إن تعليم الأطفال رسالة هامة ولكنها ليست سهلة، والطفل يحتاج أن تقدم له المعلومات بالطريقة التي تناسب قدرته على الإدراك، ويجب ألا تكون المعلومات معقدة حتى لا يصعب على الطفل فهمها. كما يجب أن تكون المعلومات متوافقة مع مبادئ الدين وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه الطفل؛ حتى لا تؤدي إلى اضطراب في مفاهيم الطفل في مرحلة سنية مبكرة.

 

وقدرة الطفل على التمييز محدودة خاصة في المراحل المبكرة من العمر، ولهذا يحتاج الطفل إلى كثير من التوجيه حتى يتم غرس القيم والمبادئ في نفسه؛ فإذا تلقى الطفل معلومات غير واضحة أو تحتمل التأويل لأكثر من معنى فإن هذا قد يؤدي إلى اضطراب مفاهيم الطفل؛ وهو ما يؤثر على قدرته على الاختيار واتخاذ القرار. وأبسط مثل يمكن أن نذكره هنا هو جهاز الكمبيوتر؛ إذا تمت تغذيته بمعلومات خاطئة أو متناقضة، فإن هذا سيؤدي إلى نتائج غير مفهومه أو خاطئة.

أما بالنسبة لقضية تعليم الأطفال الثقافة الجنسية، فهذه المسألة قد يكون من الصعب تحقيقها بشكل صحي دون أن يؤدي إلى نتائج عكسية أو أضرار بعيدة المدى. فإذا كان منهج تعليم الثقافة الجنسية قاصرا على التركيب التشريحي للأجهزة التناسلية للذكر والأنثى إلى جانب شرح وظيفة هذا الجهاز فربما يمكن وصف هذا بأنه مسألة تعليمية لا تهدف إلى توجيه الطفل إلى مفهوم أو سلوك محدد، ولكن إذا اشتمل منهج أو برنامج الثقافة الجنسية على تفاصيل العلاقة بين الشاب والفتاة أو يتطرق إلى العلاقات المثلية، فإن هذا قد يؤدي إلى توجيه الطفل إلى مفهوم أو سلوك ما؛ وهو ما قد يؤدي إلى أضرار جسيمة بعيدة المدى، وقد يصعب معالجة هذه الأضرار.

ومما وضع كمبرر لبرنامج تعليم الأطفال الثقافة الجنسية أن هذا سيساعد على تقليل معدل حمل المراهقات، وخفض معدلات الإصابة بالأمراض الجنسية المعدية كالإيدز، إلى جانب تقليل معدل حدوث الاعتداءات الجنسية على الأطفال.

والحقيقة أنه حتى الآن لا توجد دراسة أو بحث يثبت أن برامج الثقافة الجنسية للأطفال قد نجحت في تحقيق ذلك، كما أن معدلات حمل المراهقات المتزايدة لا ترجع أساسا إلى الجهل بالثقافة الجنسية بقدر ما ترجع إلى التخلي عن القيم الدينية والأخلاقيات الإنسانية النبيلة، وقد ظهرت حديثا في المجتمعات الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية دعوات من فتيات تتبنى المناداة بالمحافظة على العفة حتى يتم الزواج، وهذا يدل على أن ازدياد معدل الحمل بين المراهقات مرجعه إلى التفريط وليس إلى الجهل.

 أما الوقاية من الإصابة بالأمراض الجنسية المعدية وعلى رأسها الإيدز، فإن أهم طرق الوقاية هو العفة والالتزام الأخلاقي، وتجنب العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وبالطبع تجنب العلاقات المثلية الشاذة. أما مشكلة الاعتداءات الجنسية على الأطفال والتي تشكل ظاهرة خطيرة، فترجع أساسا إلى وجود الأطفال تحت رعاية أشخاص غير أهل للمسئولية، ولا يتحلون بالقيم، وغالبا ما يكونون من مدمني الخمر أو العقاقير المخدرة أو من يعانون من سلوكيات شاذة.

