لا نستطيع أن نكون إلا أبناء عصر السماوات المفتوحة والطريق السريع للمعلومات والعولمة، وهو عصر يتسم بالجدل والكشف، حتى إنه لم يترك شيئاً مهماً كان مقدساً إلا جادل فيه، وذهب في محاولة الكشف عن أسراره إلى أبعد الحدود، وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على العلاقات الحسية، حتى إنها أضحت تعرض على الملأ، بعد أن هتك حجاب الحياء، ونزع ستر الدين عند كثير من الناس، فالفضائيات تعرض سيلاً لا ينقطع حول العالم عن العلاقات الحسية والعاطفية، وهو عرض لا يعرف في أكثر الأحيان حدوداً من حلال أو حرام، عدا بعض القنوات الفضائية الرصينة التي تعد على الأصابع، كما أن شبكة المعلومات الدولية الإنترنت تعرض معلومات مفصلة واسعة في هذا الجانب إلى درجة توصف معها بعض مواقعها بأنها إباحية.

حيرة الشباب بين المتناقضات وعلى جانب آخر مما ذكرنا، نجد الأسرة في بلادنا لا تقدم لأبنائها دائماً التربية الإسلامية التي تحصنهم من التأثر بهذا السيل العاتي من المعلومات التي يختلط فيها الغث بالسمين، والخير بالشر، والحق بالباطل، ولا تقدم الأسرة لأبنائها المعلومات الأساسية في الجوانب العاطفية والحسية بما يقيهم الانخداع بالمعلومات المغلوطة، ويجنبهم الانجرار وراء بهرج وسائل الإنفوميديا الزائف وما تبثه من عري وإباحية، بل إنها تجعل الكلام في هذا الجانب من المحرمات مع أن وسائل الإعلام والمعلومات لا تكف لحظة من ليل أو نهار على اقتحام هذه الخصوصية في علاقة الرجل بالمرأة.

ويحجم كثير من مفكرينا عن الخوض في هذه المسائل تورعاً وتوقراً، مع أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تكلم في مسائل العلاقة الزوجية، وأجاب السائلين على دقائقها، رجالاً ونساء: ومن ذلك أن امرأة سألته عن التجبية، وهي وطء المرأة في قُبُلها من ناحية دبرها، فتلا عليها قول الله سبحانه: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم) البقرة: 223. وسأله عمر – رضي الله عنه – فقال: يا رسول الله هلكتُ! قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة كناية عن إتيان المرأة من خلف، فلم يرد عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسوله: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) أقبل وأدبر، واتقوا الحيضة والدبر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء من أدبارهن.

والشاب المسلم يقف مبهوتاً أمام هذه التيارات المتناقضة في واقعنا المعاصر: تيار الإباحية والفوضوية، وتيار الكبت والتعتيم، وتتضح المشكلة جلية حين يقدم على الزواج للمرة الأولى، وهو بحكم نشأته قد تسرب إلى ذهنه الأفكار الخاطئة عن العلاقة الحسية والعاطفية بين الأزواج . خطر الكتب الرخيصة والمترجمات فإذا يفعل الشاب المسلم الذي يريد أن تبدأ حياته الزوجية على أسس؟ إن أمامه طرقاً قد يسلكها ليحصل على بغيته، فإما أن يلجأ إلى الكتب الرخيصة المائعة، وهو هنا يتعرض لخطر ولا ريب كبير، وغما أن يلجأ إلى الكتب التي وضعها الأطباء الأجانب ونقلت إلى العربية، وهو هنا يتعرض لخطر أكبر قد يمس عقيدته نفسها.

إن هذه الكتب التي وضعت باسم الإرشاد والتوجيه في العلاقات الزوجية، ومدّ كل من الزوجين بالمعلومات التي يحتاجها، هذه الكتب ليس لها إلا غرض واحد، وهو الكسب المادي، وهي لذلك تسعى إلى إثارة الغرائز وتهييج الشهوات، وليس أدل على خطرها من ولوع المراهقين بها، وإضاعتهم الأعمار في تصفحها، والصور العارية التي تسوِّد أغلفتها وصفحاتها لدفع الشباب لشرائها.

ولعل خطر الكتب التي وضعها الأطباء الأجانب ونقلت إلى العربية – وهي كثيرة – يتمثل في أن من وضعوها يخالفوننا في الملة، فكيف نتلقى عنهم شيئاً من ديينا وهم على خلافه؟! وتتضح آفات هذا الأمر في تحليل شيء حرَّمته الشريعة الإسلامية أو العكس، وأضرب لذلك مثلاً بموسوعة الطبيب الأوروبي الشهير: فان ديفلد التي ترجمت تحت عنوان الزواج المثالي، وهي مع روعتها وإبهارها لمن يطالعها، نجد المؤلف يذهب إلى أن الجماع في أثناء الحيض لا شيء فيه، ولا أذى منه مطلقاً، ومن ذلك قوله: لا نعترض على المباضعة بدرجة خفيفة معتدلة في أثناء الطمث إن اتخذ الزوجان وسائل النظافة التامة المطلقة وإذا كان كل منهما يرغب في البضاع- وذلك بغض النظر عن التقاليد والعادات الشرقية.

