لا شكّ أنّ دور المرأة كزوجة وأُم دور مقدّس وهام في الحياة وتكوّن المجتمع الانساني، فإنّ «الله سبحانه وتعالى خلق النساء وجهّزهنّ بما يوجب أن يسكن إليهنّ الرجال، وجعل بينهم مودّة ورحمة، فاجتذبن الرجال بالجمال، والدّلال، والمودّة، والرّحمة، فالنساء هنّ الركن الأوّل والعامل الجوهري للإجتماع الإنساني».

 

1-     إعداد المرأة لتكون أماً وزوجة:

ولأهميّة هذا الدور وخطورته وعظمته كانت «الجنّة تحت أقدام الاُمّهات»، وذلك لحجم التضحيات التي تقدمها المرأة الاُم، ولأنّ الانسان ينشأ في حضنها ويتشرب بروحها. لذا فإنّ المرأة أُعِدّت تكوينياً لأداء هذا الدور الهام وجُهِّزت فسيولوجيا للقيام بهذه المسؤولية الخطيرة، ولحكمة إلهية تحفظ استمرار النوع البشري ووجوده المبارك على الأرض، فقد كانت فترة الحمل والاُمومة تمثِّل مرحلة من مراحل تكامل المرأة، كما يقول (كاريل): «يبدو أنّ النساء، من بين الثدييات، هنّ فقط اللاّئي يصلن إلى نموّهنّ الكامل بعد حمل أو إثنين.. كما إنّ النساء اللاّئي لم يلدن لسن متّزنات توازناً كاملاً كالوالدات، فضلاً عن أنّهنّ يصبحن أكثر عصبية فهنّ...

صفوة القول أنّ وجود الجنين الذي تختلف أنسجته اختلافاً كبيراً عن أنسجة الاُم بسبب صغرها، ولأ نّها جزيئاً من أنسجة زوجها تحدث أثراً كبيراً في المرأة... إنّ هذه الوظيفة ـ الحمل ـ لازمة لاكتمال نموّ المرأة... ومن ثمّ فمن سخف الرأي أن نجعل المرأة تتنكّر للاُمومة». ولا شكّ بأنّ هذه الوظيفة المقدّسة والأساسية تتطلّب أن تولى العناية والاهتمام في برامج إعداد المرأة وخطط التربية للبنات، إلاّ أ نّه يجب أن يعلم أيضاً أنّ «النساء شقائق الرجال» كما جاء في الحديث الشريف، والمرأة إنسان متكامل له دوره الاجتماعي العام وحياته الفردية الخاصّة به، بحسب ظروفه الشخصية والاجتماعية، فإنّ من الخطأ أن تركّز برامج التربية على أساس تهيئة المرأة لتكون زوجة واُمّاً دون الإلتفات بشكل أساس إلى إعداد المرأة لتكون «إنساناً» متكاملاً وسوياً ورشيداً لينهض بشؤونه الفردية ويقوم بتكاليفه الاجتماعية على أحسن وجه.

فإنّ مهام الزوجية والاُمومة ـ على رفعتهما وقدسيتهما وأهمّيتهما ـ تمثِّل جزءاً من حياة المرأة ودوراً من أدوارها الشامخة التي تؤدِّيها لا كل حياتها ولا جميع أدوارها. فالمرأة مرأة قبل أن تكون زوجة واُمّاً وبعد ما تكون زوجة واُمّاً. وقد تكون نساء كثيرات ولسبب أو آخر لم ولا يتزوجن وبالتالي لا يعني ذلك إلغاء دورهنّ العظيم في الحياة الانسانية ولا ينقص ذلك من قيمتهنّ ولا يعيق نهضتهنّ وحركتهنّ باتّجاه التسامي والعلو والرفعة في الحياة الدنيا وكذا الآخرة. كما إنّ كثيراً من الزوجات أيضاً لا يرزقن بأولاد ولا يعني ذلك أيضاً نقصاً في أنفسهنّ أو إعاقة لدورهنّ أو تأخراً في مسيرتهنّ، إذ لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها، وإذا كنّ قد حرمن من رزق معيّن فقد يجعل الله فيهنّ خـيراً كثيراً ويرزقهنّ أشياء اُخرى لا توفق لها نساء كثيرات ممّن رزقهنّ الله الولد.

