إن بقاء الأمم واستدامة سعادتهم هو باستقامة أخلاقهم، فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وليعتبر المعتبر بالبلدان التي قوضت منها خيام الإسلام وترك أهلها فرائض الصلاة والزكاة والصيام واستباحوا الجهر بمنكرات الفسوق والعصيان، كيف حال أهلها وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات؟! لا يعرفون صيامًا ولا صلاة، ولا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى حق، قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ففشا من بينهم الفوضى والشقاق، وقامت الفتن على قدم وساق، يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم أموال بعض بحجة الاشتراكية المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

هذا وإن الجرائم الصغائر تقود إلى الكبائر، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تحذيرًا عن محقرات الذنوب، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) [متفق عليه]، يقول الله سورة التحريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) [التحريم:6].

فوقاية النفس من النار تحصل بأداء ما افترض الله وترك ما حرم الله، كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، تحصل بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فما نحل رجل أهله وأولاده أفضل من أن ينحلهم أدبًا حسنًا، يهذبهم على الصلاح والصلاة والتقاة، ويردعهم عن السفاه والفساد والردى، وكلكم راع ومسئول عن رعيته؛ فالرجل راع على أهله وأولاده وبناته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيتها وعلى أولادها وبناتها ومسئولة عن رعيتها.

فمتى كان الرجل راعيًا على أهل بيته وعلى أولاده فمن واجب رعيته أن يرعاهم بالعدل والإصلاح والدعوة إلى الخير، وأن يأخذ بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه حتى يتربوا على محبة الصلاة في الجماعة؛ فإن من شب على شيء شاب على حبه، ولأنه بأخذ يد الولد إليها ومجاهدته عليها يعود حبها ملكة راسخة في قلبه تحببه إلى ربه وتقربه من خلقه وتصلح له أمر دنياه وآخرته، كما أن المرأة راعية في بيت زوجها أن تأمر أولادها وبناتها بالوضوء والصلاة في وقتها وتعلمهم سائر وسائل الطاعة، وأن تجنبهن من عوامل التكشف والخلاعة.

 

سفر البنات العذارى إلى البلدان الخارجية للانتساب بزعمهم

أما سفر البنات إلى الخارج لطلب الانتساب فإن هذا أكبر نكرًا وأعظم خطرًا وأشد ضررًا فيما يتعلق بدينهن وأخلاقهن، والوقاية خير من العلاج، وكل الأشياء مربوطة بوسائلها وأسبابها؛ إذ الوسائل كالمقاصد، وإن قلنا: إن العلم مطلوب في حق الرجال والنساء؛ فإن هذا صحيح، فإن الله يقول سورة البقرة: ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) [البقرة:189]، وليس من باب العلم أن تقصد المرأة المسلمة أستاذًا مربيًا ليس لديه نصيب من علم الدين والأحكام وأمور الحلال والحرام، إذ هو كالطبيب الذي داؤه من دوائه وعلته من حميته، فإن عادم العلم لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه. فإن هذا الانتساب الذي يطلبنه لا يزيدهن علمًا أبدًا، بل ترجع إحداهن كما ذهبت، لكن الفتاة تكتسب به نوعًا من الكبر في نفسها وارتفاعًا في رتبتها مما يصيب القواعد بشيء من الانكسار والذل، وقد يكون من المخلفات من هن أعلى درجات في العلم والعقل من المسافرات للانتساب، والجريمة جريمة فتح الباب للفتاة والسماح لها بالسفر.قد ينبو فهم بعض الناس عن صحة ما أقول، ونصيحتي للجمهور ألا يرمي ببناته وأفلاذ كبده في البلدان الغربية التماسًا للانتساب، نظرًا إلى رجاء ما يحصل من رفع رتبتها ومرتبها ولا يبالي بما ذهب من دينها وأخلاقها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حرم هذا السفر قطعًا كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)) [متفق عليه]، والحلال هو ما أحله الله ورسوله، والحرام هو ما حرمه الله ورسوله، وإن الدولة العظيمة القائمة بإنشاء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات لن تعجز عن حجز مكان من مدرسة البنات أو من إحدى الكليات تعينه للانتساب للبنات مع العلم أن باب العلم مفتوح لهن. لكن يوجد من يعتذر لسفر هؤلاء بدعوى "أنه معهن رقيب"، أو رقباء من الرجال يكفلوهن من الشذوذ والانفراد، وهذا الرقيب لا يغني عنها شيئًا، فإنهن متى وصلن إلى دار الغربة انتشرن فيها وانتثرن، فواحدة تذهب للسوق لحاجتها، وواحدة تذهب إلى صديقتها، وأخرى إلى صديقتها، وأخرى هي أخطرهن حين تذهب إلى بيت الأستاذ لشهادة الانتساب حينما يغلق عليهما الباب ويحضرهما الشيطان، فما خلا رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.  