ومن المعروف أن قدرة الأطفال على التمييز بين الصواب والخطأ قدرة محدودة نسبيا ويكتسبها الطفل من خلال التربية والتعلم في داخل نطاق الأسرة والمجتمع بما فيه من مؤثرات ومؤسسات تعليمية وإعلاميه، بالإضافة إلى تأثير الزملاء والأصدقاء والإنترنت، ولهذا من المهم جدا أن نتحرى الدقة في نوعية المعلومات وطريقة توصيلها للأطفال.

والطفل عموما لديه ميل قوي للفضول والاستطلاع، ورغبة في تقليد الأشخاص الذين يتأثر بهم، وحب الاستطلاع والرغبة في التقليد قد يتغلبا على قدرة الطفل على التمييز بين الصواب والخطأ، ولهذا يجب أن يهتم المشرفون على تعليم الأطفال بهذا الجانب؛ فإذا وجد الطفل نفسه معرضا لخبرة تثقيفية تتحدث عن علاقات تعد في مستواها أكبر من قدرته على الإدراك فربما تتغلب رغبته في التقليد أو ميله نحو الاستكشاف والفضول إلى أن يجرب دون أن يفكر في عواقب هذا السلوك، وهنا مصدر الخطر.

أما عن رأى الدين فيقول د. عبد العظيم المطعني، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: أنا ضد الاتجاه أو الدعوة التي تنادي بتدريس "الجنس" للطلاب في مراحل التعليم المختلفة في إطار مادة مستقلة اسمها "التربية الجنسية"؛ لأن هذه الدعوة ستؤدي إلى تنبيه الأطفال مبكرا وتشوقهم لممارسة هذه الغريزة، وسيترتب على هذا الأمر بطبيعة الحال كوارث كثيرة.

وإذا كان البعض يبرر دعوته لتدريس مادة التربية الجنسية للطلاب بأنهم في حاجة لتوسيع مداركهم خاصة وهم يشاهدون القنوات الفضائية، ويعيشون في عصر الفضائيات المفتوحة والعولمة، فإن هذا الأمر مردود عليه بأن البشرية الآن قد بلغت عمرا طويلا بدايته غير معروفة، وما احتاجت إلى تخصيص مادة للتربية الجنسية. وأرى أن هذه الدعوة هي مخطط من مخططات العولمة التي بدأت في مؤتمر السكان بالقاهرة.

والقرآن الكريم في آياته لم يتعرض للجنس وإنما يخاطب الأزواج في مسألة الجماع، ولم يخاطب النشء أو الأطفال، ويخاطب الزوجات، أما أن ندرس المواد الجنسية للطلاب الصغار فهذا خطأ كبير؛ لأن فيه تدميرا أخلاقيا لهذا الجيل والأجيال القادمة.

ويقول الشيخ فوزي فاضل الزفزاف، رئيس لجنة حوار الأديان بالأزهر الشريف: قبل أن نتحدث عن ضرورة تدريس الجنس في المدارس فلا بد أن نحدد ما هو المقصود بالجنس أو مادة التربية الجنسية قبل أن نطالب بتدريسه في المدارس، ولا داعي لخلط الأوراق؛ فالقرآن الكريم أو الفقه الإسلامي لا يوجد فيه جنس إنما هي أحكام شرعية تتعلق بالحيض والنفاث والجماع في عبارات راقية مهذبة، كما قال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}، هل يعد "الرفث" هنا جنسا؟!.

إن الفقه الإسلامي عندما تعرض لهذه المسائل تعرض لها في حياء شديد، وتناولها بهدف تعريف الناس بالشروط الصحيحة التي تؤدي في النهاية إلى العبادة بطريقة صحيحة وسليمة.

ويرى د. محمد المسير، أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أن جميع المسائل الخاصة بتشريح الجسم حتى الأعضاء الجنسية موجودة في المناهج التعليمية، وعمليات التكاثر والإنجاب ومسائل الجماع والحيض موجودة أيضا في المناهج الدينية.

ويقول د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر: "أنا لست مع تخصيص مادة للتربية الجنسية، بل أنا مع النظام التعليمي الذي يسير عليه الأزهر الشريف في تدريسه للمسائل المتعلقة بالجنس من أحكام؛ كالتي يتناولها كتاب الطهارة وآداب المعاشرة الزوجية.. فكل هذه الأمور تناولها الفقه الإسلامي بأسلوب راق، كما تناولها القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أما إذا درست هذه المواد بالشكل الذي تدرس به المواد الأخرى، فسيكون لهذا الأمر آثار سلبية وتعبيرات استفزازية مثيرة قد تؤدي إلى نتائج غير مأمونة العواقب.

وفي الأزهر الشريف يدرس الطلاب من الابتدائية في مواد الفقه الإسلامي وبأسلوب راق ما هو الطاهر وما النجس والمحرم في آداب المعاشرة الزوجية والجائز، وبشكل يحترم حياء الفتى والفتاة.. لذلك فنحن لسنا في حاجة إلى تدريس مادة تسمى التربية الجنسية؛ لأن الأمر سيلفت أنظار الصغار إلى أمور نحن في غنى عنها.. وأقترح أن يدرس طلاب المدارس أبواب الفقه الإسلامي التي يدرسها طلاب الأزهر، والتي تتناول أحكام الطهارة والمعاشرة الزوجية والحيض والنفاث إلى غير ذلك؛ لأن هذا أفضل للجميع.

أما عن رأيي الخاص، الذي أدعو من الله أن يساعدك، فهو: علينا أن نفكر في الرزق الذي أرسله الله لنا، ولا نعتقد بأن السعي وراء الرزق هو معناه أن نسعى وراء المال والأملاك، ولكن الرزق الذي لا يعوض ويبقى حتى بعد الممات، وسيحاسبنا الله عليه أشد الحساب أو يكافئنا عليه بجنات النعيم هو الأبناء، فعلينا التفكير في كيفية استثمار هذا الرزق.

ولذلك فأنا ضد إرسال أبنائنا إلى حضور مثل هذه الدروس، ولعلى كتبت رأيي بعد أن تقرئي الآراء الأخرى حتى لا أطيل عليك وأعيد في الكلام. كما أنه لا يعقل أن أدرس لطفل في المرحلة الابتدائية ما يقوم بدراسته طالب الثانوية العامة أو على الأقل طالب المرحلة الإعدادية، ولماذا يضع المشرفون على التعليم ما يفرقون به بين المراحل التعليمية من المواد المدروسة، ويحرصون على تطبيقها بالطرق الصحيحة ويتركون هنا من لديه مبادئ أو ليس لديه أخلاقيات يقوم بتدريس هذه المادة، والكل يدرسها من وجهة نظره.

فلماذا يريدون التدريس لطفل المرحلة الابتدائية ما يصعب فهمه على طالب المرحلة الإعدادية، وهل يعتقدون أن هذا الطفل سيكون بالإدراك الكافي لكي يميز الصحيح من الخطأ؟ كيف؟!! ولكن طبيعة الطفل هي التقليد، وإذا شاهد شيئا فسوف يقلده إن لم يكن أمام الكبار فسيكون من خلف ظهورهم؛ حتى لا ينهره أحد.

ولا أعرف ماذا يدرس في الولايات المتحدة، وما هي المواد التي سيشاهدها الطفل، ولكن هنا في المملكة المتحدة تحدثت إليَّ صديقة في يوم وأخبرتني أنها ذهبت إلى مدرسة ابنتها لكي تشاهد الأفلام التي ستعرض على طلاب الصف الخامس الابتدائي، ولن أطيل في شرح الأفلام، ولكن أحدهم كان عن تعليم الأطفال كيفية ممارسة العادة السرية، والآخر عن العلاقة الزوجية والجماع بالكرتون بين الذكر والأنثى، وشريط آخر عن أنواع العائلات، ومنهم بالطبع العائلة من النوع المماثل؛ إما رجلين أو امرأتين والعياذ بالله (اللواط أو السحاق)، وأن من حق كل إنسان أن يختار ماذا يحب أن يكون بالمستقبل.

ونرى الآن أنهم يقومون بتعليم الطفل كيفية ممارسة العادة السرية، فكيف لنا أن نقول لأبنائنا بعد مشاهدة هذا الفيلم إن هذا خطأ، فلم نتعود أن تخطئ المدرسة في أي معلومة، وإنما مصدر المعلومات يأتي منها، فكيف لي أن أقول في هذه إنها ليست صحيحة، والآن جاء دور الطفل ليكتشف بنفسه هل المدرسة مخطئة أم ربما والداه يمنعانه من عمل شيء مثير، وهنا مكمن الخطر، فعلى الطفل أن يقوم بالتجربة بنفسه حتى يتأكد من منهم على صواب؛ الآباء أم المدرسة، وبالطبع هذا الجزء من الجسد يخص الطفل ولن يراه أحد إن قام بفعله في أي مكان مغلق عليه وتقع الكارثة.