على أنّ مرحلة الاُمومة هي فترة مؤقتة من حياة المرأة الاُم قد تمتد من ولادة الطفل حتى بلوغه ورشده وهي لا تعني العمر كلّه. ولماذا نركِّز على المرأة كزوجة واُم ولا نركِّز على تربية الذكور كأزواج وآباء؟ ولا بدّ هنا أن نؤكِّد أنّ إعداد الأولاد ذكوراً وإناثاً لكي يكونوا أزواجاً موفقين وآباءً صالحين مسألة، وهي ضرورية ومفيدة، ومسألة التركيز والحصر الذي نوليه لدور المرأة في الزوجية والاُمومة مسألة اُخرى. لأنّ هذا التوجه قد يخلق عند المرأة عقدة نفسية في حالة عدم زواجها أو عدم قدرتها على الإنجاب فيولد عندها الشعور بالنقص والحقارة يوهمها بالتخلّف عن ركب النساء ويؤدي إلى شقائها وتحجيم دورها في المجتمع، وبذلك يخسر المجتمع طاقات مفيدة. وعلى العكس من ذلك نجد في التاريخ أمثلة كثيرة لنساء لم يتزوجن أو لم يلدن وقدّمن خدمات جليلة وقمن بأدوار عظيمة لأ نّهنّ شعرن بقيمتهنّ الانسانية واستفدن من طاقاتهنّ الاُخرى المتنوعة والمتعددة.

والإشكال الثاني الذي يواجهه هذا النوع من الاعداد الاُنثوي ـ الخاص ـ هو أنّ المرأة يتطلب منها ـ خصوصاً في الحياة المعاصرة ـ مواجهة المشاكل المختلفة وخوض تجارب الحياة في الدراسة والعمل... وحتى الزواج وتكوين الاُسرة وتربية الأبناء، يتطلب منها كل ذلك شجاعة وشهامة وعلماً وخبرة حياتية، تتغلب بها على مشاكل الحياة وتواجه بها العقبات وحتى المزاحمات ، بموقف شجاع وردّ فعل جريء، دون أي شعور بالضعف والانسحابية والانطوائية التي ربيت عليها النساء في السابق، واللاّتي ربين ليبقين في البيوت بعيداً عن أيّة مواجهة أو احتكاك مع المجتمع. وحتى المرأة الزوجة والاُم تحتاج إلى أن تبني شخصيتها باستقلالية وكفاءة تمكّنها من إدارة بيتها والتعامل مع زوجها بنجاح وتربية أبنائها وإعدادهم للمجتمع بسداد ورشاد. فهل الزوجة المدبّرة أفضل أم المهملة؟ وهل الاُم المتعلمة أفضل أم الجاهلة؟ وهل الزوجة والاُم المحترمة والقديرة في شخصيتها تؤازر الرجل وتربي أبناءها بشكل أحسن أفضل أم المرأة الضعيفة الخاوية؟

إن خبرات الزوجة وثقافتها لها الأثر الكبير في نجاح إدارتها للاُسرة وتربية أبنائها، كما إنّ الاُم تعتبر النموذج الأوّل المؤثر في حياة الأطفال، وكثيراً ما يعود رشد الأطفال وتقدّمهم في الحياة إلى رشد الاُم وشخصيتها المتينة، كإنسانة رشيدة وعاقلة. لذا كان من الضروري بمكان أن تتوجه برامج التربية والتعليم والخطط الإرشادية والتنموية للمرأة إلى إعدادها كإنسان بنّاء وخلاّق وكفوء وفاعل في المجتمع... انسان سوي ورشيد كسائر أفراد المجتمع ليتّخذ القرار الصائب ويختط طريقه السليم في الحياة، فإنّ المرأة، كما الرجل، كل مسؤول عن حياته في يومه وغده، في دنياه وآخرته، ولا يعذر الله تعالى ولا القانون المرأة في أن يتخذ الغير لها قرار حياتها، أو يوجهها دون إرادتها واختيارها، بل «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته». ويبقى إعداد المرأة لأن تكون زوجة أو اُمّاً، ربّما تتعلّمه المرأة بشكل طبيعي حين تكون متعلمة، كسائر دروس الحياة، وتختص به يوم تريد أن تكون زوجة، وكذلك الاُمومة التي تحس بها وتتلمسها بفطرتها وغريزتها التي أعدّها الله بها، كما تتعلمها هي من المحيط الذي حولها وتعدّ لها الاعداد الخاص يوم فعلاً تريد أن تكون اُمّاً.

