كثيراً ما نسمع هذه العبارة (الكل مسئول عن التربية).. إن من يقول هذه العبارة ويجعلها شعاراً له تشعره دائماً بأريحية نفسية وترفع عنه المسئولية والملامة عن الذات التي تتأزم أحيانا بسبب تقصيره مع واجباته..

 

ونحن كما نعرف أن الرسائل التي تكون عامة لا أثر لهـا، كما نسمع دائماً: على المسلمين أن يتحدوا.. وعلى المسلمين أن يفعلوا.. الخ، يا ترى هل لمثل الكلمة أثراً واقعياً حقيقياً ملموساً في حياتنا اليومية؟ الإجابة لا، لو سألت الأسرة: من المسئول عن تربية أبنائكم سيوجهون السهام إلى المدرسة، ولو طرحنا نفس السؤال على المدرسة لرأينا أن السهام تعود إلى الأسرة مباشرة وأنها هي المسؤولة، ولو جعلنا الأسرة والمدرسة في دائرة واحده وطرحنا وكررنا عليهم نفس السؤال، لقالوا: المجتمع والدولة والإعلام هم المسؤولون عن التربيـة، وهنا مباشرة تأتي البدائل الجميلة والمحببة للأطفال وتسـد مكان البيت والمدرسة والمجتمع ألا وهى الأب والمربي الثاني وهى وسائل الإعلام بشكل عام والتلفزيون بشكل خاص، ويبدأ بمشروعه التربوي ويشكل لنا عقول مهجنه غريبة عن جسد هذه الأمة ونحن ما زلنا نعيش في الدائرة الأولى (من المسؤول عن التربية ؟!)، فتبدأ مأساة هذا الطفل من خلال ما يشاهده من تناقضات، حيث الأسرة في دائرة والمدرسة في دائرة وما يعرض في وسائل الإعلام في دائرة أخرى، فيعيش هذا الابن طارحاً هذا السؤال على نفسه: من أنا؟ ومن أقلد؟ ومن المسئول المباشر عنـي؟ هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الشارع؟ أم التلفزيون؟ أم الخادمة والمربية؟ أم من..؟ ومن الناحية التربوية أن الابن خاصة في سنوات عمره الأولى عندما يجد قانوناً واضحاً يسير عليه في البيت يفهم من خلاله ما الذي له وما الذي عليـه فإنه يستقر نفسياً ويهدأ، وقد ثبت هذا من خلال تجربة على طلاب المرحلة الابتدائية في الولايات المتحده الأمريكية، حيث أدخلوا مدرسة على مجموعة من الطلاب وأخبروها بأن تدع الطلاب يفعلوا ما يحلوا لهم من إزعاج وفوضى وحركه دون أن توجه لهم كلمـة بل تمضي في الشرح إلى أن تنتهي الحصـة، ثم تم إدخال مدرسة أخرى على نفس الطلاب وأوصوها بأن تقوم بوضع قانون يلتزم به الطلاب في الصف مما يحد من إزعاجهم وحركتهم، ومضت في شرح الدرس إلى أن انتهت الحصة، ثم بعد ذلك طرح السؤال على الطلاب أنفسهم وهو: أيهما تحبون؟ المدرسة الأولى أم الثانية؟ فكانت الإجابة الغير متوقعة أنهم يحبون المدرسة الثانية التي وضعت لهم قانون وألزمتهم به، وهذا هو شأن الأسرة كما هو واضح في هذه التجربـة.

