وهل يستقيل الآباء؟! ومتى يستقيلون؟ ولمن يقدمون هذه الإستقالة؟ ومن الذي يوافق عليها؟ ومن الذي يترتب على هذه الاستقالة؟


محتويات المقالة

    نعم هناك آباء وللأسف يقدمون استقالاتهم طواعية أحياناً أو غفلة أحياناً أخرى، هذه الاستقالة تعني إهمال الأبناء وترك أمر تربيتهم إما للخادمة أو للإعلام أو للشارع.. دورهم ينتهي عند الإنجاب وتوفير الأكل والشرب في أحسن الأحـوال.. هناك من ينتظر هذه الاستقالة ويقبلها على الفـور ويرحب بهؤلاء الأبناء ليربيهم في أحضانه هو ولفكره هو ولغاياته هو، هناك شاغر في هذه الوظائف.. وبالمقابل هناك استقالات جماعية من هذه الوظائف!.. لماذا يا ترى؟ وما هى البدائل لهذه الوظيفة.. هذه البدائل مغريه جداً.. هذه الوظائف ليس عليها تبعات وليس فيها مسئوليات.. تنام متى شئت وتستيقظ متى شئت.. وتخرج وتدخل كيف تشـاء.. ما أجمل هذه الوظائـف ولكن.. هى راحة محدوده لزمن محدود ولساعات معدوده.. كأنها سكرة أو غفـوة.. يستقيظ منها وإذا به يرى أن العروش قد تهاوت.. وأن الآمال قد تحطمت وأن الذي كان يراه ليس إلا سرابـاً، وأنك مهما حققت من الإنجازات والتفوق والتميز وخسرت في المقابل ابناً واحداً من أبنائك فإنك بلا شك ستنظر إلى نفسك أنك أفشل إنسان في الحياة! لماذا؟ لأنك خسرت أعز ما تملك وأعز ما تملكه الأمة وهم أبناؤك.. إلى أين نقودك أيها القارىء؟.. إلى وظيفتك الأساسـيه، والتي كلفت بها من الله عز وجل وسيحاسبك عليها يوم القيامة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم6. فعليك أن تعلم بأن الوالدين مكلفان شرعاً بحسن تربية الأولاد.

       

    نعم قد تقبل هذه الاستقالة هنا في هذه الدنيا، ولكن ثق تماماً أن الانفكاك عن هذه الوظيفة مستحيل وغير ممكن، حيث سيسألك الله عز وجل عنها يوم القيامة، ليس هذا فحسب بل إن دعاء ابنك لك مشروط بتربيتك له وعنايتك به كما في قوله تعالى (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) وكما تلاحظ في الآية الكريمة كلمتي (ارحمهما) وكلمة (ربياني).. وكل منهما يتبع الآخـر، فإذا لم تقم بهذا الدور الأساسي والهام فأشك أن يكون هناك دعـاء، ولا ننسى حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا المقـام (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له(، فهناك موت وانقطاع عن هذه الدنيا وهناك أمـل، وأحد هذه الآمال ولد (صالح) يدعو لك.. تأمل هنا أيضاً شرط الدعاء هو أن يكون ابناً صالحـاً، فكأن هذا وذاك مرتبط ارتباط كلي بالتربية والصـلاح. إذن أستطيع أن أقول أن ابنك هو أعظم مشروع (وقـف) لله عز وجل وهو أعظم صدقة جارية لك إن أنت أحسنت تهذيب سلوكه وتقويم أخلاقه، وأفضل استثمار في الأمة هو الاستثمار في التربية حيث سيجنبنا الكثير من المشاكل وصرف الأموال الهائلة لحل هذه المشاكل في المستقبـل، فهناك دولة يصرف فيها لشرب الخمور فقط ما يقرب من عشرين مليار سنوياً، ومما يزيد من أزمة الأمة أنها تواجه تلك الأوقات الصعبة وليس لديها رصيد من الابناء قادرة على مواجهة هذه التحديات.

     

    وهذه المهمة العظيمة لا يستطيع أن يقوم بها إلا عظيم، ومما لا شك فيه أن أمر التربية مهم وفي نفس الوقت شـاق جداً، ومن الأخطاء الأكثر شيوعاً بيننا نحن الآباء هو ما نسميه بعشوائية التربية أو مزاجية التربية والتي تقوم على سياسة ردود الأفعال والتي تتحكم في معظمها المشاعر التي تختلف من وقت لآخر، حيث لا يوجد تخطيط أو تدريب على أمور التربيـة.

