Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

عمار بن ياسر

عمار بن ياسر
مشاركة 
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث: 19-10-2016 تاريخ النشر: 29-07-2009

جميل أن يجد الواحد منا من يرأف به، ويتفهم عذره، ويرحم ضعفه البشري، ويهدأ روعه ويواسيه، والأجمل من ذلك أن يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم معضدا بقرآن كريم ينزله الله من فوق سبع سموات! إن هذا هو ما حدث لعمار بن ياسر – رضي الله عنه وأرضاه. إن عمارا كان واحدا من المستضعفين الذين نكلت بهم قريش تنكيلا يفوق قدرة البشر على الاحتمال، وكان من نتيجة هذا التنكيل أنه نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ألهتهم بخير، فقد كان هذا هو الثمن الذي به تركوه!



 

إن لحظة الضعف هذه – التي مر بها – أصابته في مقتل وضيقت عليه نفسه، فما كان يحب ولا يرجو أن يقع فيها وإن قطعوه إربا إربا، ولكن حدث ما حدث، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص عليه فعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ألهتهم بخير فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد. فأنزل الله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم." النحل 106.

قال ابن عباس رضي الله عنه. نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرا وأمه سمية، وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين وجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار، فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن عمارا كفر. فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يبكي. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت [ تفسير الطبري] فأنزل الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

                              فلقد كان رجلا آدم طويلاً يجلس كأنه واقف ويسير كأنه راكب وكان أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، غزير الشعر، أبيض الفودين. كثير الصمت قليل الكلام، عائذا بالله من فتنة، سمع بدعوة الإسلام مبكرا. ووصلت إلى مسامعه آيات القرآن يتلوها محمدا في جوف الكعبة. فقرر أن يلتقي به، ليستمع كثيرا إليه. ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟.. وقريش كلها إلا من عصم الله عيون ترصد بيت ابن أبي الأرقم. وتحول بين أتباع محمد وبين الدخول فيه.. وتذيقهم من العذاب ألوانا إذا جلسوا إليه واستمعوا إلى حديثه..

                                كل ذلك يعرفه عمار... ولكنه لم يستطع أن يقاوم – ولم يكن ذلك في مقدوره – إن أضواء القرآن تجذبه إلى محمد، وحلاوة الإيمان تدفعه إليه فاندفع إلى دار بن أبي الأرقم. يقول عمار: لقيت صهيبا بن سنان على باب دار بن الأرقم ورسول الله فيها، فقلت له: ما تريد؟.. قال لي: ما تريد أنت؟. فقلت أردت أن أدخل على محمد فأسمع كلامه. قال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون. وأسلم عمار وحسن إسلامه. واتخذ مسجدا في بيته، يصلي فيه مع أهله وذويه بعد أن آمنوا بمحمد، وتابعوه في كل ما جاء به. وفي مسجده هذا كان يقرأ آيات القرآن، ويقرئها أهله وهو حريص على خفوت صوته، والإسرار بكلماته، وكان في بعض الأحيان يخرجه صدق القرآن وحلاوة كلماته عما أخذ نفسه به، فيرتفع صوته، مدويا بالقرآن ومجاهرا به.

                                وتسمعت قريش إلى صوت القرآن منبعثا من دار عمار... وتلصصت عيونهم فشاهدوا صلواتهم وخشوعهم. واقتحمت قريش عليهم دارهم، وأخذت تصب عليهم العذاب صبا. ولم تكتف بذلك بل كانت تخرج بهم إلى الصحراء، وتجردهم من ملابسهم، وتلقي بهم على الرمضاء، وتثقل بطونهم بالحجارة وتدمي أجسادهم بالسياط. وتضع فوق أطرافهم جمرات النار. ليعودوا إلى عبادة الأصنام ويكفروا بدعوة محمد. قال عمرو بن ميمون: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به، ويمرر يده على رأسه فيقول: "يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار، كما كنت على إبراهيم". ويقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: أقبلت أنا ورسول الله صلي الله عليه وسلم آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون، فقال ياسر: الدهر هكذا. فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: اصبر، اللهم اغفر لآل عمار فإن موعدكم الجنة. ويستمر العذاب رهيبا متصلا لا تكف قريش ولا تمل، ويدخل أبو جهل علي سمية – أم عمار – يرفسها ويركلها وتقول: أحد أحد.

                                 وكان من الأعمال الجليلة التي ندب إليها رسول الله أصحابه في المدينة بناء المسجد .. وشاركهم في عملية البناء وأخذ يقول صلي الله عليه وسلم: "لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم أرحم الأنصار والمهاجرة فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن. فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون علي ما لا يحملون.. قالت أم سلمة زوج النبي صلي الله عليه وسلم: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض فروته بيده وكان رجلا جعدا وهو يقول: ويح ابن سمية، ليس بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية لقد حدد الرسول صلي الله عليه وسلم قتلة عمار. إنهم ليسوا أصحابه على أي حال.. وليسوا هم الكفار والمشركين.. ولكن جماعة من المسلمين، ولكنهم ينحرفون عن الجادة.

                                 إنهم – كما وصفهم – رسول الله صلي الله عليه وسلم"الفئة الباغية"  وانتهي المسلمون من بناء المسجد، وتمر الأيام ويأتي رجال إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ينعون إليه عمار.. ويخبرونه بوقوع حائط عليه.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما مات عمار". "ابن سمية تقتله الفئة الباغية" صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم وكيف يكون غير ذلك، والله سبحانه وتعالى يقول: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي". ويشهد عمار المشاهد كلها مع رسول الله صلي الله عليه وسلم. كان فارسا قناصا في غزوة بدر، و حاجزا صلبا يصد هجمات المشركين أن تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وفي غزوة أحد. وعاملا في الخندق في غزوة الأحزاب. ومبادرا إلى بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم تحت شجرة الرضوان. وحافظا لكلمات الرسول صلى الله عليه وسلم وداعيا لأعماله في حجة الوداع. وذارفا الدموع الغزار عندما نعى أبو بكر الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أتباعه وأحبابه من يومها أحب الرحيل.. وتمني الهجرة إلى الله وحرص على ذلك، أنه يبغي الشهادة ويطلبها من ربه، ولن يخيب الله رجاءه وتموج الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم بتيارات غريبة وادعاءات عجيبة..

                                ادعى النبوة الرجال والنساء، وارتد جمع عن الإسلام، وامتنعت فئة عن دفع الزكاة. وينهض أبو بكر بهذه الأعباء مجتمعه، ويعد جيشا للقضاء على هؤلاء الكذابين أدعياء النبوة.. وكانت معركة اليمامة، أحد المعارك الضارية التي خاضها المسلمون. أين أنت يا عمار بن ياسر؟.. أتفتقد في مثل تلك الساعة؟.. لا إن هذا لا يكون؟. إنه فوق الربوة العالية أمام باب الحديقة يحارب ويقاتل، ويشجع وينادي. عن ابن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون؟.. أنا عمار بن ياسر هلموا إلي. وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال. وتم النصر للمسلمين، وعادت الجزيرة العربية مرة أخرى إلى رحاب الإيمان. وقبض الله أبا بكر إليه. وعمار بن ياسر هو عمار بن ياسر، ما غير ولا بدل رحم الله أهل الصبر والصدق، وألحقنا بهم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 24 ديسمبر 2005


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع