كيف تتغير شخصيتك مع التقدم في العمر؟
تتغيَّر شخصيَّتنا بشكلٍ طبيعي وتتطوَّر نحو النضج والتكامل، كلَّما تقدَّم بنا الزمن، ويُعَدُّ فهم كيفية تطوُّر الشخصية مع التقدم في العمر موضوعاً مثيراً للاهتمام، فيكشف عن عدَّة عوامل تؤثِّر في هذه العملية المعقدة.
في هذا المقال، نستكشف مجموعةً متنوِّعةً من العوامل التي تؤدي دوراً في تشكيل شخصيتنا مع تقدُّمنا في العمر، ونُسلِّط الضوء على أبرز نظريَّات تطوُّر الشخصية.
ما هي الشخصية؟
تشملُ الشخصية مجموعةً من الجوانب التي تصف الطَّريقة التي يتصرَّف فيها الفرد ويتفاعل مع العالم من حوله، وهي الطابع الفردي والمتميِّز لكلِّ فرد، ويشمل - هذا الطابع - الصفات الفردية والأنماط المستمرة للتفكير والشُّعور والسلوك.
تتألَّفُ الشخصية من مجموعةٍ من العناصر المترابطة ومن ذلك القيم، والمعتقدات، والتَّجارب السابقة، والتفاعلات الاجتماعية، والعوامل البيولوجية.
تُظهِر الشخصية نسخةً فرديَّة من الفرد، وتؤثِّر في كيفيَّة تفاعله مع الآخرين ومع البيئة المحيطة به، إضافة إلى كيفيَّة تكوينه للعلاقات، وتحقيق النجاح في مختلف مجالات الحياة.
كيف تتغيَّر شخصيتك مع التقدم في العمر؟
تُعَدُّ الشخصية مزيجاً من الأفكار والمشاعر والسلوكات التي تجعلُ كلَّ شخصٍ فريداً، وقدَّر الباحثون خمسة أبعاد رئيسة للشخصية، تُعرَف باسم "الخمسة الكبار": الانفتاح، والحرص، والاندفاع، والوديَّة، والعصبيَّة.
وفقاً للأدلَّة العلميَّة الأخيرة، فإنَّ الشخصية ليست ثابتة عند الوصول إلى سنِّ البلوغ، بل تتغيَّر طوال حياتنا، لأنَّ الأحداث الحياتيَّة، والأدوار الاجتماعيَّة، والعوامل البيولوجيَّة من العوامل التي تؤثر في تغيُّر الشخصية.
عموماً، مع تقدُّمنا في العمر، نميلُ إلى أنْ نصبحَ أكثر هدوءاً، وثقةً بالنَّفس، وتحكُّماً ذاتيَّاً، واستقراراً عاطفيَّاً، كما نميل إلى أنْ نصبحَ أكثر وديَّةً وحرصاً، وهذا يعني أنَّنا أكثر تعاوناً، ومساعدةً، ومسؤوليةً، وتنظيماً، ومع ذلك ليست هذه التغييرات متماثلة للجميع، فقد تختلف حسب ظروف وتجارب كل فرد.
أحد فوائد تغيير الشخصية أنَّه يمكن أن يساعدنا على التكيُّف مع مختلف الوضعيَّات والتحديَّات في الحياة، على سبيل المثال: كوننا أكثر وديَّة وحرصاً؛ يمكن أن يُحسِّن أداءَنا في العمل وعلاقاتنا، بينما يمكن أن يُقلِّل الاستقرار العاطفي من التوتُّر ويعزِّز الرَّفاهية.
يمكن أن يؤثِّر تغيير الشخصية أيضاً في فهمنا للفكاهة، والإبداع، والفضول، إذ تُشير بعض الدراسات إلى أنَّ كبارَ السنِّ لديهم فهماً أكثر تعقيداً واتِّساعاً للفكاهة، وأنَّهم أكثر استعداداً من الشباب بما يخصُّ التَّجارب والأفكار الجديدة.
بالطبع، ليست الشخصية العامل الوحيد الذي يشكِّلُ من نحن وكيف نتصرف، فقيمنا ومعتقداتنا وأهدافنا واهتماماتنا أيضاً لها دورٌ في تحديد هويتنا وتأثير أفعالنا، وقد تتغير هذه الجوانب من شخصيتنا أيضاً مع مرور الوقت، أو تظلُّ ثابتة اعتماداً على تفضيلاتنا واختياراتنا.