     

    هل فكرت وأنت تتقدم باستقالتك أن هناك في نفس الوقت من يفكـر في الدخول بديلاً عنك في هذه الوظيفه.. ولكن هل سيقوم بهذه الوظيفه كما لو قمت بها أنت؟ فلو تأملنا حال صاحب شركة عند غيابه عنها فإنه سيضطر إلى تخويل أحد الموظفين للقيام بمهامه في هذه الشركة، فإنك ستجده قبل أن يفكر في الإجازة فإنه سيبدأ التفكير في ذلك الشخص الثقة الخبير الأمين القادر على إدارة الشركة على أكمل وجه، هذا على مستوى شركة وأموال قد تذهب وتعود، فما بالنا إذا شغلنا مضطرين عن أبناءنا فإننا لا نخول عليهم ذلك الأمين المربي ليسد بعض الثغرات التي تركتها عند الانشغال عن الابناء، فلا شك أن الأبناء قد ينشؤون نشأة اليتامى ويعيشون عيشة المشردين بل قد يكونون سبب فساد وأداة إجرام بأسرها، ولله در من قال:

    ليس اليتيم من انتهى أبواه من             هم الحياة وخلفاه ذليــلا

    إن اليتيم هو الذي تلقـى لـه                 أماً تخلقت أو أبـاً مشغولا

     

       أقول لكم.. إن جميع القواعد التربوية تقول بأنه لا يوجد محضن تربوي يستطيع أن يغرس المنظومة التربوية للطفل غير الأسـرة! والأسرة فقـط..

     

    ولماذا الأسـرة؟ لو نظرنا إلى هذه الكلمة لذكرتنا بكلمة (الأسـر) وهو الأسـير الذي يؤخذ من الحروب.. فلا حول له ولا قوة.. يساق فينسـاق ويؤمر فيطيع.. كذلك الطفل في المراحل الأولى من عمره.. كالأسـير الذي لا يعرف إلا الطاعة.. ولا يعرف إلا ما يـرى أو يسمع، فبماذا شغلنا عينيه وبماذا شغلنا أذنيـه.. وبماذا ملأنا عقـله.. وكيف أشبعنا مشاعره وحاجاتـه.. حيث أنه يقلد كل ما تقع عليه عيناه.

     

       إن الأسـرة – كما يعرف الجميع – هى اللبنه الأولى من لبنات هذا المجتمع.. ولا نمر مرور الكرام على هذه اللبنه.. فهناك لبنات قوية ودليل قوتها أن الجزئيـات التي تربط هذه اللبنه متماسكة جيداً بعضها مع بعض بحيث تشكل في النهاية قوة تستعصي على الآخر أن يخترق هذه الجزئيات، نعم هذه هى الأسرة القوية التي يملاؤها الحب والتفاهم وتقارب المسافات بين أفرادها وتكون في حماية وحصانة هى السبب في هذه القـوة.. ونقول هنا: أن الأسرة القوية هى التي تصنع المجتمع القوي والأمة القوية، لذا نجد أن بعض وسائل الإعلام قد سخرت جهودها لهدم هذه الأسرة فجعلت سهامها موجهة - بالدرجة الأولى - إلى الشـباب، وكما هو مشاهد أن أكثر فئة عمرية تعد لها برامج إعلامية هابطة هادمة للأخلاق والقيم هم فئة الشـباب، أي هم مستقبل الأمـة، لذلك علينا أن نستشعر الخطر والمسئولية الملقاة على عاتقنـا تجاه أبناءنا وتجاه مستقبل أمتنا، وهنا تحضرني مقولة القائد الفرنسي (نابليون) عندما سئل عن أقوى الحصون الفرنسـية.. فأجاب إجابة مبهرة حيث قـال (إن الأسـرة الفرنسـيه هى أقوى الحصون).. اظن أن هناك معاني كثيرة مدفونة في هذه العبـارة.. ارجع وفتش فيها قبل أن تقوم.. بتقديم اسـتقالتك...!!


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.