خلّي بالك يا أختي! هذه نصيحة أنصح بها أختي المسلمة عموماً وقارئة المقال خصوصاً! خلّي بالك من وجود خادمة في المنزل، لأنّه وضع معلق وفي بعض الأحيان خطير بل وخطير جداً! وقبل الخوض في الموضوع - أحب أن أُثبت عدة أمور:

 

أولها: إنّني أُحذر من الوضع أكثر من تحذيري من الشخص لأنّ التحذير من شخص بعينه معناه بداهة أنّه شخص غير جيد، وهذا ما لا أجرؤ على رمي امرئ أو طائفة من الناس به جُزافاً كما هو الحال في مقالنا.


ثانياً: إنه ليس من الضروري لكل وضع مريب أن يكون وراءه أشخاص شريرون بل من الممكن أن نجد وضعاً متأزِّماً حتى في حالة وجود أناس بسطاء طيبين لا يسعون إلى إثارة المشكلات أو الأزمات، هذا ما سأوضحه في المقال بإذن الله تعالى.


ثالثاً: إنّني لا أريد أن أؤلب أحداً على أحد ولا أسعى لتأجيج المشاعر ودفع الناس إلى ظلم بعضهم البعض بل على العكس، أريد حلاً لوضع معقد يتراحم فيه الناس، ويؤدي كل واحد فيه واجبه تجاه الأخر بغير ظلم، بمنتهى الواقعية.

 

رابعاً: إنّني لن أسعى في مثل هذا الموضوع لاعتماد سياسة التبرير جملة وتفصيلاً والتي قد تكون ناجحة في غيره من الموضوعات بل سألجأ إليها في حالات معينة وأنأى عنها وألجأ إلى بديل لها في حالات أخرى أيضاً للمصلحة بإذن الله تعالى والله الموفق!


والآن هيا بنا إلى تفاصيل الموضوع! الذي أبدأه بسؤال: تُرى ما الذي دعاني إلى التحذير من هذا الوضع - وضع وجود خادمة في المنزل؟ الرجل كان أم المرأة، وعلاقتهم ببعضهم البعض! ولنبدأ بالأبناء، إن الولد (الذكر كان أو الأنثى) الذي يسلّم لامرأة غير أمه لتكون أمه البديلة لن يلبث أن يتعلق بها وجدانيا تعلقاً عميقا، فهو لا يرى غيرها تلاعب وتطعم وتسقي وتنظف وتواسي وترتب إنّه لا يرى غيرها توفر له مفردات الاحتضان والاحتواء تلك المفردات التي بدونها لا تصبح الأمومة أمومة، وإلا قولوا لي بالله عليكم ما قيمة أُمٍّ لا تحتوي ابنها، ولا تحضنه، ولا تسمع له، لا تفرح لفرحه ولا تحزن لحزنه، لا تغمره عيناها بالعطف والحنان، ولا تدور حركتها في الحياة لحمايته وحفظه، إنّ المرأة التي تعتقد أن وظيفتها تجاه أبنائها هي أن تأتي لهم بمن يحل محلها في أمومتها، امرأة تحكم أولاً على أبنائها بالبوار النفسي، وعلى نفسها بعقوق ليس له حل!

 

إن عاطفة الحب ليست عاطفة أحادية الاتجاه، بل هي عاطفة ثنائية تبادلية، فالأم التي تغمر أبناءها بالحب وتحوطهم به، سيردون لها الجميل لا محالة بإذن الله تعالى، أمّا التي تتعامل معهم معاملة الملاحظ الحكومي الذي يمر على الأفراد للتأكد من أدائهم لوظائفهم والأعمال المنوطة بهم بدون مَسْحَة حب ظاهرة ومحسوسة فستندم يوم تراهم يطمئنون عليها اطمئناناً بارداً، في الوقت الذي ستكون في أشد الحاجة إلى الرعاية والحنان! إنّه نظام الكون القائم على الحقوق والواجبات القائم على الفعل ورد الفعل، القائم على "كما تدين تدان"، والقائم على: "مَنْ جَدّ وَجَد ومَنْ زَرَعَ حَصَد"! إنّني أُحذر أختي المسلمة من مصير العقوق الذي ينتظرها إذا هي لم تلتفت لهذه السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، قال تعالى: "ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً" (فاطر - 43) ما رأيكم في هذه المشكلة؟ ومن وجهة نظركم من هو المخطئ فيها؟ هل هي الأم أم الخادمة؟

 

إنّ الخادمة هنا في هذه الجزئية بريئة، إنّها تقدم ما يطلب منها ولا تتعمد سرقة الأبناء نفسياً من أمهاتهم، بل على العكس ربما يكون دافعهم الحقيقي طبيعة فطرية وميلاً عاطفياً تجاه الأطفال الصغار ومع ذلك حدث شرخ في العلاقة بين الأم وأبنائها، ولهذا حذرت في بداية المقال من الوضع ولم أحذر من الشخص؟!