 

2-      إعداد المرأة على أساس الفوارق الجسمية والنفسية:

والموضوع الآخر هو مسألة الفروق الفسيولوجية والسيكولوجية في أصل الخلق والتكوين بين الرجل والمرأة وتأثيرهما على برامج التربية. ولا شك بأ نّه لا يوجد في العالم مَن ينكر وجود هذه الفوارق، واختلاف التكوين الجسدي والنفسي للمرأة عن الرجل، فالتكوين النفسي والجسدي للمرأة يتطلّب رعاية وتربية خاصّة لتبلغ نضجها ورشدها كامرأة، كما إنّ الذّكر يتطلّب رعاية وتربية خاصّة لنموِّه ورشده. إذ «إنّ الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ انّها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك.. إنّها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها ومن تلقيح الجسم كلّه بمواد كيميائية محدّدة يفرزها المبيض. ولقد أدّى الجهل بهه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأ نّه يجب أن يتلقّى الجنسان تعليماً واحداً، وأن يمنحا قوى واحدة ومسؤوليات متشابهة.

والحقيقة أنّ المرأة تختلف اختلافاً كبيراً عن الرجل... فكلّ خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها.. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها. وفوق كل شيء، بالنسبة لجهازها العصبي. فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للِّين مثل قوانين العالم الكوكبي.. فليس في الإمكان إحلال الرغبات الانسانية محلّها. ومن ثمّ فنحن مضطرّون إلى قبولها كما هي. فعلى النساء أن ينمِّين أهليّتهنّ تبعاً لطبيعتهنّ دون أن يحاولن تقليد الذكور، فإنّ دورهنّ في تقدّم الحضارة أسمى من دور الرجال فيجب عليهنّ ألاّ يتخلّين عن وظائفهنّ المحدّدة».

ولا شكّ أيضاً بأنه «بالنسبة إلى الصبيّة اليانعة، فينبغي عدم حملها قط على الاسترجال، كما يميل البعض إلى القيام بذلك، بالرغم من كل النيّات الطيِّبة، بل إنّ تأنيثها، أي وضعها في إطارها الطبيعي. وينبغي أيضاً حملها على قبول جنسها ومستقبلها الجنسي. ونحن نعرف الأضرار الكبيرة التي يُسبِّبها الموقف المعاكس. ويجب على البنيّة أن تلبس كفتاة، وأن تلعب ألعاب الفتيات، وأن يلاحق تطوّر جسدها ببقظة ورعاية...». وفيها الاختلاف غنىً وبركة ورحمة، لأنّ الحياة لا تتقوم إلاّ بوجود كلا الجنسين: الذّكر والاُنثى، ولكل منهما في الحياة أدوار رائعة ومهمّات عظيمة، ولفرض وصول كل جنس إلى نضجه وكماله كان لا بدّ من توفير الظروف التي تراعي خصوصيات كل منهما وتساهم في نمو الخصائص النوعية لهما، الأنثوية في المرأة، والذكورية في الرجل.

ولكنّ الخلاف في المبالغة في آثار هذه الفوارق على أداء الرجل والمرأة... فمنهم مَن يجعله مطلقاً فينظر إلى المرأة أنّها دون الرجل عقلاً وعلماً ونفساً وجسداً، فلا يمكن أن تنهض بمهمامه، بل هي قاصرة تكويناً عن الكثير من المهام. لذا قاموا بتصنيف المسؤوليات والأعمال فجعلوا منها ما يختص بالرجال دون غيرهم ومنها ما هو مشترك واُخرى هي مهام المرأة وخلاصة رأيهم أنّ المرأة خلقت لتكون زوجة واُمّاً ومربية آفال ولشؤون المنزل بشكل عام. وحرّموا عليها كثيراً من المناصب الحكومية والسياسية، وبعضهم حرّم عليها المشاركة في الحياة السياسية ترشيحاً وانتخاباً فضلاً عن المسؤوليات العامّة ورئاسة الدولة. ويخلق هذا الاتّجاه مزاجاً نفسياً واجتماعياً مؤداه عزل المرأة عن الاُمور العامّة وحجبها عن النشاطات السياسية وإبعادها عن شؤون إدارة المجتمع...