 

 إن التاريخ القديم والحديث شاهد قوي على أن الأمم العظيمة أولت اهتماماً كبـيراً لموضوع بناء الإنسان.. وذلك لمواجهة التحديات والصعوبات، وصناعة مكان لائق بها بين الأمم، وجعلت لنفسها خطوط حمراء تقف عندها وتحترمها ولا تساوم عليها، ونحن  في غفلة عن الوعي أو التعمد في أحيان كثيرة أهملنا هذا الجانب وانبهرنا بما لدى الآخـر من ثقافة تناسبه هو ولا تناسبنا، فتركنا فلذات أكبادنا ينظرون إليهم من خلالنا ويعجبون بهم إلى أن يصل الحال إلى التقليـد بل إلى الذوبان، والأدهى من ذلك أن الابن يقوم بالعمل ثم ينظـر إلى وجه والديه ويستخلص منهـم الموافقة أو الرفض فإذا سكتوا فذاك مؤشر ودليل أن امضـي يا بني فإن الأمر طبيعي جداً وأن هذا التقليد هو مؤشر طبيعي لتطور الزمان والمكان الذي نعيش فيـه، فيعيش هذا الابن على ثقافة الغير وبأهداف وأذواق الغير وينسى الأب المسكين أن هذه الثقافة يكون هو أول ضحاياها الذين سيدفعون الثمـن وذلك عندما يكبر هذا الابن وهو مسخ لا يعرف له انتماء أو ولاء.

وهنا تتميز الأمة بتميز الأسرة وتقوى بقوتها، ولو رجعنا إلى المنهل التربوي عند نبينا عليه الصلاة والسلام لوجدنا أن القضية محسومة حيث يقول في الحديث الصحيح: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في مال الزوج ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله سائل كل راع عما استرعـاه، أحفظ أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته"، نستشف من هذين الحديثين أن الجميع مسئول عن التربية بشرط أن يفهم كل واحد منا مسئوليته ودوره تحديداً كما جاء في الحديث الشريف، فلم يترك المسألة عائمة بقوله – صلى الله عليه وسلم (كلكم راع) وإنما خصص وبين أنك أنت أيها الأب وأنت أيتها الأم مسؤلان عن التربيـة، إن الأسرة مهما كانت فقيرة وغير متعلمـة، فإنها تظل أكثر المؤسسات حرصاً على مصلحة الطفل وحسن إعداده، إن الأسرة هى الحصن الحصين لحسن إعداد الطفـل وعمل تحصين فكري له من الملوثات الفكرية ومسئوله عن تعبئة عقله بالقناعات والثوابت ومسئوله عن إشباعه بأنه هو المميز بدينه عن غيره ومسئوله بأن تربطه بخالقه، ومسئوله عن حبه وولائه لوطنه وأمته، كل هذه الواجبات أنا المسئول عنها وأنا من سيقوم بتنفيذها، أظن أن القضية قد اتضحت وأصبحت أتكلم عن نفسـي وأنني أنا المسئول وقللت من تحميل هذه المسئولية على الآخرين فلقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالوالد وبالولد، في قوله (ووالد وما ولد، لقد خلقنا الإنسان في كبد).. والكبد هى المشقة والنصب ومكابدة المصائب والصعوبات، وهذا مؤشر على أن التربية هى أمر عظيم وواجب الأب وواجب الأم فيها عظيم ولذلك أقسم الباري بهما، وبالمقابل فإن الأمر لا يخلو من المشقة والتعب، وبسبب هذه المشقة يتولد الدافع لدى كثير من الناس لترك هذه المسئولية طلباً للراحة والهدوء والسفر والقاء هذه التبعات وهذه الأعباء على الآخر كائناً من كان.

   ينصب اهتمام وتركيز بعض الأسر على تعليم أبنائهم في أغلى وأرقى المدارس والجامعات وهذا أمر محمود ولا بأس فيه ولكن ما يخشى عليه هو أن يكون على حساب جوانب أساسية في حياة الإنسان بل في ما بعد حياته، لأن جوانب التربية كثيرة ومتشعبة منها: العقدية، العبادية، الاخلاقية، الفكرية، الصحية، النفسيـة، الجنسية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الجماليـة، البيئية.. الخ، لو نظر إليها منصف لوجدها أنها لا تعلم إلا في البيـت وأن الأسرة هى من ينشىء الابن على هذه الثقافة المتكاملة التي تجعله يسير في الحياة وتصنع منه رقماً صعباً مميزاً يحتاجه الوطن.