أبى بعض الأزواج إلا أنْ يكون لهم نصيب في راتب زوجاتهم، فقد ضمنوا نصيبهم في جسدها، واستنفدوا ما تمكنوا عليه من شبابها، وشغلوا كلّ ساعاتها وأوقاتها، وتركوها بمفردها تربي وحدَها تسهر، ثم أخذوا منها جهدَها وطاقتَها بالمطبخ والغسيل والتنظيف، وبقيّة الوقت الذي يتاح لها في المذاكرة للأولاد وترتيب دروسهم. والآنَ ما أحسن الزوجة حين تكون ذات راتب ودخل شهري، ولعلّ أحد المغريات في المرأة اليوم مضافاً إلى خلقها ودينها وجمالها، أصبح المال... فهو شديد الجذب والإغراء.

هذا البعض من الأزواج ينطلق من فرض يفرضه على زوجته وواجب يحملها إيّاه، فالراتب ليس لها، بل من واجبها أنْ تسلمه للزوج يفعل به ما يشاء ولذلك يتعامل معها تعامل الملزم الذي يرتب آثاراً سيئة على الزوجة إذا رفضت تسليمه المال، أو امتنعت عن الصرف في مورد أمرها بالصرف فيه. وضاع كلّ العمر تقول إحدى المجروحات: «كنتُ أعمل معلّمة ولمدة عشرين سنة، وكان راتبي يتجّه إلى شراء الأرض التي كتبتها باسم زوجي، ثم اقترضتُ من المصرف لبدء البناء، وقد انتهينا قبل سنوات مضت من بناء المنزل الذي سكنت فيه مع زوجي أربع سنوات فقط، لقد طلقني زوجي، وكل شيء باسمه، فالأرض باسمه والبناء الذي دفعت فيه حياتي وتعبي أسكن فيه زوجة أخرى، وأنا ما زلت أسدد بعض الديون لزميلاتي من المعلّمات، مضافاً لأقساط المصارف التي اقترضتها من أجل البناء».

وتقول أخرى وهي في حالة أفضل لولا حزنها على فراق زوجها الذي غيّبه الموت: «لقد كان راتب زوجي لا يكفينا لآخر الشهر في مصاريفنا العادية، غير أنّ راتبي الذي كان يفوق راتبه بضعفين كان يصرف على شراء منزل لنا، وقد وفقت فعلاً في شراء منزل بقيمة ثمانمئة ألف ريال كلّها من تعبي ورواتبي، لكن الموت لم يمهل زوجي كثيراً، وأنا الآنَ لا أملك في منزلي إلاّ حصة الزوجة التي مات زوجها وله أبوان وأولاد، مع أنّ زوجي لم يساهم في المنزل بريال واحد». لقد أصبح التعامل مع راتب الزوجة مقلقاً ومحزناً بسبب تصرفات بعض الأزواج ، الذين يتعاملون معه باعتباره ملكاً لهم، ويجب أنْ يكون تحت تصرفهم!

فبعض الزوجات يتعرضنَ للضرب والأذى والإهانة حين يرفضنَ إعطاء رواتبهنّ وحساباتهنّ المصرفية لأزواجهنّ، وقد نشرت صحفنا المحلية في الأسبوع الماضي خبراً مفاده أن تونسياً من محافظة بنزرت أقدم على ذبح زوجته من الوريد إلى الوريد؛ لأنّها احتجت على بيع أثاث المنزل، ورفضت تسليمه راتبها الذي تتقاضاه من مصنع للنسيج، وقد اغتنم الزوج المجرم فرصة خلود زوجته للنوم وذبحها بالسكين. توثيق الحقوق سيكون خارجاً عن المألوف أنْ تكون دعوتي إلى كلّ زوجة عاملة أو ثرية أن تثبت حقوقها، وأن توثّق ما تصرفه (ليس في المعيشة اليومية) بل في القضايا الثابتة والرئيسية كشراء الأرض أو بناء المنزل أو حتى التجارة في سوق الأسهم أو غير ذلك إذا كان من يديرها هو غيرها كالزوج، حتى لا تضيع حقوقها، ولا تندثر أتعابها.

أن بإمكان المرأة أن تكتب الأرض باسمها إذا اشترتها من أموالها ورواتبها، وإذا كتبتها باسم زوجها فبإمكان المرأة أنْ توثق ذلك وتشهد عليه. لن يستسيغ أغلب الأزواج ذلك، وسيقومون بعملية ابتزازعاطفي للزوجة ليثنوها عن ذلك بإظهار الزعل وعدم الرضا، وسيقولون: «لم نتوقع هذا التعامل من أم أولادنا بعد هذه العشرة الطويلة»، لكن أفضل شيء لحفظ الحق وعدم ضياعه هو إثباته وتوثيقه بعيداً عن العواطف.

صحيح أنّ الحياة بين الزوجين أرقى وأعلى من التوثيق والتدوين والإثبات والإشهاد، لكن القصص التي تحصل وتذهب ضحاياها العديد من الزوجات، تفرض بتكرارها نوعاً من السعي العاقل، الذي يمنع أو يقلل حدوث مثل هذه النكبات بحقهنّ. ثم إنني لا أرى تصادماً بين علاقة متينة وقوية بين الزوجين وبين حفظ الحقوق لكل منهما، بل إن تأكيد الحقوق وحفظها يجعل الاستقرار والاطمئنان أكثر بينهما في علاقتهما الزوجية. وقد لا تسمح عادة الناس بذلك، لكن الأمر ليس غريباً، فالناس لا يكتبون الدين الذي يكون بينهم، وأغلبهم ينزعج إذا طلبت منه توثيق الدين، لكن القبول والاستجابة لهذا الانزعاج ومن ثم خجل الناس في توثيق الديون بينهم أضاع حقوق الكثيرين، وأفلس آخرين، وكدس أعداداً من الطيبين في السجون وبغطاء أنّ القانون لا يحمي المغفلين.

محمد الصفار

 

موقع الأسرة السعيدة