إذاً؛ للإجابة عن سؤال "كيف تتغير الشخصية مع التقدُّم في العمر؟"، فإنَّ الشخصية تتغيَّر مع التقدُّم في العمر، ولكن ليس بطريقة بسيطة أو متوقَّعة، إنَّها عملية ديناميكية ومتعدِّدة الجوانب تعكسُ تفاعلنا مع أنفسنا، ومع الآخرين، ومع العالم من حولنا.
كيف تتطوُّر تغيُّرات الشخصية؟
تتطوُّر تغيُّرات الشخصية نتيجة تفاعل عدة عوامل مختلفة، مثل الوراثة، والبيئة، والأحداث الحياتية، والأدوار الاجتماعية، والعوامل البيولوجية، غير أنَّ بعض هذه العوامل أكثر تأثيراً في مراحل معينة من الحياة من غيرها، على سبيل المثال، قد يكونُ تأثيرُ الوراثة أقوى في الشخصية في الطُّفولة المبكرة، في حين قد يكون تأثيرُ الأحداث الحياتيَّة والأدوار الاجتماعية أكبرَ في سنِّ البلوغ وفي الشيخوخة.
تؤثِّرُ الوراثة في الشخصية عن طريق توفير الأساس البيولوجي لبعض الصفات، مثل النشاط العصبي، والذكاء، والعاطفية، تلك الصفات ثابتة نسبياً وتورَّث من الآباء، ومع ذلك لا تُحدِّد الوراثة الشخصية تماماً، فيمكن أن تتفاعل أيضاً مع العوامل البيئية لإنتاج نتائجَ مختلفة.
تشير البيئة إلى البيئة الجسدية والاجتماعية التي نواجهها طوال حياتنا؛ وتشمل عائلتنا، وأصدقاءَنا، وثقافتنا، وعلمنا، وعملنا، ووسائل الإعلام، ويمكن للبيئة أنْ تُشكِّلَ شخصيتنا عن طريق توفير فرصٍ، وتحديَّاتٍ، ومكافآتٍ، وعقوباتٍ تؤثِّر في أفكارنا، ومشاعرنا، وسلوكاتنا، ويمكن أن تُعدِّل البيئة تأثيرات الوراثة؛ من خلال تعزيز أو قمع بعض الصفات.
يمكن أن تؤثِّر الأحداث الحياتية في شخصيَّتنا من خلال إحداث تغييرات في مفهومنا الذاتي، وأهدافنا، وقيمنا، واستراتيجيات التعامل، فالأحداث الحياتية هي الأحداث الهامَّة التي تحدث لنا أو حولنا، مثل الزَّواج، والطَّلاق، والمرض، والوفاة، والصَّدمة، والنجاح.
يمكنُ أنْ يكونَ لبعض هذه الأحداث تأثيرٌ دائم ٌفي الشخصية، في حين قد تسبِّبُ الأخرى تغييراتٍ مؤقَّتة، أمَّا الأدوارُ الاجتماعيَّة؛ فهي المواقف والتوقُّعات التي لدينا في سياقات مختلفة، مثل كوننا والدَين، أو أزواجاً، أو طلاباً، أو عمَّالاً.
يمكن للأدوار الاجتماعية أنْ تؤثِّرَ في شخصيتنا من خلال تبنِّينا لسلوكات، ومواقف، ومهارات معينَّة مناسبة لكل دور، ويمكن أيضاً أنْ توفِّرَ لنا الأدوارُ الاجتماعية ملاحظاتٍ، ودعماً، وتقديراً يشكِّلون هويَّتنا وثقتنا بنفسنا.
النِّسبة إلى العوامل البيولوجية؛ فهي العمليات الفيزيولوجية والعصبية التي يكمن فيها أساس شخصيتنا، مثل: الهرمونات، والناقلات العصبية، وهيكلية الدماغ ووظيفته.
يمكن لهذه العوامل أن تؤثِّر في شخصيتنا من خلال تنظيم مزاجنا، ودافعنا، وانتباهنا، واستجابتنا للضغط، كما يمكن أن تتغيَّر العوامل البيولوجية مع تقدُّم العمر، فنواجه الانخفاض أو التحسُّن الفيزيولوجي والعقلي.
