سُئِلَ حكيمٌ مِنْ حُكَمَاء العرب عَنْ النِّساء أَيَّهُنَّ يتزوج المرء؟


محتويات المقالة

     

    فأجاب: لا تَنْكِحوا مِنْ النِّساء سِتاً: الأنَّانة ولا المنَّانة ولا الحنَّانة ولا الحدَّاقة ولا البرَّاقة ولا الشَّدَّاقة.والحقيقة أنَّني مُعْجَبٌ بهذا الحكيم، لسرعة بداهته وجزالة لفظه وعمق حكمته، فالأنَّانة هي التي تئن بصورة مستمرة سواء كانت تشكو عِلّة حقيقية أم لا، المهم أنَّها تشتكي دائماً، وتشكو كل شيء وأي أحد بصفة مستمرة، فعملها الأساسي أنْ تندب حظَّها، ومتعتها الحقيقية تحصل عندما يستوقف الناس أنينها، ويسألونها عن سببه، فتنطلق مُخْبِرة عَنْ سِرِّ مآسيها وسبب اكتئابها، فالحياة بالنسبة إليها ليست إلاَّ نصف كوب الماء الفارغ! إنَّ مِثل هذه المرأة الحياة الزوجية معها عذاب، وفاصل من النكد لا ينتهي، إنَّ هذه الطبيعة المستحكمة فيها، تَجْعَلُها تتجاهل كل العطاء، وتستخف بكل جهد يبذله الرجل في محاولة إِسعادها، فكل ما يقدمه لا يستحق الشكر وهو أقل مما يجب، السؤال الذي أُوجِّهه والذي أرجو أنْ تُواجَه بِه الأنَّانة نفسها هو: وما الهدف؟ ما الهدف مِنْ هذه الطبيعة وذلك السلوك؟ هل الهدف أَنْ تجعل نفسها محور اهتمام (بالعافية) وشفقة مِنْ النَّاس؟ وهل هذا هدف محترم، وعزة نفس تليق بمسلمة؟ ومَنْ قال لها أنَّ هذه العاطفة تستدر عطف الناس عموماً أو الزوج خصوصاً، إنَّ النَّاس ومنهم الزوج يَسْأمون هذه الطبيعة التي لا تستثير شفقتهم على قدر ما تستثير ضجرهم وغيظهم، إنَّ المرأة الأنَّانة ضَلَّت طريقها في التواصل مع مجتمعها وزوجها، وتتعامل معه بشكل لا يُقَرِّبُها منه، بل شَكْل مِنْ شَأْنه أنْ يعجل بلفظه لها.

    أمَّا المنَّانة فهي المرأة التي تَمنُّ على زَوْجِها، يعني أنَّها إذا قَدَّمت إليه معروفاً، أو أَحْسَنت له أو لعياله في صنيع فإنَّها تُذكِّره دائماً بهذا المعروف وذاك الصنيع مِنْ باب التفضل عليه بما لا يستحق، فإذا تزوجته تَمِنُّ عليه بأنَّها رضيت به في الوقت الذي رفضت فيه غيره ممن هو أيسر حالاً، وأعلى مقاماً وأبهى شكلاً، وإذا رعت بيته واهتمت به، منَّت عليه بجهدها ذاك، وقارنت بينها وبين غيرها من النِّساء اللاتي يأتين بالخادمات ليقُمْنَ بأعمال البيت، ويجلسن مشرفات وموجهات لهذه وتلك وفقط، إنَّها تلجم عاطفة الحب وما ينشأ عنها من انسيابية في العطاء، وتدون كل ما تقوم به تدويناً مادياً لتعلو به على زوجها وتُكْثِر عنده الإحساس بالتقصير المستمر في حقِّها. إنَّ ربط عطاء المرأة لزوجها- بعملية تدوين- لاستغلال هذا العطاء والمن به على الزوج ساعة الغضب أو حتى في ساعة الصفاء، عمل ليس جيداً ويُرَبي عند الزوج إِحْساساً بعدم الأمان، وعدم الاستمتاع بالعطاء، وتَوقُّع الاستغلال فهو يقول دائماً بينه وبين نفسه ( أكيد ستستغل هذا المعروف في المن علي به في وقت من الأوقات! أكيد ستفعل ذلك! أكيد).

