كم أتعجب لبعض القضاة سمعتهم شخصيا يصرحون أن مشاعر البغض أو النفور  من المرأة لزوجها ليس عاملا كافيا يجعلها تطلب الفصال ، بل أكثر من ذلك حتى وإن مارس عليها أشكال العنف النفسي والجسدي لا يخول لها الطلاق إلا بدلائل ملموسة وواضحة ...نسي هؤلاء الكرام أننا قد نملك أجساد الناس ولكن القلوب صعب امتلاكها ..

سماحة الإسلام ورقي مبادئه، وشمولية وعمق رؤيته للإنسان أعطت للمشاعر قدرا واهتماما بالغا، فجعل " الحب وفقد الحب من أهم دواعي الاتصال والانفصال بين الرجل والمرأة " فيكفي للمرأة أن تبدي ما بداخلها لكي يعطيها القاضي ما أعطى الحبيب المصطفى لبريرة وجميلة..

تأملوا معي هذا المقال :

 
قلوب ليست للبيع
 
 
كان لعائشة رضي الله عنها مولاة اسمها (بريرة) فأعتقتها، وكان لبريرة زوج يعشقها اسمه (مغيث) فطلقته بعد عتقها حتى صار يبكيها بحرقة، رآه نبينا عليه السلام فلم ينهه أو يقمعه، بل رق قلبه لهذا العاشق المسكين فحاول مداواة جراحه وآلامه، فتوجه لبريرة متوسطاً وشافعاً لعل قلبها يلين، وقال لها: (لو راجعته؟ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه) عندها انفطر قلب مغيث وصار يبكيها في الطرقات، حتى وصف صحابي حالته بقوله: (كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته) فقال صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: (يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً - البخاري 5- 2023).
 
ما أقسى المرأة عندما تبغض أو يلتفت قلبها. ها هي إحداهن (جميلة بنت سلول رضي الله عنها زوجة ثابت بن قيس أحد خطباء النبي صلى الله عليه وسلم) تنتظر عند بابه عليه السلام فلما خرج قالت له: (والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد - ابن ماجة 1 -663) ثم انفصلا بهدوء، فقلبها ليس بيدها، ولا مكان في الإسلام لقفص ذهبي. الإسلام يجعل الحب وفقد الحب من أهم دواعي الاتصال أو الانفصال بين الرجل والمرأة، وهو لم يأت لقمع المشاعر الإنسانية وتهميشها، بل لإثرائها دون تهور..
 
جاء بعد المسيحية التي جيرت قلب الإنسان ومشاعره في الزواج لحساب الجسد رغم الكلام الإنشائي الذي لا يتوقف حول (دين الحب) الذي يحرم الطلاق، ويحكم على المطلق والمطلقة بالزنا والخطيئة المؤبدة، ويجرم الزواج بمطلقة، ولكننا على قاعدة (لو دخلوا جحر ضب) قمنا باستعارة أسوأ أوصافهم للعلاقة بين الزوجين، مثل (القفص الذهبي، وخاتم الزواج وغيرها) وهي لافتات لحبس مؤبد ربطه الرب فلا يحله الإنسان (هكذا يقولون) يحبسونها في قفص ذهبي ربما غادرته القلوب وظل فيه الجسدان والقضبان فقط، ما اضطر الألوف هذه الأيام منهم إلى اعتناق الإسلام للانعتاق من ذلك القفص الذهبي والفرار منه، أليس تغيير الدين للحصول على الطلاق دليل على أهمية القلب، أو ليس وجود حالة (الانفصال) المنتشرة في الغرب وهي حالة (افتراق دون طلاق) بسبب اجراءات الطلاق المكلفة مادياً لطرف على حساب طرف أليس مؤشراً على خطورة بيع القلب.
 
أقول هذا وأنا اتذكر امرأة تم تعليقها عشرين عاماً وهي في ريعان شبابها بحكم قاض جائر بدعوى انها (ناشز)، ألم يقرأ هؤلاء سيرة نبينا عليه السلام ليعرفوا ان الناشز التي يسلخون المرأة باسمها هي التي تتمسك بزوجها وترفض الطلاق والتخلي عنه لكنها لا تريد القيام بحقوقه التي لخصها نبينا عليه السلام بأمرين فقط في حجة الوداع قائلاً: (استوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً)، ثم قال: (ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم «فلا يطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون»، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن - الترمذي 3 -467).. أما المرأة التي سافر قلبها فليست بناشز، إنها مثل جميلة بنت سلول، ولها من الحقوق مثل ما لجميلة..
 
أقول أيضاً وعلى قاعدة (لو دخلوا جحر ضب) أو ليست المرأة أحياناً تمارس التخلي عن قلب الرجل والاحتفاظ بجسده وتعليقه وتحريضه على النشوز بل والانحراف أحياناً عن طريق ما يسمى ب (مؤخر المهر) المرهق والثقيل؟.
أ. محمد الصوياني