كما ترون، تتطوَّرُ تغييرات الشخصية بوصفها عملية معقَّدة وديناميكية تشمل تأثيرات وتفاعلات متعدِّدة، فالشخصية ليست ثابتة، بل مرِنة وقادرة على التكيُّف مع مختلف الوضعيات والتحديات في الحياة.
شاهد بالفيديو: سمات شخصية صاحب العقل المنفتح
نظريات تطوُّر الشخصية:
نظريات تطوُّر الشخصية هي الأطُر النفسيَّة التي تحاول شرح كيف تتشكَّلُ وتتغير الشخصية، وكيف تؤثِّرُ في السلوك، فالشخصية هي المجموعة الفريدة من الصِّفات والتجارب والعواطف والأفكار التي تجعل كلَّ شخصٍ منَّا مُنفرداً بذاته.
تختلف نظريات تطوُّر الشخصية في وجهات نظرها عن العوامل التي تُشكِّل الشخصية، مثل الوراثة، والبيئة، والأحداث الحياتية، والأدوار الاجتماعية، والعوامل البيولوجية.
بعض النظريات الرئيسة لتطوُّر الشخصية هي:
1. النظريات النفسية الديناميكية:
تُركِّز هذه النظريات على دور العقل اللاواعي، وتجارب الطفولة المبكرة، والصِّراعات الداخلية في تطوُّر الشخصية، أكثر هذه النظريات تأثيراً هي لـ "سيجموند فرويد" الذي اقترحَ مفاهيم النفس الواعية، والأنا، والأنا العليا، ومراحِل التطوُّر النفسي.
2. نظريات السِّمات:
تُشِّددُ هذه النظريات على الجوانب الثابتة والقابلة للقياس في الشخصية، مثل: الانفتاح، والحرص، والاندفاع، والودية، والعصبية.
يستخدم المختصُّون الطرائقَ الإحصائية لتحديد وقياس السمات الشخصية، وتوقُّع علاقتها بالسلوك والنتائج.
3. النظريات الإنسانية:
تُركِّزُ هذه النظريات على الجوانب الإيجابية والتنموية في الشخصية، مثل: تحقيق الذات، والإبداع، والإرادة الحرة، ويعتقد الخبراء الإنسانيون، مثل "أبراهام ماسلو" و"كارل روجرز" أنَّ الناس لديهم دافعٌ طبيعي لتحقيق إمكاناتهم، والبحث عن المعنى والهدف في الحياة.
4. النظريات السلوكية والتعلُّم الاجتماعي:
تشدِّدُ هذه النظريات على دور التعلُّم، والتَّشكيل، والتَّعزيز في تطوُّر الشخصية، ويقترح مؤلِّفوها، مثل "بي.إف سكينر" و"ألبرت باندورا" أنَّ الشخصية تُشكَّلُ من خلال السُّلوك والبيئة والإدراك.
5. النظريات العقلية:
تُركِّز هذه النظريات على دور العمليات العقلية، مثل الإدراك، والذَّاكرة، والتَّفكير، في تطوِّر الشخصية، ويقترح مؤلفو النظريات العقلية مثل "جورج كيلي" و"آرون بيك" أنَّ الشخصية تتأثَّر بكيفية تكوين الأشخاص وتفسير تجاربهم، وكيفية تعاملهم مع التحديات والمشكلات.
6. النظريات البيولوجية والتطورية:
تستكشفُ هذه النظريات القواعدَ الوراثية والفيزيولوجية والعصبية للشخصية، وكيف تطوَّرت مع مرور الوقت، ويقترح مؤلِّفو النظريات البيولوجية والتطورية، مثل "هانز أيزنك" و"ديفيد بوس" أنَّ الشخصية تتأثَّر بالعوامل البيولوجية، مثل: الهرمونات، والناقلات العصبية، وهيكل الدماغ، ووظيفته، إضافة إلى الانتخاب الطبيعي والتكيُّف.
هذه بعض النظريات الرئيسة لتطوُّر الشخصية، ولكن هناك أيضاً مناهج وآراء أخرى قد ساهمت في مجال علم الشخصية.
اضطرابات الشخصية المرتبطة بالعمر:
لا تُعَدُّ اضطرابات الشخصية المرتبطة بالعمر فئةً محدَّدةً من اضطرابات الشخصية، بل هي مصطلحٌ يشير إلى كيفيَّة ظهور اضطرابات الشخصية بشكلٍ مختلف مع التقدُّم في العمر، فاضطرابات الشخصية هي حالات صحيَّة عقليَّة تشمل أنماطاً مزعجةً وطويلة الأمد للتفكير والسلوك والمزاج والتعامل مع الآخرين.