ثم إن الاصطلاح القائم بأن من ينقص مجموع درجاته عن قدر معين فإنهن لا يقبلن في الجامعات وبالتالي يسعى في سفرهن للانتساب بدعوى أن هذا هو النظام، وأن هذا هو العدل والإنصاف، فإن مثل هذا يدخل فيه التسهيل والتيسير والتعديل والتبديل، فمن واجب هؤلاء المتخلفات أن يفرض لهن مكان في إحدى الكليات والمدارس ينتسبن فيه، أي بعد الاختبار وأن يغلق دونهم الباب، بحيث تبقى أسيرة وحصيرة في بيت أهلها إذ هذا مما ينفيه العدل، والقادرون على إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد وسائر المدارس هم الذين يقدرون على تخصيص محل في بلدهم والاصطلاح العائل والمائل هو القابل للتبديل والتعديل.لأننا وإن قلنا: إن النساء في حاجة إلى العلم والأدب والإصلاح وتعلم سائر العلوم والفنون كالرجال فهذا صحيح، والعلم النافع مطلوب ومرغوب فيه في حق الرجال والنساء، غير أن هذا العلم من الممكن تحصيله لها في بلدها بمراجعة الكتب والفنون وسائر المؤلفات، وبسؤال العلماء عن المشكلات، فإن هذا هو طريقة حصول العلم للرجال والنساء.

فالراسخون في العلم والمتوسعون فيه إنما توصلوا إلى ما تحصلوا عليه بهذه الطريقة، فلماذا تترك المرأة هذا ثم تحرص ويحرص أهلها على سفرها وحدها الذي حرمه الشارع بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)) [متفق عليه]، خصوصًا مثل السفر البعيد الذي تتعرض فيه إلى الأخطار والأضرار، ثم إلى فتنتها والافتتان بها الناشئ عن وحدتها والخلوة بها، وعن اختلاطها بالرجال في الملاهي والمجتمعات وسائر الأحوال والأوقات تقليدًا بما يسمونه تحرير المرأة عن رق أهلها وزوجها، وهن ناقصات عقل ودين، والمشبهة عقولهن بالقوارير في تكسرهن وميولهن، وليس من شأنها أن تطلب علمًا يوصلها إلى سطح القمر بحيث لا تجده إلا في الخارج، وما عداه فإنه موجود في بلدها بدون سفر. 

لهذا يحرم على حكام المسلمين تمكين النساء من السفر إلى الخارج، كما يحرم إعانتهم في سبيل هذا السفر لاعتبار أنه سفر معصية بلا شك، وبالله قل لي ماذا ينفع العائلة الحسيبة المسلمة من سفر ابنتهم إلى المدارس النصرانية تتربى بأخلاقهم ومساوئ آدابهم وعوائدهم؟ إن أكبر ما تستفيده هي اللغة الأجنبية التي لا يمكن أن تخاطب بها أمها ولا أباها ولا أخواتها، وإذا رجعت من سفرها إلى أهلها رجعت إلى أهلها بغير الأخلاق والآداب التي يعرفونها عنها، فترى أهلها كأنهم عالم غير العالم الذي نشأت فيه، وتحمل في نفسها الكبر والازدراء لأهلها فتعيب عليهم كل ما يزاولونه من معيشتهم وأخلاقهم وآدابهم وعوائدهم، ثم تقع العداوة والتنافر بينها وبينهم في كل شيء، وغايتها أنها تبغض أهلها وأقاربها ويبغضونها.