في المقابل نجد آراءً اُخرى بأنّ الاختلاف الفسيولوجي بين الرجل والمرأة اختلاف ذات تأثير وظيفي تخصصي خاص بأدائها الاُنثوي، كما هو حال الرجل الذى اختصّ تكوينه لأداء دوره الذكوري، أمّا الوظائف الحياتية العامّة فإن للرجل والمرأة على السواء الأهلية اللاّزمة لأدائها... نعم، قد تكون قابلية الرجل لأداء بعض الأعمال أكثر من المرأة كما إنّ المرأة قادرة على أداء أعمال اُخرى بصورة أفضل، وهذا التفاوت في القابلية والقدرة لا يقتصر على وجوده بين الرجل والمرأة وإنّما هو أيضاً يلاحظ بين الرجل والآخر والمرأة والاُخرى، سواءً بالاستعداد الذاتي بعوامل تكوينية ووراثية أم بأسباب تربوية، ومن خلال التدريب والتأهيل البدني والمهني والعلمي.

لذا قد نجد امرأة أقوى من كثير من الرجال ، كما قد نجد رجلاً أكثر ذوقاً وفناً من بعض النساء، وإن كانت الغلبة في القوّة للرجل والغلبة في العاطفة والرقّة للنساء. وقد هيّات مناهج ووسائل التعليم والتأهيل الحـديثة الإمكانيات للمرأة لكي تنافس الرجل في كثـير من الحقول التي كانت حتى الأمس القريب مقتصرة على الرجال. نعم، مما لا شك فيه أن بعض الأعمال تناسب الرجال ولا تناسب النساء، بل قد كفّر بهنّ، كما إنّ هناك أعمالاً اُخرى تناسب النساء أكثر من غيرهنّ. لذا ينبغي التأكيد على أن تُعطى مسألة الفروق في التكوين حقّها ومساحتها في الإعداد والتربية دون الإفراط أو التفريط فيها، بحيث تُعزل المرأة من الحياة العامّة بحجّة تلك الفروق، أو تسترجل النساء وتفقد سحر أنوثتها بسبب عدم أخذها بالحسبان.

 

3-     إعداد المرأة على أساس ضعفها:

وتقوم طريقة التعامل مع المرأة عند البعض على أساس أنّ المرأة كيان ضعيف يحتاج إلى الحماية والرعاية دائماً وإلى الحصانة والصيانة باستمرار، ولذا فلا تُعطى المرأة مقوّمات الاستقلال في شخصيتها، بل تُربّى على أساس الضعف والنقص والحاجة إلى غيرها. وتستند طريقة التعامل هذه إلى خلفيات تاريخية وثقافية تجتمع كلّها على أنّ المرأة لا يمكن لها أن تنهض بأمرها لوحدها وهي قد خلقت بجسم نحيف وكيان ضعيف ونفس رقراقة شفافة تتأثر بسرعة بالمؤثرات الخارجية والعاطفية، ولذا كانت المرأة بحاجة دوماً إلى مَن يقف إلى جانبها أباً أو أخاً أو زوجاً أو أبناء...

ولعلّ نظرة الضعف والعطف إلى المرأة تتكامل مع اعتقاد الناس بأنّ عقل المرأة ناقص وأنّ علمها محدود وهي متّهمة دوماً بالتبذير وعدم التدبير. وربّما كان للتعاطف مع المرأة ما يبرره إذا نظرنا إلى تاريخ المرأة وما تعرّضت له من ظلم واضطهاد في مختلف المجتمعات، فكانت المرأة من غنائم الحرب الهامة التي تتسابق لاقتناصها الأيدي، كما كانت دائماً هدفاً للمجرمين والأعداء. ولم يكن الظلم يقتصر على الأعداء فهي مظلومة حتى في بيتها ومن قبل ذويها ومن ثمّ مجتمعها الذي يعتبرها هماً وعاراً ويجعلها مصدر الشؤم واُمّ المشاكل.

وكان من دوافع الجاهليين لوأد الاُنثى أنهم كانوا يعتقدون بأنّ موتها أفضل من حياتها، لأ نها لا تستطيع الدفاع عن نفسها، فإذا ما أسرها الأعداء لينتهكوا حرمتها، تكون عليهم عاراً وشناراً وسُبة يعيّرون بها. وليست الظروف اليوم بأفضل من أمس; فلا زالت المرأة تتعرّض لمختلف أنواع الظلم والاضطهاد في بقاع مختلفة من الأرض، شرقها وغربها، وتكفي للاستدلال على ذلك نظرة واحدة لتجارة الرقيق النسائي شرق آسيا وغرب أوربا، حيث تحوّلت المرأة إلى دمية تتناولها الأيدي الشهوانية المتدنية بأرخص وأبشع صورة... وفي الجانب الآخر من العالم ورغم كل قرارات حقوق الانسان ومؤتمرات الدفاع عن المرأة... لا زالت المرأة في الغرب ضحيّة للانسان الذي لا يعرف لنهمته وشهوته حدوداً ولا يحـسب للآخرة حساباً، وإحصائيات الاعتداء على النساء وحالات الاغتصاب واستعمال العنف معهنّ في تلك البلاد شاهد حي على أنّ المرأة لا زالت المظلوم والخاسر الأكبر في هذا العالم المادي بشقّيه الشرقي والغربي.

على أنّ كل هذا لا يؤكِّد حقيقة أنّ المرأة يجب أن تنشأ وتُعدّ وتُربّى على أساس ضعفها وبالتالي تكريس وهنها واستدامة استغلالها، بل ربّما تشير لنا هذه الوقائع المختلفة من واقع المرأة المظلوم إلى العكس تماماً، وذلك بأنّ يتم إعداد المرأة وتعليمها وتربيتها لغرض دفع الظلم عنها وتهيئتها لمواجهة الإعتداءات التي تتعرّض لها بحزم وقوّة، خصوصاً أنّ المرأة كثيراً ما تكون لوحدها، دون أن يقف دونها الرجال، فالمرأة في كثير من الأحيان تمارس دور ربّ الاُسرة لفقد الزوج أو لتخليه عن دوره، وتركه لاُسرته، أو عدم كفاءة الزوج لمرض أو إدمان للمخدّرات أو غيره، أو لعدم تواجده مع اُسرته لهجرة أو سفر أو سجن وغير ذلك من الظروف المختلفة.

كما أنّ واقع المرأة في العالم اليوم يشير إلى وجود نسبة كبيرة من النساء يعشن لوحدهنّ، أو مع نساء اُخريات، خصوصاً في المجتمعات الصناعية، أو في المراحل الدراسية ومؤسّسات العمل. من جانب آخر فإنّ الإحصائيات والدراسات تؤكد أنّ السبب الرئيسي وراء استغلال المرأة والاعتداء على حقوقها وتعرّضها للظلم والأذى هو الفقر والحاجة المادية، وهذا ما يدعوه إلى العمل على تأمين المرأة اقتصادياً بواسطة الدولة ومؤسّسات الضمان الاجتماعي وكذلك تأهيلها العمل لسدّ أبواب الاستغلال ومنافذ الظلم والعدوان. وكل ذلك يؤكِّد ضرورة إعداد المرأة كإنسان قوي وشجاع ومستقل وكفوء لإدارة حياته الخاصّة والعامّة.

