سعة العلم وعمومية الهدف

إن أول شعار رفع في الإسلام {اقرأ}(1) ثمَّ {ن والقلم وما يسطرون}(2) ثمَّ رفع شعار {والطور وكتابٍ مسطور في رق منشور}(3) فأقسم الله بأدوات الكتابة (القلم والدواة والورق) وهي في الواقع بداية أدوات العلم والحضارة.

وأقول: للأسف فقد غلب على الناس ولأمد طويل أن العلم الذي يوصل إلى مرضاة الله هو العلم المحصور في المواد الشرعية، ولعمري تلك إذاً قسمةٌ ضيزى وجائرة, بل وما هو المبرر لهذا التقسيم في الأصل أن نصنف علماً شرعيّاً وعلماً غير شرعي؟ مع أن العلوم النافعة أياً كانت من وجهة نظر الإسلام كلّها شرعيّة ومندرجة ضمن مرضاة الله سبحانه, وكل علم يعود على الناس بالخير والهدى والبر والرفاهية والتقدم هو علم محمود مأجور صاحبه

ومن أول يومٍ ظهرت فيه رسالة الإسلام حضت على التمسك بأسباب العلم والحضارة والرقي ،حتى مرّ على الأمة زمان غدت حلقات العلم على عدد سواري مساجد هذه الأمة ..عند كل سارية حلقة علم ليس فقط للتفسير أو الحديث أو التجويد بل حلقات علم في القانون (الفرائض)، وفي علم الهيئة الفلك، وفي علم الإسطرلابات (الميكانيكا) وفي الطب والجيولوجيا، وغير ذلك.

فكانت المساجد مدارساً، والجوامع جامعاتٍ خرّجت الأئمة والشيوخ والخطباء وأساتذة الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات حتى إذا ما توسعت الأمة نصبت مدارس ومخابر خاصة لهذه العلوم فقال بعض الجهال: إن علم الجامع منفصلٌ عن علم الجامعة. والقول الحق: إنه تكامل وتحرير وسائل ومناهج تخصص.

فلا بدّ للشباب المسلم اليوم وهم يسعون إلى امتحانهم في مختلف فروع العلم والتخصص أن يعلموا تماماً بأن هذا السعي مأمورون به في الإسلام، مأجورون عليه عند ربّ الأنام إن كان مرتهناً بنيّة عزة هذا الدِّين ورِفعته ولنفع الناس وخدمتهم، ونية رفع شأن هذه الأمة ورُقِيها، وبنيّة تنفيذ أمر نبيّ هذه الأمة بقوله: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))(5)، والفريضة أشد من الفرض فإن صلُحَت النية في طلب العلم وصلح الهدف في تقديم امتحانات آخر العام فليعلم عندئذٍ كل طالب وطالبة أن دراستهم وسهرهم وجدهم وجهدهم وامتحاناتهم هي عبادة وطاعة لعلها تفوق عبادة المتهجد أو الصائم القائم، لأن الأخير هذا يصلح فيما بينه وبين ربه أما طالب العلم بنية صالحة كتلك التي ذكرت يكون قد هيّأ نفسه لإصلاحها وإصلاح العباد وسائر الأمة ورفع شأنها وحل مشكلها وقضاء حوائجها في كل مناحي العلوم والتكنولوجيا والتقدم, لا أن تكون نية المتعلم فقط الشهادة الجامعية أو لقمة العيش أو إشباع رغبة في فرع جامعي أو الكرامة أو الرِّفعة بين الناس فيكون بذلك قد حجّر على نفسه واسعاً وضيّق وضيّع على نفسه الثواب والأجر وأضاع جهده وتعبه لعرضٍ من الدنيا قليل وخسر النية التي ينبغي أن يثقّل بها ميزانه يوم القيامة.