وحتى الأزواج الأكفاء تعزف نفوسهم عن خطبتها والرغبة فيها لعلمهم بأنها متبرجة ومتفرنجة لا تخضع لطاعة الزوج وتكلفه شيئًا من المشاق في السفر بها دائمًا إلى البلدان الأجنبية، ومتى تقلدت عمل الوظيفة فإنها أبعد لها عن الزوج وعن تدبير شئون بيته وعياله، أفلا يكون سفرها للتعلم على هذه الحالة شقاء وضلالة وقطعًا لأواصر الزوجية والعيال، وما تستفيده من مرتباتها فإنها ستكون أبعد بها عن أهلها ويتضخم به خبالها وعدم اعتدالها.وباعتبار أننا مسلمون على الحقيقة فإنه يجب علينا امتثال مأمورات دين الإسلام واجتناب منهياته، ففي صحيحي البخاري ومسلم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسافر المرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم: ((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)) [متفق عليه]، ونهى أن يخلو الرجل بالمرأة وقال: ((لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة وإلا معها محرم)) [متفق عليه]، ونهى القرآن عن إبداء زينتهن للرجال، وهذا كله حاصل متيسر منها في سفرها، فإنها تتزين بزي نساء أهل تلك البلاد من التكشف وإبداء مفاتن جسمها غير مبالية بالحياء والستر، وإنما نهى رسول الله عن هذه الأشياء لكونها كالمقدمات لما بعدهما كما في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) [متفق عليه]،  فلا ينهى الشارع عن شيء إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة.فأقل شيء تستبيح في سفرها هو النظر إلى الرجال الأغنياء ونظرهم إليها، وما من نظرة إلا للشيطان فيها مطمع، فهي في مبدئها نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة ثم خطيئة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة)) [صححه الألباني، صحيح الجامع، (7953)]، وقد قيل: "كم نظرة أثارت فتنة وأورثت حسرة".

إن الرجال الناظرين إلى النساء     مثل السباع تطوف باللحمان

إن لم تصن تلك اللحوم أسودها     أكلت بلا عوض ولا أثمان

فلا أدري ما حجة هذا الرجل الذي جعله الله راعيًا على أهل بيته، متى سُئِل عن سفر ابنته لبلدان أوربا، وهل يصدق عليه أنه قام بواجب رعايته في أمانة تربية ابنته، فحاط بحفظها وصيانتها حسب استطاعته، وفاء بصدق أمانته وحسن رعايته، أم ضيع ما استؤمن عليه، وفرط في رعايته، وقذف بابنته في هاوية الفتنة والافتتان بها، وتركها تتصرف كيف شاءت بدون مراقب ولا وازع.

ومن ذا يثني الأصاغر عن مراد     وقد جلس الأكابر في الزوايا

إنه لا ينبغي لنا أن نحسن الظن بهؤلاء البنات في سفرهن إلى الخارج والحالة هذه، بل يجب أن نحسن العمل برعاية حمايتهن عن مراتع الفتن، فإن من وقع في الشبهات وقع في الحرام.

وحسن ظنك بالأيام معجزة        فظن شرًا وكن منها على حذر

وكذا يقال في الأئمة الذين جعلهم الله رعاة عل عباده بأنه يجب عليهم أن يغرسوا في نفوس رعاياهم التخلق بمحبة الفرائض والفضائل وحمايتهم عن منكرات الأخلاق والرذائل باستعمال الأسباب والوسائل؛ "فإن الوقاية خير من العلاج، والدفع أيسر من الرفع"، أولم يكن الأوفق والأليق لهذه البنت ولأهلها أن تتعلم سائر العلوم عند أهلها وفي مدارس بلدها لتستعين بالبيئة والمجتمع على تهذيبها وصيانتها وحسن تربيتها وحسن الظن بها، وحتى تكون في بيت أهلها وزوجها صالحة مصلحة تعاملهم وتعاشرهم بالمعروف والوفاء بدون نفرة ولا جفاء، وحتى تكون مثلًا صالحًا لأخواتها وأهل بيتها، وكاليد الكريمة لزوجها في إدارة شئون بيتها وعيالها فتعيش سيدة بيت وسعيدة عشيرة، ولا يوفق لهذا إلا خيار النساء عقلًا وأدبًا ودينًا.

إن تحويل النساء المسلمات عن أخلاقهن الإسلامية يقع بتأثير أخلاق أرواح أجنبية غايتها تحويل المسلمات عن دينهن وجميل أخلاقهن إلى اتباع الأوربيات وتقليدهن في عاداتهن، وكل ما ذكرنا من خطورته على العفاف والدين فإنه من البراهين التي لا مجال للجدل في صحتها.

إن النصارى لا يعدون الزنا جريمة، وإن الاختلاط بين الطلاب من الشباب والشابات، واحتكاك بعضهم ببعض جنبًا إلى جنب، وجريان الحديث والمزاح من بينهم، ثم المصاحبة والخلوة كما تستدعيه المجالسة والمآنسة، فإن هذا العمل ضار في ذاته ومؤد إلى الفاحشة الكبرى في غايته وسوء عاقبته، لأنه يعد من أقوى الأسباب والوسائل لإفساد البنات المصونات وتمكن الفساق من إغوائهن، فهل أنتم منتهون؟!((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)) [المائدة:92].