    أما الحنَّانة فهي التي تحن إلى أُمِّها أَكْثَر مِمَّا يَنبغي، وبعضهم قال هي التي تَحِنُّ إلى زَوْجِها السَّابق، وسواء كانت الأولى أو الثانية، فتعالوا أقول لكم أين المشكلة؟ إنَّ التي تَحِنُّ إلى أُمِّها أَكْثَر ممَّا ينبغي هي شخصية غير مكتملة الاستقلالية، والرجل الذي يتزوج الحنَّانة بهذا المعنى، لا يكون في الحقيقة قد تزوج امرأة واحدة، بل يكون قد تزوج باثنتين: عروس وأُمِّها، إنَّ أُمِّها موجودة في الصورة ومؤثرة في حياتهما الزوجية بصفة دائمة سواء كانت موجودة وجوداً مادياً في البيت أو حتى مستقلة في بيتها، فالبنت والتي هي الزوجة، لابد أنْ تَرْوي كُلَّ تفاصيل حياتها الزوجية وكلَّ أخبار زوجها لأمِّها؟ فهي تسألها عَنْ كُلِّ شيء، وتستشيرها في كُلِّ شيء، وتُنَفِّذ لها كُلَّ شيء وتتصل بها هاتفياً بشكل مثير للأعصاب، وتُقِيم عِندها بشكل شبه دائم، لِسَان حَالِها دائماً: ماما! ماما! ماما! وأرجو ألاَّ يُسَاء بي الظَّنُّ، ويُقَال بأنَّنِي أدعو إلى عدم البرِّ أو القطيعة بين البنت وأُمِّها! أبداً، إنَّ هذا ما لا أَجْرؤ على الاقتراب مِنه، وما لا أَقْصِده بكلامي!

    إِنَّ بِرَّ البنت بأُمِّها ليس معناه هَتْك حُرْمَة الحياة الزوجية بينها وبين زوجها، وتحويلها إلى مَشَاع عروض على قارعة الطريق، ليقول كل مار فيه رأيه، وقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ ذلك أشدَّ التحذير حيث قال: " إنَّ أكبر الخيانة أنْ يُحدِّث الرجل امرأته حديثاً، وتُحدِّث المرأة زوجها حديثاً، ثم يُصْبِحا وقد أَفْشَى كُلَّ واحد منهما سِرَّ صاحبه".

    مَنْ قال إِنَّ إِطْلاع الحنَّانة أُمِّها على ما بينها وبين زوجها بر، أو له علاقة بالبر؟! إِنَّ الرجل الذي يتزوج بهذا المثل يتحول إلى كتوم جداً، قليل الكلام جداً، عصبي جداً، ليس بينه وبين زوجه تواصل لا نفسي و لا غير نفسي، إنَّه يشعر بأنَّه مراقب – على طول الخط – وأنَّ حركاته مَرْصُودة، ومُسجَّلة لتنقل خارج بيته، ناهيك عن إِحْساسة بزوجه أنَّها شخصية – خفيفة – لا تملك اتخاذ القرار، ولا تجرؤ عليه، شخصية مُعْتمدة على غيرها ليس لها استقلالية: فكُلُّ شيء عندها – لما أسأل ماما، وكل شيء عندها في حياتها وفي حياة زوجها مُرْجأ حتى تسأل ماما، فماما هي التي تقرر ماذا يرتدي الأولاد، وإلى أي مدرسة يذهبون، ومَنْ يُصَاحبون، ومَنْ هو طبيب العائلة....إلخ.

    والرجل في هذه الحالة يضيق عليه الخناق حتى لا يبقى أمامه إلا أحد أمرين إمَّا أنْ يختصر الطريق ويسأل هو – ماما – مباشرة، أو يخرس ولا يتحدث مع ماما ولا مع غيرها! فهل هذا هو ما تُريده الحنَّانة! عليها أنْ تُجِيب؟!.

     

    الأستاذ عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ15 يونيو 2004


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.