ولو كان الإسلام الآن حيّاً في النفوس كما كان في الصدر الأول من الإسلام لجعل تعلم الكمبيوتر وعلم الاتصالات وعلم الفضاء والتكنولوجيا بكل أنواعها وعلم الذرة والجيولوجيا واللغة من واجبات المسلم إلى جانب تلاوته للقرآن وتعبده وصلاته وصيامه. ولبنى الإسلام عند كل مئذنةٍ مدخنةً وعند كل جامعٍ جامعةً ومصنعاً ومركزَ علومٍ ودراسات. أليست الرجال التي شكلت تيارات واتجاهات تعلّمت منها أوروبة وتتلمذت عليها وقررت كتبها قروناً طويلة هم ثمارٌ من ثمار الإسلام ونتاج من نتاج القرآن؟ نعم، لولاهم لما عرفت أوروبا ولا كل الإنسانية تراث الإغريق واليونان الذين نقلوهم وأعادوا صياغتهم مع الشرح والتعليل والإضافات والنقد والتحليل كأبي الريحان البيروني في (الجغرافيا والرحلات ومقارنة الأديان)، والشريف الإدريسي في (الجغرافيا والفلك)، وابن سينا وابن النفيس في (الطب والفلسفة)، وابن الهيثم في (البصريات)، والرازي وجابر بن حيان في (الصيدلة والكيمياء)، والخوارزمي في (الرياضيات)، وابن خلدون في (علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ)، فلا تعجب بعد نتاج الإسلام هذا عندما تعلم أنه كانت أكبر كاتدرائية في أوروبا بالعصور الوسطى لا تضم أكثر من 192 كتاباً بينما مكتبة الحكيم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر المتوفى (366هـ) في الأندلس تضم أكثر من أربعمائة ألف مجلد.

نعم إنها أمة الإسلام التي أدهشت نابليون بعظمتها، كيف أن الإسلام استطاع أن يوحد نصف العالم في ربع قرن؟

فلقد كانت الحركة العلمية بين المسلمين موضع تنافس بين ملوكهم وأمرائهم وحواضرهم وبواديهم، فكلما كانت تظهر المذاهب والمدارس الفقهية والشرعية كانت تظهر بالمقابل أيضاً المدارس الكلامية والفكرية واللغوية والعلمية حتى ارتقى المسلمون عرش الكيمياء والفيزياء والهندسة والطب وسائر العلوم، ومعروفٌ لديكم كيف أن طبيب صلاح الدين الأيوبي هو الذي عالج خصمه ريتشارد قلب الأسد بالعقاقير بعد أن كاد طبيب هذا الأخير يقضي عليه بدعوى أنه مسحور ويحتاج إلى وسائل عنيفة لعلاجه.

أليس نبينا هو القائل: ((اطلبوا العلم ولو بالصين))(6) ولم يقصد عندها علم القرآن أو المواريث أو التجويد إذ لم يكن في الصين هذا العلم، وما احتاج العرب أن يذهبوا إلى الصين لتعلم أحكامهم الشرعية بل قصد علم التطور... علم الحياة... علم القوة والتفوق في كل شيء، وحقاً نجد في هذا القرن كيف أن الصين عَوَّمَت أسواق العالم، ومنتجاتها في كل سوق تجاري ومجمع صناعي.

ولعله قُصِدَ في الحديث أيضاً أن هذا العلم لو كان في أقصى الدنيا فاطلبه فطلَبُكَ له عبادة وربك القائل لنَبِيِّه:ِ {وقل ربي زدني علما}ً(7).