الآن أنتقل إلى الجانب الثاني الذي تكتمل به الأمومة وهو التربية، فالأمومة ببساطة احتضان بكل ما تحويه هذه الكلمة من معان دافئة وتربية! ما الذي يتوقعه امرؤ لطفل ربته خادمة؟ وأقسم بالله إنّني لا أسأل السؤال من باب التهكم أو الحط من قدر أي أحد، بل أسأله لسرد إجابته المنطقية والواقعية والتي تحتاج إلى تأمل عميق لتدارك نتائجها! هل نحن مختلفون في أنّ كل إناء بما فيه ينضح؟! أعتقد: لا! إنّنا لابد أن نقر أن الإمكانات التربوية لهذه المرأة التي تعمل في البيت، ستكون مرتبطة بالبيئة التي جاءت منها، ستستخدم ألفاظ هذه البيئة نفسها، وستعبر عن نفسها بالأسلوب نفسه الذي كانت تقوم به في بيئتها، وستملأ أدمغة الأولاد بالموضوعات التي تلوكها بيئتها، ستُسرِّب إليهم نفسيتها التي نشأت عليها سيسجلون سلوكها وسيحاولون محاكاتها بقصد أو دون قصد في ذلك كله! وستكون المحصلة النهائية لشخصياتهم علامات استفهام وتعجب كثيرة وكبيرة! بالمناسبة حتى في هذه الجزئية قد تكون الخادمة أيضاً بريئة – لأنّها في الحقيقة لم تَتَعمَّد السوء فهذه هي إمكاناتها وهذه هي بيئتها إنما الخطأ يقع على الطرف الآخر لأنّه هو الذي أرسى الوضع وهو الذي انتقاها ولم يحدد لها دورها، ولم يوضح لها حدودها، بل ترك لها الحبل على غاربة والبيت بما فيه ومن فيه!.


بالمناسبة هذا العنوان عبارة عن صرخة أُمٍّ فُوجِئت في بيتها بأولاد غير أولادها، لقد بُدّل أطفالها وأصبحت تعيش مع أولاد غير أولادها، وتعالوا نستمع إلى القصة من أولها على لسان صاحبة الشأن! التي تقول: "نشأت في بيئة صالحة ترعى حدود الله إلى حد كبير، تعرف الصواب والخطأ والفضيلة والنقيضة وكان أهم ما يميز بيئتي وأسرتي التي نشأت فيها الاتزان، لقد كان كل من حولي وما حولي متزناً لا يجنح إلى التطرف في أي اتجاه، وأحسست أنّ هذا الأمر نعمة كبيرة، تستحق السعي والرعاية وكنت مصممة على تنشئة أولادي على ذلك حتى ينعموا بنعمة السكينة والهدوء والسلام الداخلي الذي كنت أشعر به وأعايشه، ولكن للأسف لم يحدث ذلك! لقد أجبرتني ظروف خاصة لا داعي لشغل الناس بها، على العمل خارج المنزل وعملت في وظيفة محترمة تستهلك الفرد مقابل عائدها المالي الكبير وكان طبيعياً أمام تلك الظروف أن ألجأ إلى من يرعى أبنائي أثناء غيابي، وفتحت الباب! باب الخادمة!

 

وظل هذا الباب مفتوحاً منذ خمس سنوات بداية خروجي للعمل إلى الأبد! وكبر أولادي الثلاثة، ولدان وبنت، والذين كانت أعمارهم لمّا خرجت إلى العمل على الترتيب: أشرف الولد الأكبر تسع سنوات، ونورهان سبع سنوات، ورامز ثلاث سنوات، وقد أصبحت أعمارهم الآن الولد الأكبر 14 والبنت 12 والولد الأصغر 8 سنوات، إنّ ضغط العمل لم يكن يُتيح لي فرصة عميقة لمتابعة تشكيل شخصياتهم، وتكوين نفسياتهم، والتعرف على هوياتهم وغير ذلك مما لا أعفي نفسي منه، غير أنّي كنت عندما أرى شيئاً منهم، أو في سلوكهم، أعزو ذلك إلى الخادمة وتأثيرها فيهم، ثم أقوم باستبدالها، وصدقوني قد أكون في هذه الخمس سنوات قد استبدلت أكثر من عشر خادمات، لكن للأسف لم يُحْدث هذا الاستبدال أي تحسن إيجابي بل ربما زاد الطين بله، وانضمت إلى السيئات المكتسبة من الأولى، سيئات الثانية وإلى الثانية سيئات الثالثة وهكذا، حتى أصبح أبنائي الثلاثة على الشكل الذي سأوضحه الآن والذي أرجو له علاجاً أو تداركاً.

