قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب الإحسان على كل شيء.. وكلمة شيء في اللغة هي أنكر النكرات، لذا ينضوي تحتها ما كبر وما صغر وما عظم شأنه وما تفه، إن الحديث مع كونه معجز في دلالته فهو يدل على مدى رقي الإسلام وتحضره إلى الدرجة التي يأمر فيها أتباعه بالإتيان بأي عمل على أعلى درجة من درجات الجودة والإتقان والحسن. فمعاملة الرجل أهل بيته حال الوفاق لا بد وأن تكون بإحسان كما أن الفراق بينهما بالطلاق أو الخلع لابد أيضا وأن يكون بإحسان فميزان العدل الإلهي منصوب في الحالتين، والحساب في الحالتين بمثاقيل الذر وما دونه قال تعالى: (وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء 47). كما قال تعالى في سورة الزلزلة (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَه) (الآيات 8. 7 .6 فالله تعالى كما أخبرنا عن نفسه في سورة سبأ (عَالِمِ الغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الآية 3).

 

والذي يتخيل أن الله يثيبه على بعض المعروف الذي يبذله لأهله ولا يعاقبه على تقصير أو ظلم يصيبهم به، هو إنسان يحتاج إلى إعادة نظر فيما يفقه من دين الله تعالى – (نبىء عبادى أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم). (الحجر 49،50).


للآسف إن أغلبية الأزواج كما يشهد الواقع – إلا من رحم ربي - يتعاملون مع الطلاق على أنه الجولة الأخيرة من الصراع التي لابد لكل طرف أن يعادي فيها صاحبه حتى يشفي غليل سنين القهر والعذاب التي يتخيل أنه كان يقاسيها بسببه، وهذا العداء تراه يهتك كل شيء شخصيته وأخلاقه، وأفعاله، وأهله، وكل ما له صلة به، فالرجل لا يتورع من رمي زوجته بأنها كذا وكذا وكذا، وكذلك المرأة لا تتورع عن رمي زوجها وأهله بأنهم كذا وكذا وكذا! والسؤال الذي أسأل عنه هؤلاء هو أين الإسلام فيم تقومون به أو تفعلونه؟

 

إن دين الله أرقى وأسمى من ذلك بكثير وإليكم  الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌLالدليل: قال تعالى بِإِحْسَانٍ) البقرة 229 وقال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) البقرة 321 وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) الأحزاب 28: فكما رأينا في الآية الأولى: تسريح (طلاق) بإحسان وفى الآية الثانية: سرحوهن (طلقوهن) بمعروف، وفى الآية الثالثة: (أسرحكن سراحا) (اطلقكن طلاقا) جميلا، أي أن الطلاق في الإسلام - إذا حدث - لابد وأن يكون بإحسان ومعروف ودون إساءة، هذا هو دين الله ومن فعل غير ذلك كائناً من كان فهو على خطأ وليس على دين الله والآن أسأل هل السب والضرب والتلاعن والفضائح والافتراء والكذب والغلظة والظلم والكيد والاستفزاز والعنت والمكر تلك الأمور التي تتم وللأسف في حالات الطلاق، هل لها علاقة بقرآن أو سنة أو سيرة سلف صالح لنا فيهم أسوة حسنة؟!

 

إن مراعاة الإسلام للوضع والنفسية بلغت مبلغاً فريداً، إذ جعلت من باب الإحسان للمرأة عند طلاقها: اجتناب مواجهتها بلفظ الطلاق الصريح والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بعظيم. الحقي بأهلك. (وفى رواية فقال قد عذت بمعاذ ثم خرج.. فقال يا أبا أسيد اكسها رازقين (ثياب من كتان بيض طوال) وألحقها بأهلها.

 

إنني أعود إلى الحوار الذي دار في الحديث لاستخلاص العبر والعظات منه فابنة الجون قالت لرسول الله صلا الله عليه وسلم! أعوذ بالله منك!إنها كلمة بذيئة في النهاية والتي على أثرها سرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم السراح الجميل الذي أُمر به إذ قال لها: لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك. بعد أن كساها بالرازقين، لقد تجنب صلى الله عليه وسلم مواجهتها بكلمة أنت طالق رغم ما كان منها!! إلى هذا الحد يكون التسريح بإحسان في دين الله، هناك أمر ثان متعلق بالتسريح بإحسان، وهو المتعة قال تعالى: (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلَى المُحْسِنِينَ) البقرة236. وقال تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلَى المُتَّقِينَ) البقرة 241.

 

إن نفقة المتعة مبلغ من المال يهديه الرجل لزوجته التي طلقها حسب استطاعته، ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعاً من التعويض ... فانفصام عقدة الزواج ينشئ جفوة ممضة في نفس المرأة ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو ويشيع فيه نسمات من الود والمعذرة، ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى ولهذا يوصي الله تعالى أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية واحتفاظا بالذكرى الكريمة!

 

هكذا يجب أن تسير الأمور بين الرجل وطليقته في شريعة الإسلام، ومن المفروض ألا تتدخل المحاكم فيما بينهما كما يحدث الآن لأن الزوجة ترفع قضية متعة وتفتري على زوجها بأن معه كذا وكذا وكذا وأنها تستحق منه كذا وكذا، وكذلك الرجل يمتنع عن نفقة المتعة، وإذا أُجبر عليها يعطيها بشق الأنفس ولا يعطي فيها إلا بخساً فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل طلق امرأته: متعها فإنه لابد من المتاع (رواه البيهقى) وقد مر بنا قريباً حديث ابنة الجون، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اكسها رازقين وألحقها بأهلها فكان الرازقان متعة طلاقها.

 

أمر ثالث متعلق بالتسريح بإحسان هو عدم الإمساك لإيقاع الضرر. قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة 231. إن المقصود ببلوغ الأجل فى هذه الأية هو قرب انتهاء عدة المرأة المطلقة، فإذا قرب الأجل فإما رجعة على نية الإصلاح والمعاملة بالمعروف - وهذا هو الإمساك بالمعروف..

 

وإما ترك الأجل يمضي فتبين الزوجة - وهذا هو التسريح بإحسان، من دون إيذاء ولا طلب فدية من الزوجة ومن دون عضل لها عن الزواج بمن تشاء. (وهذا هو معنى قوله تعالى، ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) وذلك كالذي روي عن الأنصاري الذي قال لامرأته: والله لا أويك ولا أفارقك! فهذا هو الإمساك بغير إحسان، إمساك الضرار الذي لا ترضاه سماحة الإسلام. إن الذي يمسك المطلقة ضراراً واعتداءً يظلم نفسه. فإذا ظلمها فقد ظلم نفسه وهو يظلم نفسه بإيرادها مورد المعصية، والجموح بها عن طريق الطاعة، هذا هو الإسلام وهكذا ينبغي أن يكون المسلم الذي يجل أمر الله (ولا تتخذوا آيات الله هزوا)، وهكذا ينبغي أن يكون الطلاق وهكذا ينبغي أن يكون فراق المحسنين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة بتاريخ 19 أكتوبر 2004