ولعل أقوى الأدلة على مكانة المرأة في قدر الله هو قدَر إنشاء الأمم، وأخطر مثال على ذلك هو إنشاء أكبر أمَّتين ارتباطاً بتلك المكانة: أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمة بني إسرائيل ومكانة المرأة تتحدد كأساس للأحكام الشرعية التي توفى حقوقها بصورة إنسانية كاملة.

المرأة هي القضية التي جمعت فيها العلمانية أخطرَ شبهاتها حول الشريعة الإسلامية؛ ذلك أن العلمانية تواجه الشريعة بادِّعاء التناقض بين الشريعة والإنسانية.. وقضية المرأة هي الأساس في طرح أي تصور إنساني.. ومن هنا استحوذت هذه القضية على أخطر الشُّبهات الداعية إلى القول بالتناقض بين الشريعة والإنسانية..

وقد انعكست الطبيعة العاطفية لهذه القضية على هذه الشبهات.. مما ساهم في طرحها على سرعة التفاعل معها، وخصوصًا عندما تكون الأحكام الشرعية في الأساس غير مرهونة بمعرفة العلة العقلية منها. ومن هنا كانت مواجهة هذه الشبهات في حقيقتها.. مواجهة لأبعاد أساسية في قضية الشبهات الجاهلية حول الشريعة الإسلامية.. والتي تبدأ دائمًا بأخطر المسائل المثيرة للعاطفة وهي «مكانة المرأة».

 

مكانة المرأة عند الله

قبل الدخول في إثبات مكانة المرأة في الشريعة يجب الانتباه إلى أن هذه المكانة لها أساسٌ مهمٌّ، ألا وهو مكانة المرأة عند الله سبحانه وتعالى: قدرًا وشرعًا.. ومن هنا تثبت مكانة المرأة في قدر الله قبل شرعه سبحانه. ولعل أقوى الأدلة على مكانة المرأة في قدر الله هو قدَر إنشاء الأمم، وأخطر مثال على ذلك هو إنشاء أكبر أمَّتين ارتباطاً بتلك المكانة: أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمة بني إسرائيل...

وذلك عند بناء البيت الحرام الذي تحدد مكانه لإبراهيم، (وذلك حين ولدت هاجر عليها السلام إسماعيل عليه السلام وغارت منها سارة فكان منها ما كان من خصومة معتادة بين الضرائر) (فتح الباري) ليذهب إبراهيم بزوجه هاجر إلى مكان البيت بعد غيرة سارة، التي رُزقت بإسماعيل؛ لتكون بذلك بداية أمة الرسول صلى الله عليه وسلم..

وبذلك يكون قدر أمة الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدأ بالاستجابة لغيرة سارة من هاجر، ثم الاستجابة لدعاء إبراهيم وإسماعيل بأن يبعث في أهل هذا المكان رسولًا منهم، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة مستجابة من دعوات إبراهيم».

وكما كانت مراعاة الله بـ «قدره» لمشاعر سارة كانت رعاية الله لهاجر، حيث كانت رعاية هاجر أساسًا في دعاء إبراهيم: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37].

وكذلك أمة بني إسرائيل يذهب موسى ليبحث عن جذوة من نار تدفئ الزوجة فيدخل الوادي المقدس طوى، ليكون كلام الله معه، ووحي الله إليه، لتنشأ أكبر أمة بعد أمة النبي عليه الصلاة والسلام..

وتكون الأولى من خلال رغبة سارة في رحيل هاجر بعد غيرتها وحفظ هاجر وإسماعيل ببئر زمزم..

وتكون الثانية من خلال رعاية موسى لزوجته.

وبعد تحديد مكانة المرأة في قدر الله تأتي مكانة المرأة في شرع الله..

ومكانة المرأة تتحدد كأساس للأحكام الشرعية المتعلقة بحقوقها بصورة إنسانية كاملة.

وليس أدل على ذلك من خطبة الوداع «اللقاء الأخير» بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، يقوم فيهم ويوصي وصاياه التي ستعيش معهم، ويعيشون بها من بعده إلى قيام الساعة، يقول: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا... ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يطئن فراشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن».

ولعلنا نلاحظ لفظ «أن تحسنوا إليهن» الذي يثبت أداء حق المرأة بصورة إنسانية تفوق مجرد أداء التكليف والواجب والذي يفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» وفي رواية: «ومهما أنفقت فهو لك صدقة حتى اللقمة ترفعها في فيِّ امرأتك ولعل الله يرفعك» فالأمر ليس مجرد الإطعام ولكنه الحنان والرحمة في الإطعام.

ولعلنا نلاحظ في الرواية الأخيرة أن الله يرفع العبد برفعه اللقمة إلى فم امرأته.

وليس أدل علي ذلك -أيضًا- من أن يذكر القرآن المخرج الشرعي الذي جعله الله لنبيه أيوب حتى يمنعه من ضرب زوجته!!

وليس أدل على تحديد مكانة المرأة في الأحكام الشرعية من أن تشمل هذه الأحكام كل الأحوال:
حيث بلغت المعالجة النفسية للزوجة كل أحوالها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى موضع شرب السيدة عائشة من الإناء في حال الحيض.. للدلالة على شدة الارتباط والتوافق..

عن عائشة قالت: (كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب) (صحيح مسلم) وهو الأمر الذي نجده عند اليهود في هذه الحالة عزلة تامة في المأكل والمشرب.
والمرأة تراقب تصرف زوجها معها في حال حيضها؛ لأنها تحاول اكتشاف مدى معزتها عنده وأنه يحبها لذاتها وليس لرغباته وغريزته فقط.

ينزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلمه، فيجد عائشة نائمة بجواره فيُسمعه دون أن يصل صوته إلى عائشة، حتى لا تستيقظ، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: «... فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك» (مسلم).

وهكذا يكون اعتبار حالة نوم عائشة من جانب خير الملائكة وخير الأنبياء والمرسلين!!

وعلى أساس هذه المكانة تُناقش الشبهات.

 

 

موقع الأسرة السعيدة