لذا كان بناء مناهج إعداد المراة على أساس الاعتقاد بضعف المرأة ووهن بنيتها، قابلاً للنقد من جهة عدم عموم هذا الضعف ومحدودية آثاره على مستوى السلوك العام ـ لا الخاص للمرأة ـ ومن ثمّ إمكانية معالجة ها الضعف أو ذاك بمناهج ووسائل تربوية تقويمية، وقد نجحت في كثير من الحالات. أضف إلى ذلك أ نّه ربّما كان هناك ضعف حقيقي ولكن وجود تحديات كبيرة أمام المرأة فرضت عليها أو تتعرّض لها ـ دون رغبتها وإرادتها وخلافاً لطبيعتها ـ فإنّ هذه التحدّيات والظروف قد تتطلب إعداداً وتأهيلاً للمرأة يختلف عن السابق، فقد يتطلب هنا مثلاً تدريب المرأة رياضياً وتزويدها بفنون الدفاع عن النفس حتى تستطيع حماية نفسها، والدفاع عن ضعفها ضدّ الأقوياء الشرسين.

وليس هذا بدعاً، فقد كانت المرأة عبر التاريخ تدافع عن نفسها بوسائل مختلفة، لم تقتصر على سكب الدموع وكسب القلوب كما يتصوّر، بل حتى القتال بأمضى سلاح، ولعل وجوب الجهاد الدفاعي في الإسلام على المرأة يدلّنا على وجوب تعلّمها فنون الجهاد لتؤدي فريضته ، إذ أوجب عليها ذلك. بقيت في الموضوع عدّة مسائل:

المسألة الاُولى: أنّ المرأة تاريخياً ورغم الظلم الفردي والاجتماعي الذي تعرّضت له، لم يقتـصر دورها يوماً ما على الزوجية والأمومة، كما يتصور، بل شاركت في الحياة العامّة وتحملت أعباء العمل وخاضت الحروب ودخلت الحياة السياسية، بل استلمت الحكم قديماً وحديثاً، وكان لها دور كبير في مسيرة الدعوات الإلهية وجزء لا يتجزّأ من حركة الأنبياء والأولياء (عليهم السلام). نعم، تحمّلت المرأة في مسيرة البشرية الكثير من الأعباء الكبيرة وقدمت العظيم من التضحيات الجسام، فكانت عبر التاريخ الأكثر عطاءً ولكنّها كانت الأقل أخذاً ومكتسبات.

المسألة الثانية: أنّ الواقع الذي نراه في بعض المجتمعات من ضعف المرأة وانسحاقها ربّما كان ناشئاً، في كثير من الأحيان، من طبيعة الظروف التي تعامل فيها المرأة وضعف المناهج التربوية التي تمرّ بها. فلربّما أ نّنا لو اعتقدنا بضعف ذراعنا مثلاً وربطناها دوماً إلى خشبة أو غيرها لجبر ضعفها وتقويتها، فإنّ هذه الحال لو استمرت ستؤدي قطعاً إلى أن تفقد الذراع المزيد من قوّتها وبالتالي ضمور عضلاتها وفقدها قدرتها على الحركة وحمل الأثقال. أمّا إذا تركنا الذراع تتحرك بقوّتها الذاتية وغذيناها بما تحتاج إليه من غذاء ينميها وقمنا بمرانها فإنّها ستتقوى يوماً بعد آخر لتستطيع حمل المزيد من الأثقال. إذاً يجب إعادة النظر بمناهج إعداد المرأة لتكون أقرب إلى واقعها من جهة وأكثر ملاءمة لدورها الانساني في الحياة وأكثر استعداداً لحماية نفسها والدفاع عنها حيثما تطلّب الواقع منها ذلك. إن برامج إعداد المرأة المتجهة إلى تقوية شخصية المرأة وتأهيلها وزيادة قدرتها وكفاءتها يجب أن لا تغفل تنمية الجانب الأنثوي في المرأة وعدم الاضرار به، لأن في ذلك خسارة ما بعدها خسارة للمرأة وللمجتمع على السواء. فلا بأس بأن تكون المرأة قويّة وحازمة عند الحاجة، لكنّها في نفس الوقت رحيمة وودودة. ولا يعني التدريب الرياضي للمرأة أن تفقد رقتها ولطافتها. ولا يجب أن تستخدم المرأة في أعمال تعرضها للمهانة والمذلة ولا تصون شخصيتها ولا تحفظ كرامتها.

 

موقع الأسرة السعيدة