توجد 10 أنواع من اضطرابات الشخصية، كل نوع له خصائص وأعراض مختلفة، مُنظَّمة في ثلاث مجموعات: A وB وC.
تتفاوت اضطرابات الشخصية بشكلٍ كبيرٍ في ظهورها، ولكن يُعتقَدُ أنَّها جميعاً يُسبِّبها مزيجٌ من العوامل الوراثية والبيئية، ويصبح معظمها أقل حدة مع التقدم في العمر، ولكن قد تظلُّ بعض الصفات قائمة بعد تخفيف الأعراض الحادَّة التي دعَت إلى تشخيص الاضطراب، وتؤثِّر بعض العوامل في تغيير الشخصية مع التقدُّم في العمر، مثل: الأحداث الحياتية، والأدوار الاجتماعية، والعوامل البيولوجية.
أمثلة عن كيفية تغيُّر أو ظهور اضطرابات الشخصية بشكل مختلف مع التقدم في العمر:
1. اضطرابات الشخصية في المجموعة A (التوتريَّة، الانعزاليَّة، والمملَّة):
قد تصبح اضطرابات الشخصية في المجموعة A (التوتريَّة، الانعزاليَّة، والمملَّة) أقلَّ وضوحاً مع التقدم في العمر، فيميل الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات إلى الانسحاب من التفاعلات الاجتماعية، وتقليل عوامل الضَّغط في الحياة، ومع ذلك قد يواجهون أيضاً مزيداً من الوحدة، والعزلة، وانخفاض القدرة العقلية.
2. اضطرابات الشخصية في المجموعة B (المُنحرِفة، الحدوديَّة، الهستيريَّة، والنَّرجسيَّة):
قد تظهُر بعضُ التحسُّنات في اضطرابات الشخصية في المجموعة B (المُنحرِفة، الحدوديَّة، الهستيريَّة، والنَّرجسيَّة) مع التقدم في العمر، فقد يتعلَّم الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات من تجاربهم ويطوِّرون مهارات تأقلميَّة أكثر، ومع ذلك قد يواجهون أيضاً تحدِّيات أكبر مع التقدم في العمر، مثل فقدان الجاذبيَّة، أو الوضع الاجتماعي، أو الصِّحة، أو العلاقات، وهذا قد يؤدي إلى استقرارٍ عاطفيٍّ أقلَّ أو تصرُّفاتٍ متهوِّرة أو عدوانية.
3. اضطرابات الشخصية في المجموعة C (التَّجنبيَّة، الاعتماديَّة، والقهريَّة-المرَضيَّة):
قد تظهرُ بعض التحسُّنات في اضطرابات الشخصية في المجموعة C (التَّجنبيَّة، الاعتماديَّة، والقهريَّة-المرَضيَّة) مع التقدم في العمر، فقد يستفيد الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات من علاقاتٍ أكثر استقراراً ودعماً، ومع ذلك قد يواجهون أيضاً مزيداً من القلق والاكتئاب أو الأمراض الجسدية، وهذا قد يزيدُ من حاجتهم إلى التأكيد، أو السَّيطرة، أو الكمالية.
اضطرابات الشخصية المرتبطة بالعمر ليست تشخيصاً منفصلاً، بل هي طريقة لفهم كيفية تطوُّر أو ظهور اضطرابات الشخصية بشكل مختلف عبر العمر.
في الختام:
يمكننا أنْ نرى أن تغيُّر الشخصية مع التقدُّم في العمر هو عمليَّة ديناميكيَّة ومعقَّدة، فقد يصبح الفرد أكثر هدوءاً وثقة واستقراراً عاطفياً، وقد تظلُّ بعض الصفات الأساسية ثابتة، وقد تتأثَّر الشخصية بالتَّجارب الحياتية، والأدوار الاجتماعية، والعوامل البيولوجية.
إنَّ فهم كيفية تغيُّر شخصيتك مع التقدُّم في العمر يمكنُ أنْ يساعدَ على التَّعامل بفاعليَّة مع التَّحديات والمتطلبات الجديدة في مراحل الحياة المختلفة.