إنه رجاء أوجّهه إلى كل أم مسلمة بأن تؤدي أمانتها التي ائتُمنت عليها، وألا تخون تلك الأمانة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) الأنفال: 72، والأمانة التي أقصدها هي أمانة تربية أبنائها على الإسلام· إن الأم التي تعتقد أن دورها ينتهي عند تقديم الطعام والشراب لأولادها وكي ثيابهم، والاطمئنان على هيئتهم، وما شابه من الأمور، أم لا تعرف وظيفتها ولا رسالتها، فوظيفة الأم في الإسلام أوسع من ذلك بكثير، وأستأذن حضراتكم بأن نفرد تلك السطور لتوضيح بعض مسؤوليات الأم تجاه أبنائها بشيء من التفصيل، وقبل أن أبدأ في ذلك، ألفت النظر إلى أن تربية الأبناء مهمة مشتركة بين الآباء والأمهات، وليس معنى توجيه الكلام فيها للمرأة أنها متعلّقة بها وحدها، وأن الرجل ليس عليه واجبات فيها، فالمسؤولية متعلّقة بهما معاً· إن الإسلام يهتم بالجانب المعنوي في تربية الأولاد، ويسعى إلى تربيتهم على القيم والفضائل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" رواه ابن ماجه.

 

والأدب هو كل خلق حسن أمر به الإسلام صراحة أو أقرّه، أو تعارف الناس على حسنه، ولا يحسبن أب أو أم أن تعليم أولادهما الأدب يكون بالمواعظ القولية فقط، بل إن الأدب يرسخ في نفسيات الأبناء بالأسوة العملية والمواقف الفعلية، فالأم التي تسرد على ابنها مواقف الشجاعة والمروءة، ثم تأتي بعكس ما تنصح به على أرض الواقع، أم تعقّد نفسية ابنها، وتدعوه إلى الازدواجية وفقدان الثقة بها وبما تعلّمه إياه، والأم التي تمتدح الكرم، ثم تأمر ابنها بالكنز وعدم الالتفات إلى المحتاجين وإساءة الظن بهم من غير سبب يستدعي ذلك، أم تشوّش نفسية ابنها، ولا تُربيه التربية الصحيحة· إن الله عاب على بني إسرائيل هذه الازدواجية المرضية فقال تعالى فيهم: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة:44، وحذر كذلك المؤمنين من مغبة الادعاءات التي لا يتبعها عمل يبرهن على صدقها فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنــــوا لـــم تقولون مــــا لا تفعلون· كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف: 2، 3·

 

إن هذا المعنى - معنى الأسوة والقدوة- هو الذي جاءت به الأحاديث والآثار، وحثت عليه، فعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نجل- أي أعطي ووهب- والد ولداً أفضل من أدب حسن" رواه الترمذي، ولا أريد أن نمر على الحديث دون تأمّل كلمة نجل لدلالتها العملية الواضحة، والتي تؤيد وجهة النظر الداعية إلى التعليم والتربية بالأسوة والقدوة الفعلية، وفي القضية نفسها والمعنى نفسه ورد كلام عن سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إذ قال: "إن خير ما يورّث الآباء الأبناء الأدب"، ولا يخفى على أحد أن الإرث هو عطية وقاسم مشترك بين مورث ووارث، لكن هل التقوى تنطوي تحت الأدب؟! نعم بالطبع، بل إن التقوى الحقة هي أساس الأدب وثمرته، وأريد بالتقوى الحقة الحساسية في الضمير، والشفافية في الشعور، والخشية المستمرة والحذر الدائم، تلك الأمور التي تمتد إلى كل شيء, إلى علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بغيره من الناس، وعلاقة الإنسان بكل ما حوله من حيوان ونبات وجماد، تلك التقوى التي تحجب الإنسان عن الظلم·· وعن شبهة الظلم وإن دقت وصغرت·

 

إن غرس هذه القيمة في الصغر هو الأساس في تعليم الدين، لأن الطفولة هي أطول فترة في حياة أي كائن حي، والحق أراد أن تطول هذه الطفولة لكي تتكوّن فيها الجذور الإيجابية التي تمنح الإنسان قوة التماسك عندما يكبر ويتعرّض لشهوات وإغراءات الانحراف·

 

إن الشجرة عندما تُحرم من الماء ولا تجد ما يرويها تبدأ أوراقها أولاً في الذبول، وبعد الأوراق تذبل الفروع وهكذا، وآخر شيء يموت في الشجرة جذرها، بحيث إذا وصل إليها بعض الماء وهي قُرب الموت عادت وارتوت بالحياة من جديد وأثمرت·· الشيء نفسه يحدث للإنسان إذا كانت له جذور مؤمنة، فقد يحدث أن ينسى تعاليم دينه فترة، ويذبل في تصرفاته سلوك الدين حتى قد يبدو أنه غير مسلم، ولكن بسبب وجود الجذور يحدث أن تصادفه صدمة، أو يستمع إلى حديث أو آية قرآنية، فيرى فيما يصادفه جذور الإيمان فيه ويجد نفسه، وقد عاد، وحاول العودة إلى تعاليم الدين وأحكامه·

 

يقول بن عمر في ذلك، ولله در من قال: "لقد عشنا برهة من الدهر، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فيتعلّم حلالها وحرامها، وأوامرها وزواجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما أمره وما زجره، وما ينبغي أن يقف عنده بنثره نثر الدّقل "أردأ التمر"·· هذا الشعور وذاك البعد المعنوي هو أصل التربية وأساسها، وهو أصل وأساس يبنى بالفعل والقدوة مع مرور الزمن بشكل تراكمي!


إن مأساة البعض أنهم أهملوا علم الإيمان وطريقه، وهو المقدّمة الفطرية لكتاب الله عز وجل، قال تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) فُصلت: 44· ولا أريد أن يُفهم من كلامي هذا أنه ليست هناك أمور مادية ملموسة يدرّب الوالدان عليها أبناءهما حتى ينعموا بالإيمان الحق ويرفرف عليهم بظلاله، بل يجب عليهما أن يدرّبا أولادهما على الصلاة، قال تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين)· الطور: 21·

 

وعن عبد الله بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع"، رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن، والذي أريد أن ألفت الانتباه إليه وفيما يتعلّق بالحديث، فإن رؤية الولد والديه وهما يؤديان الصلاة بانتظام في أوقاتها ستدفعه إلى تقليدهما حتى قبل بلوغه سن السبع سنوات، وريثما يبلغه لن يجد هو أو أبواه أي صعوبة أو مشاكسة في تأدية الصلوات الخمس بانتظام وفي أوقاتها أغلب الأحيان، وما ذكرته عن التدريب على الصلاة ينصرف كذلك إلى الصيام - بغير إعنات ومتى وسعت طاقة الولد ذلك، مع مراعاة أن فرضية الصيام تثبت ببلوغ الولد أو البنت، فلقد ثبت أن الربيع بنت معوذ الصحابية كانت تضع اللعب لطفلها وهو صائم، لتلهيه بها إذا بكى على الطعام حتى يتم صومه، فلله در ما كانت تربي الربيع عليه ابنها، هذا بعض ما على الأم أن تركّز عليه في تربيتها لولدها·

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 25 يونيو 2005