثم وسرعة الكلام والخوف كلها نتاج عدم استماعنا الجيد لأبنائنا..

    ·        تعليم الابن على الصبر والذي هو مفتاح النجاح لكل عمل.

    ·        تعليم على قيادة الذات وعدم تضخيم الانا وإحترام الآخرين وأرائهم مهما كانت مخالفه..

    ·   تعليم على التواضع والتبسط مع الناس، فعندما لا يستمع الشخص ويبدأ في المقاطعة فكأنه يقول لمحدثه (أنا أفضل منك بأفكاري)..

    ·        تعزيز الثقة في الابناء وتأكيد الذات وتنمية الاستقلالية وتشجيع على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم..

    ·        اظهار ما يعانيه الابناء من قلق أو صراعات نفسية أو إحباطات فتكون فرصة لعلاج وتقويم هذه السلوكيات..

    ·        تعليم على الشجاعة والإقدام..

    -    ادع ابنك بأحب الاسماء أو الالقاب إلى قلبه، وهكذا كان هديه – صلى الله عليه وسلم – عندما كان يلقب الصغير فكان يقول له: يا أبا عمير ما فعل النغـير، وعندما جيىء إليه بطفله صغيره محمولة، البسها الثوب وكناهـا بأم مريـم، ويعلمنا – صلى الله عليه وسلم – بأن كنوا أبنائكم قبل أن تلحق بهم الكنـى ..

    -          لا تخجل أن تقول (لا أعلم) في المسائل التي لا تعلمها..

    -    يمكن أن تبدأ حديثك بقصة أو معلومة غريبة أو مثل أو حكمة.. كن مسلياً في حوارك مع ابنك، فالتسلية في بداية الحوار كمن يجهز العسل لضيوفه ليقبلوا على ضيافته بكل رحابة صدر..

    -          التفرغ عند الحوار مع الابناء وعدم الانشغال أو اشعارهم بأنك تمتن عليهم بوقتك..


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.