أما عن العلاقة الزوجية وكيفية تنفيذها فإن لم يستطع الطفل أن يحصل له على شريك -طبعا لرفض الأبوين هذا- فعليه أن يحاول أن يرى بنفسه كيف تحدث ولا سبيل إلا إذا قام بالتصنت على أبويه، ولهذا نتذكر جيدا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نعلم أبناءنا الاستئذان على الوالدين قبل الدخول عليهما، وإلا تفتحت أذهان الطفل على هذا، فلماذا الاستئذان إذن؟ ففي الغرب وفى بعض الحالات من السهل أن يرى الطفل أبويه يقومان بعملية الجماع والعياذ بالله.

والآن من منا يريد أن يمر أبناؤه بهذه التجارب؟ وللأسف الشديد في كثير من الأحيان بعد عرض هذه الشرائط على الأطفال وشرحها لهم قام الأطفال ليختار كل منهم رفيقا له لكي يقيم معه علاقة، وقالت لي صديقة: إن ابنتها أخبرتها بأن صديقتها ذات العشر سنوات تقول لها إنني أتمنى أن أتزوج، ولكن أعرف أن والدتي سترفض لأنني ما زلت صغيرة، ولكن من الجيد أن لي صديقا وأخرج معه ونفعل كل شيء.

إذن، فعلينا أن نجنب أبناءنا كل هذا حتى وإن تحججت بأنها مريضة في هذا الأسبوع على أن لا تخبري المدرسة برأيك في هذا الموضوع قبل ذلك، وإن خفنا أن يتلقى الطفل المعلومات من أصدقائه فنحن نستطيع أن نكذبهم وأن نقول إنهم لم يفهموا الذي درِّس لهم، ولكن لن نستطيع أن نكذب عين الطفل إذا شاهد هذه الأشياء بنفسه. وأما إذا تفتحت أذهان ابنتك وأرادت أن تعرف وتسأل فأجيبي عليها بمنتهى الصراحة، ولا تحاولي أن تقللي من شأن الرد على السؤال أو أنها لن تفهمك؛ فلكل طفل قابليته على فهم المعلومة، وإذا سأل فمعناه أنه يدور بداخله أشياء كثيرة، ومن الممكن أن يكون قد سمعها من الخارج، وعند الرد عليه علينا أن نبرز الضرر الناتج عنه قبل كل شيء.

والأهم من ذلك، عليك البحث عن مدرَسة دينية، فإن لم تجدي إسلامية فهناك من المدارس المسيحية الملتزمة بالأخلاق فابحثي عنها، وتحدثي معهم واعرفي وجهة نظرهم؛ لأن هؤلاء الأشخاص إذا التزموا بتعاليم دينهم فسنجدهم قريبين منا إلى حد بعيد.

امنعي طفلتك من الذهاب إلى المدرسة في كل هذا الأسبوع، وتحججي بأي شيء؛ أنت مريضة أو ابنتك، ولكن لا تلفتي نظر الطفلة إلى هذا الشيء، وأنك تريدين أن تجنبيها أي درس؛ لأنها إن فهمت ذلك فسوف تبحث عن المعلومات بنفسها.

الأمر الآخر الذي يمكن أن يكون بعضنا قد غفل عنه ألا وهو وسائل الإعلام والإنترنت، فعلينا جميعا مراقبته مراقبة جيدة، والاستماع إلى البرامج الغربية والإنصات إلى كل ما يدور فيها، حتى وإن كانت برامج الأطفال، فعلى الرغم من أنهم يقدمون برامج شيقة ومواد غنية بالمعلومات المفيدة، فإنهم في الوسط يدسون آراءهم التي يمكن أن تكون مخالفة لمعتقداتنا أو تقاليدنا.

 

منقول

موقع الأسرة السعيدة