أليس نبينا المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي صرف زيد بن ثابت لتعلم السريانية فحفظها في سبعة عشر يوماً وقال له: ((تَعَلَّم كتاب اليهود، فإني والله ما آمن اليهود على كتابي))(8) ودفع آخرين من أصحابه لتعلم الزراعة والري فحفر في المدينة أربعة وخمسين بئراً ولولا هذا العلم لكانت المدينة مهددةً بالعطش والخراب، أليس النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أنشأ سوقاً للمسلمين وحدد أطرافه على الأرض بعصاه الشريفة في المدينة ليصَنِّعوا فيه وينتجوا ويبيعوا ويشتروا، عندما رأى أن التجارة كانت حكراً بأيدي اليهود، وهو رسول الله الذي تمنى أن يُكَرِّمَ بطل الإنتاج والتصنيع في المدينة (تميم الداري) الذي أنار المسجد وأحياء المدينة؛ تكريماً فريداً من نوعه، فقد روى سعيد بن زبان: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند: أن تميماً لما أنار مسجد الرسول قال النبي: ((من فعل هذا؟)) قالوا: تميم الداري يا رسول الله. فقال: ((نوَّرت الإسلام، نَوَّرَ الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنةٌ لزوجتكها))(9).

ولما رأى النبي مسلما يحمل قوساً روميةً نهره وقال: ((ارمِ بها [يعني القوس الفارسية] عليكم بهذه [يعني القوس العربية وأمثالها ورِماح القنا] فإن بهذه يمكن الله لكم في البلاد ويزيد لكم في النصر))(10)، ثم أرسل بشابَّين إلى اليمن كي يتعلما صناعة الأسلحة فيزيدهم ذلك قوةً وتفوقاً وقدرةً.

أليست هذه دعوةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون أسلحتنا من إنتاج أيدينا؟!

فأين نحن من إسلامنا وقرآننا الذي غدا هامشاً صغيراً في حياتنا وضَيقنا معانيه فضاقت بنا الحياة وضَيَّعناه فضعنا وأخَّرناه خلف ظهورنا فتأخرنا ونسينا تعاليم نبينا فنَسيَتنا الحضارة والأمم.

فدعوتي لطلابنا اليوم أن يَصْدُقوا الله في دراستهم ويُخلِصوا النِّية في طلب علوم الحياة وما يصلح هذه الأمة، وأن يُجِدُّوا ويجتهدوا ما استطاعوا لتحصيل درجات التفوق في كل شيء {وأمرت لأن أكون أول المسلمين}(11) فإنها المسؤولية الملقاة على عواتق هذا الجيل في رأب الصدع الذي أحدثه أعداء هذه الأمة، وأن نحَوِّل نية السعي والدراسة والسهر والامتحان لتكون في سبيل الله ولدينِهِ وطلب مرضاته ونفع الأمة في دينها ودنياها فإن كثيراً من المعاني عندئذٍ ستتغير في النفوس وسَتُخْلَقُ فينا هِممٌ جديدةٌ وأهدافٌ نبيلةٌ يفتقدها أهل الغرب جميعهم، فكل علمٍ ينفع الناس ويصلح أحوالهم وينهض بهم ويقَوِّمُ حياتهم ويدفع بهم إلى سِدَّةِ الرفعة والمجد إذا قُصِد به مرضاة الله فهو عبادةٌ وطاعةٌ مقبولةٌ عند الله بإذن الله {والعمل الصالح يرفعه}(12)



وفقكم الله وسدد خطاكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



 

 

المصدر:سعة العلم وعمومية الهدف

1- سورة العلق آية 1

2- سورة القلم آية 1-2

3- سورة الطور آية 1-2-3

4- سُنن ابن ماجه كتاب المقدمة 220

5- رواه ابن عدي في صحيحه، والبيهقي عن أنس، والطبراني في الصغير، والخطيب عن الحسين بن علي، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري.

ا6- أخرجه ابن عدي والبيهقي وابن عبد البر في العلم، وقال الناري في فيض القدير: لم يصح فيه إسناد 1/542-543.

7- طه آية 114

8- رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي يعلى، وابن عساكر 2/115، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد 5/185، حياة الصحابة 3/216.

9- رواه القرطبي في المجلد السادس صفحة 274.

10- رواه مالك في الموطأ، والبيهقي في السنن عن سيدنا علي كنز العمال 4/10849.

11- الزمر آية 12

12- فاطر آية 10