كثيرا ما تشكو الأسر من تمرد أبنائها المراهقين وسوء تصرفاتهم ، لكن وقفة تأمل في أحوال هذة الأسر النفسية والعاطفية والسلوكية توضح أنها غالبا ما تكون هي السبب في هذا الوضع الذي لا يكون محصورا فقط في مرحلة المراهقة وإنما تكون له بذور تعود إلى مراحل الطفولة الأولى وما بعدها ، ولتوضيح ذلك لابد من إعطاء لمحة موجزة عن كيفية بناء الشخصية النفسي لنستكشف معا بذور المراهقة العاقة والمراهقة المصحوبة باضطرابات نفسية .


محتويات المقالة

    إن مراحل تكوين شخصية المراهق تبدأ منذ العام الأول حيث العامل الأهم الذي لابد من توفره وهو الثقة بالمحيط وبالأخص الأم التي يجب أن تحرص على تلبية كامل رغباته الأولية الفيزيولوجية وذلك حتى سن السنتين وبعد توفير الثقة والاطمئنان يأتي دورها في توجيهه ومراجعة أي عمل يقوم به كي يدرك الصح من الخطأ والمفيد والمؤذي . ثم تأتي المرحلة بين السنتين وحتى الأربع سنوات حيث يدخل الطفل سن التحكم العضلي فيتمكن من المشي والتشبث الإرادي ويستطيع التحكم بعضلات الإخراج وهنا يأتي دور الأهل باستمرار دعمه بالحب والمدح ومساعدته في توجيهه لتطوير دماغه وليس تدليله والقيام بكل شيء عنه بدافع حبه والخوف عليه . وهنا فقد الطفل لعامل الثقة والرعاية الواعية المحبة والتوجيه الايجابي الذي يطور ملكاته يكون البزور الأولى لمراهقة صعبة.


    ثم تأتي المرحلة الأهم ما بين الأربع إلى السبع سنوات حيث يدخل الطفل سن الاكتشاف والتعلم واختبار كل ما يحيط به وفيه يبدأ في تكوين جذور الأنا العليا الخاصة به وهنا يحتاج مع الحب والمدح إلى احترام كيانه الخاص الذي يفخر بتشكيله ومساعدته على بنائه السليم في توجيهه ومساعدته على الاكتشاف وجعل هذا الهدف من اولويات الأهل حتى ولو كلفهم خسارة في بعض الوقت أو بعض فرص العمل اوبعض المال لكن مع الانتباه إلى ضرورة شعور الطفل ووعيه بسلطة أهله عليه وذلك عن طريق بعض أنواع العقاب البعيد عن الانفعال والتدريجي لان ذلك يساعد الطفل بالإضافة لتطوير ملكاته العقلية والعاطفية إلى التعرف على قيم الأسرة وأخلاقها وتشربها والتعود أو التدريب على التمسك بها وحبها ، وهنا الرعاية المهملة أو الرعاية القاسية والظالمة تؤدي مستقبلا لمراهق عاق .

    ثم تأتي مرحلة الإقتداء من سن السادسة أو السابعة وحتى المراهقة حيث ينهل الطفل من أبويه طبيعة كل العلاقات المحيطة به وكذلك التقاليد الاجتماعية وهنا القدوة السيئة لأحد الأبوين أو غياب القدوة الايجابية الحسنة في الأسرة أو المدرسة هل ستنتج إلا مراهق عاق !؟

    ثم تأتي المرحلة من المراهقة وحتى النضج في الشباب وهنا يحاول المراهق معرفة هويته ودوره في الحياة ويستكمل تعلم التقاليد الاجتماعية ويبدأ بتفهم القضايا الدينية العميقة وتنضج عنده الحياة الجنسية ويسعى لتشكيل علاقات اجتماعية ناضجة خاصة به فيكون مجموعات الأقران التي قد تكون للخير أو للأذى حسب طريقة التعامل مع هذه المرحلة، فان كان عاملا معيقا لمستلزمات النمو ولا يشبع حاجات المراهق الخاصة فالنتيجة ستكون على الأغلب مراهق عاق.


