يعد المستمع أو المنصت مكوناً أساسياً من مكونات التواصل، ولا يمكن أن تتم أية عملية تواصل دون وجود منصت واحد على الأقل - إلا في التواصل الذاتي-، وعندما يقوم أي اثنان منا بالتواصل مع بعضهما البعض، فسيكون هناك رسالتين: واحدة منهما يقصدها ويعنيها المُرسل، وواحدة أخرى هي التي يستلمها المُستمع بالفعل، ولا تتطابق هذه الرسائل أبداً بسبب أن البشر يختلفون بمرجعياتهم وأطر تفكيرهم وكيفية إدراكهم، وعندما نناقش سوية المراحل الستة لعملية الإنصات، سيكون لدينا فهماً أكبر لهذا المفهوم.

 

المرحلة (1) الاستقبال: أول خطوة في الإنصات هي استقبال الأصوات، فنحن نستقبل الأمواج الصوتية التي يُحدثُها صوت المتحدث في الهواء عند "التواصل وجهاً لوجه"، أما في التواصل عن طريق الهاتف فيتم نقل هذه الأمواج الكترونياً، وفي الحالتين فإننا نستقبل المنبه الصوتي، وبمعنى آخر فإن الاستماع هو الخطوة الأولى للإنصات الفعّال وعندما نستخدم حاسة ما، سرعان ما تقوم الحواس بدعمها، فمن الممكن أنك سمعت أحد الأشخاص يقول لك: "لا أستطيع سماعك دون أن أضع النظارات"، وما يقصده أنه سيسمعك بشكل أفضل عندما يراك بشكل واضح، وقد تميز صوت أحدٍ ما يجلس خلفك ويوجّه سؤالاً ما، ويوجهه إلى المدرب، ولكنك على الأغلب ستدور وتنظر إليه فقط لتتأكد.

المرحلة (2) الاختيار: يقوم الشخص في هذه المرحلة باختيار منبه صوتي مختلف عن بقية المنبهات التي تصل إلى انتباهه، وتدعى هذه الظاهرة "بالإدراك الانتقائي"، فعندما يقع حادث مروري ويقوم جهاز الأمن بجمع تقارير الشهود، سرعان ما يجد تضاربا بالمعلومات التي يحصل عليها، فسيقدم كل شاهد تقريره وفقاً للمكان الذي كان يقف أو يجلس فيه، ووفقاً لتركيزه في لحظة الحادث، ووفقاً لشعوره، ووفقاً لكثير من العوامل الأخرى. وفي الإلقاء يتصرف الجمهور بطريقة مشابهه، فسيركز متدرب ما على ما تقوله، وآخر على نغمة صوتك أو إيماءتك، وآخر على ما تلبس، وآخر على طنين جهاز التكييف، وهكذا... وعندما تقوم أنت مثلاً (كمتدرب أو متعلم) بالتركيز على لباس المحاضر أو المدرب، فعلى الأغلب أنك ستسمع بطريقة مختلفة عن ما يسمعه زميلك الجالس بقربك. 

المرحلة (3) التفسير: لا يقوم الشخص باختيار منبه صوتي مختلف عن الآخرين وحسب، بل ويقوم أيضاً بتفسيره بطريقة مختلفة عنهم، فالتفسير هو عملية فك تشفير الرسالة التي تم استقبالها، فعندما تقوم بالتفسير فأنت تقوم بربط معان معينة بالرموز اللفظية وغير اللفظية التي تصلك من المتكلم (كلمات، نغمة، صوت، تعابير الوجه،.......).

 

المرحلة (4) الفهم: عندما تقوم بفك التشفير وربط رموز المتكلم بالمعاني التي تناسبك، تبدأ بموائمة الرسالة مع معرفتك واعتقاداتك، ولكي نفهم المتكلم، لابد من أن نأخذ بعين الاعتبار كلا من محتوى الرسالة وسياقها، فهل يحاول المتكلم أن يعطينا معلومات ما أم يحاول إقناعنا؟ هل يمزح المتكلم أم أنه جدي؟ باختصار ماذا يحاول المتكلم أن يفعل؟ من الأسهل لنا أن نحكم على سياق الرسالة عندما نتواصل مع أحد أصدقائنا أكثر منه مع أحد الغرباء، لأننا نعرفه واعتدنا على الكلمات والرموز التي يستخدمها، فنحن نستطيع أن نميز مزحه من جده من سخريته.

 

المرحلة (5) التقييم: إنها عملية حكم على شيئين: على مصداقية المتكلم، وعلى نوعيه وانسجام المعلومات التي يقدمها. فإذا كان المتكلم شخصاً تعرفه، فستقوم بالرجوع إلى تاريخه معك، فهل حاول أن يغشك يوماً من الأيام؟ وهل كان صادقاً معك؟ وهل علاقتك معه مفتوحة؟ أما إذا كان غريباً عنك فأنت عادة ما تقيس مصداقيته من خلال تلميحاته غير اللفظية، فهل يتواصل معك من خلال عينيه؟ وهل يتكلم بطلاقة دون تلعثم أو كلمات زائدة؟ وهل تعكس إيماءاته وبقية لغة جسده صدق كلامه، وتزرع الثقة فيه؟ إذا كان الجواب على أي من هذه الأسئلة بـ "لا"، فإنك ستبحث عن دوافعه الخفية للتكلم معك. عندما تقوم بتقييم رسالة المتكلم، ستقرر فيما إذا كنت ستصدق المعلومات التي يقدمها، وستؤيد أو سترفض الموقف الذي يؤيده.

 

المرحلة (6) القرار: وهو الخطوة الأخيرة بما سنفعله بهذه المعلومات التي استلمناها، أو نقرر أن نبحث أكثر حولها في المستقبل.

 

نحن نمر بهذه المراحل الست: الاستقبال والاختيار والتفسير و الفهم والتقييم والقرار، ولا نمعن النظر في كل منها بشكلٍ واعٍ، ولكن كلما ارتفعت فعالية وأهمية الرسالة بالنسبة لنا "كمستمعين" كلما زادت فعاليتنا في عملية الإنصات، وهذه نقطة يجب أن يتذكرها كل قائد ومدير ومعلم ومدرب أو أي مؤثر.

 

 

المصدر: موسوعة التدريب والتعليم