 

ابني الأكبر ذو الأربعة عشر عاماً أصبح مُدلّلاً بشكل استفزازي، فهو لا يقوم بنفسه بأي عمل من الأعمال، يتصرف تصرفات من يعتقد أنّ مَنْ حوله مِن الآخرين إنّما خُلقوا لخدمته وللتسريه عنه، ولحل مشكلاته، وللإنصات إليه عندما يتكلم والانصراف عنه عندما يغضب، إنّه لا يتحمل النقاش أو التصويت في الآراء أو المصارحة بالخطأ، الناس كلهم بالنسبة إليه جهاز استقبال ليس إلا، ولا يعرف شيئاً عن تحمل المسؤولية سواء فيما يخصه أو ما يخص أخويه الأصغر منه، وقد يسألني سائل ويقول لي ما دخل الخادمة في ذلك؟ أقول له إنّ الخادمة بحكم طبيعة عملها لا تقوم ولا تستطيع أن تقوم بدور المربية التي تنبه إلى الخطأ، وتمنعه، أو تزكي الصواب وتدعو إليه لأنّها ربما لا تملك تلك الإمكانات التربوية أصلاً لأنّها لا تملك السلطة ولا المواصفات النفسية التي تجعل لتوجيهها_ حتى في حالة صدوره_آذاناً مصغية من "البيه الصغير" الذي تعمل عنده وعند والدته، التي لن تتوانى في استبدالها إذا اشتكى لها منها البيه الصغير، لذلك فهي حتى إذا رأت الخطأ ستؤثر السلامة وستبتعد عن التوجه، هذا ناهيك عن التدليل المستمر والمتمثل في تنفيذ كل ما يأمر به البيه الصغير، دون مناقشة أو تصويب! هذا ما أصاب الابن الأكبر والذي أدى إلى ما وصل إليه.

 
أما البنت ذات الـ12 سنة فمشكلتها مختلفة، إنّها تتكلم وتشغل نفسها بموضوعات وقضايا لا تناسب سنها ولا طفولتها، إنّها تتكلم في موضوعات وقضايا الستات، تارة عن الطلاق، وتارة عن النفقة، وتارة عن المهر، وتارة عن الحماة، وتارة عن السلايف وهكذا، إن براءة الطفولة حَلّ مَحلّها هم وانشغال بال بمصائب الزمن وتقلباته، مَن قال إنّ طفلة في مثل هذه السن لا تسعى ولا تستمتع إلا بالمسلسلات التي يغلب عليها الفكر الاجتماعي من قال ذلك؟ ولِمَ؟ إنّ هذا الاستدراج النفسي في هذا الاتجاه تَمّ بفعل فاعل، تم عن طريق الخادمة التي يصعب واقعياً أن يكون في حياتها وعلى لسانها غير هذه الموضوعات التي تَلُوكُهَا، أو تشغل غيرها بها!


أمّا الولد الأصغر فمشكلته أَمَرّ وأصعب، إّنه إلى الآن ورغم بلوغه الثامنة من عمره لا يزال يتبول على نفسه، وتظهر عليه أمارات الخوف الشديد كلما نهره أحد، أو نادى عليه بصوت عال، إنّه على استعداد أن يكون في أي صحبة، حتى إن كانت هذه الصحبة تسخر منه بدلاً من أن يكون وحيداً، إنه لا يشعر بأي أمان ويخاف من كل شيء ولا أدري حلاً لهذه الحالة التي هو عليها، وإنّما أدري سببها فقد علمت مؤخراً أنّ إحدى الخادمات كانت تخوفه بقصص مرعبة وكانت تهدده بالضرب بل في بعض الحالات كانت تضربه بالفعل ليسكت أو ليمتثل لما تريده، إنّ كل ما رويته وأكثر منه وجدته ولا أدري له حلاً، ادعوا لي لعل الله سبحانه وتعالى يوفقني لإعادة تأهيل أولادي مرة أخرى فإنكم لا تدرون المرارة التي أشعر بها وأنا أراهم على ما هم عليه الآن"! انتهت رسالة الأخت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وللحديث بقية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 24 أغسطس 2004