    وبناء على ما سبق تكون شخصيات المراهقين وفقا لأسرهم وطفولتهم كالتالي:
    -طفل يحب الراحة ومشبع بالعواطف والرعاية وأسرته تستمر في توفيرها المبالغ له ولا تريد أن تعترف بنموه ..هذا الطفل سيكون المراهق المدلل والشاب الفاشل .
    وطفل يستحق الرعاية والمحبة والراحة التي لم يذقها في الطفولة للغياب الحقيقي أو الوظيفي لأحد الأبوين أو كليهما والواقع يفرض عليه أيضا الحرمان ، أوطفل متلقي سلبي لا يريد انقطاع رعاية أهله الأولية وأسرته ترفض استمرارها لأسباب عدة لا يفهمها وهاتين الحالتين أرضية خصبة لمراهقة عاقة وبذور لأمراض نفسية صعبة .
    -طفل أشبع بالحب والرعاية والتوجيه الايجابي ويريد النمو ويرغب به وأسرته تغير من وعيها وسلوكها بتغير مرحلة عمر ابنها فتساعده في تعلم الاستقلالية وما يصاحبها من عطاء ومشاركة وهنا يكون المراهق قويا وايجابيا.


    يتبين لنا مما سبق الدور الأهم للأسرة في بناء شخصية المراهق مع التأكيد على النقاط التالية:

    • إن ماضي الطفولة السليم أساس لواقع المراهقة السليم وليس بديلا عنه وهو مقدمة له ولكنه لا يشكل ضمانا لاستمراره .
    • الأسرة التي توفر الحب و الثقة لأطفالها ليس بالضرورة أن تستمر بتوفيرها في المراهقة فتصلح بذلك لرعاية الطفل وتعجز عن مواجهة التغيير عندما يكبر والعكس صحيح أيضا فقد تكون هناك أسرة لا تتحمل الأطفال ولكنها تحسن معاملة المراهقين والشباب .
    • الأسرة التي أساءت تربية طفلها في الصغر قد يشكل ذلك عندها حافزا لتعيد النظر في تربيته ورعايته في الكبر

    وطبعا كل ما سبق لا يدخل بمفهوم الجو الأسري المناسب للمراهق الذي يكون في الأسرة المناسبة لتربية الطفل وتكون مناسبة أيضا لتربية المراهق وهي الأسرة التي تؤمن له استمراراشباع حاجات الطفولة بالإضافة إلى الحاجات الخاصة للمراهقة وتوفر للطفل النامي فرصة النمو دون فرضه عليه فرضا أو دفعه إليه دفعا محترمة بذلك انتقالية المرحلة التدريجية.


    لكن إن أدرك الأهل أو المراهق أن أسرتهم غير مناسبة فهل الحل يكون باليأس والاستسلام لهذا الواقع؟!
    لهذه الأسر أقول انه لا يجب الاقتناع بصحة النظريات النفسية التي تؤمن بحتمية كون الإنسان نتاج وضعه الو راثي من أمه وأبيه ثم وضعه الأسري ثم وضعه البيئي الاجتماعي والاقتصادي لان هذه النظريات تناست أهم ملكتين خص بهما الله تعالى أعظم مخلوق خلقه فقد خصه بالعقل والإرادة حيث تكمن القوة الهائلة لإمكانية التغيير نحو الأفضل دائما بأي وقت وبأي ظرف شرط توفر الرغبة والإرادة الصادقة وشرط معرفة كيفية التغيير وأسبابه ونتائجه ، هذا ماتحدثت عنه كل أنواع الحكمة عند مختلف الشعوب القديمة وأكدت عليه كل الديانات السماوية واتت حديثا علوم البرمجة اللغوية العصبية لتؤكد هذا المفهوم أيضا وتثبت بمبادئها وفرضياتها وتقنياتها أن قوة الإنسان تكمن في قوة استخدامه لمعرفته لقوانين عقله الواعي والباطن والروحاني وبالإيمان الروحي الحقيقي سيمده الله القوي القادر المقتدر من قوته .فهل هناك بعد ذلك مبرر لأي سلبية أو فشل ؟ وهل هناك أي مبرر للمراهقة الصعبة والمرضية ؟!


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.