وما يدعوه فان ديفلد: تقاليد وعادات شرقية، هو حكم الله- عز وجل- في كتابه المجيد الذي يحرم الجماع في أثناء الحيض ويصرح بأنه أذى، يقول سبحانه: ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة : 222 .

الجهل سببل للنزاعات الزوجية والطلاق لا شك أن جهل الأزواج بالنصوص الإسلامية من الكتاب والسنة التي تناولت العلاقة الجنسية بينهما، هو سبب رئيسى للنزاعات الزوجية الدافعة إلى الشقاق والطلاق، ومن المؤكد أن الممارسات الجنسية الخاطئة والقاصرة هي السبب الأول في تصدع الأسرة، ولا أعتقد أن السبب وراء ذلك كله إلا الثقافة الجنسية الهابطة أو القاصرة التي يسعى إليها الشباب، فتشوه فكره وعواطفه وإحساساته!.

ولقد أدى الجهل ببعض الشباب إلى ارتياد الكتب الجنسية الحديثة المترجمة، والروايات والمجلات الصفراء، والأفلام الأجنبية وأشرطة التسجيل واسطوانات الليزر الممنوعة، وكذلك مواقع الإنترنت الإباحية، ولم ينجح مع ذلك زواجهم، بل زادوا تخبطاً وانحرافاً، وخربوا بيوتهم بأيديهم جهلاً منهم بالعلاقات الأسرية الصحيحة وجوانبها العاطفية والحسية، كما أشار إليها القرآن الكريم وفسرتها السنة بصراحة ووضوح. وإن هذا الجهل بتشريعات الإسلام وتوجيهاته في الحياة الزوجية يُمثل بالجزء المغمور من جبل الثلج في النزاعات الزوجية، أما الجزء الطافي الظاهر للعيان فليس هو السبب الحقيقي للنزاع، فالزوجان جهلاً أو تعمداً يتهربان من سبب النزاع الحقيقي الكامن تحت الأعماق، أو أنهما يستحيان – وبخاصة المرأة – من التصريح به، فلو قال أحدهما – أو كلاهما صراحة: إنه لا يجد في الزواج إشباعاً عاطفياً وإرواءً جسدياً، لكان هذا أول الطريق إلى العلاج، لكنا نجد المرأة مثلاً تطلب الطلاق متعللة بأن زوجها بخيل، أو كسول، أو شديد العصبية، مع أنه لو كان كريماً نشيطاً هادئ الطبع لما رضيت به، لأن الحقيقة التي لا تستطيع التصريح بها هي أن زوجها جاهل بأصول العلاقات الزوجية، غير صالح لأن يكون زوجاً بمعنى هذه الكلمة، وكان الأولى به أن يتعلم قبل أن يتزوج، على الأقل كما يتعلم القيادة قبل أن يشتري سيارة!

ولكن قد يكون عذراً لهؤلاء أنهم لم يجدوا من يأخذ بأيديهم، فلا الأسرة أعطت التوجيه الصائب،ولا وسائل الإعلام قدمت المعلومات الصحيحة، وتعسر عليهم الوقوف بأنفسهم على ما في الكتاب والسنّّة من تشريعات وتوجيهات في هذا الجانب، ولم يتح المنبع الصافي الذي يستقون منه المادة العلمية الموثوق بها، فتخبطوا وفشلوا في زواجهم.

ومن المفارقة أن علماءنا الأقدمين اهتموا كثيراً بهذا الجانب المهم من الحياة، ووضعوا في ذلك الكتب التي لا يزال بعضها من مخطوطات التراث، مثل العنوان في سلوك النسوان للإمام المتقي الهندي، وشفاء الغليل فيما يعرض للإحليل للإمام السيوطي.

ويثور السؤال: أين كتبنا المعاصرة التي تعالج الحياة الزوجية في دقائقها، دون أن تكون نقلاً عن كتب غربية؟ المخرج للشباب المقبل على الزواج من مقاصد الإسلام ربط الإنسانية كلها بأواصر المحبة والرحمة ابتداء من الزوجين، ثم الأسرة، ثم الأمة، ثم الإنسانية كلها، ولن تكون هذه الروابط قوية وفعالة إلا إذا كانت سليمة في بدايتها حين تؤسس الحياة الزوجية على عناصرها الثلاثة: السكن والمودة والرحمة، كما في قول الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم: 21، ولن توجد هذه العناصر أبداً ما لم تكن العلاقة الجنسية في أرقى أحوالها من الإرواء النفسي والعاطفي، الذي هو السكن للروح والعقل والجسد.

وإن مجتمعاً قوياً مترابطاً متماسكاً بالأخوة الإسلامية لابد أن يبدأ من بيت الزوجية، ولن يكون هذا الترابط بالمودة والرحمة في بيت الزوجية إلا على أساس من السكن النفسي والجسدي العميق، ولن يوجد سكن، وهناك جهل يهدم السكن ويسبب الشقاق، ولن يعلم إلا بمواجهة الحقائق دون وجل أو تردد .

ومن هنا نقدم النصيحة للشباب في مقتبل العمر وعند إزماع الزواج – ألا يسعوا جاهدين – كما نشاهد عياناً – لاكتساب المعلومات الجنسية من تجار الجنس الذين يضعون الكتب لاستفزاز الشهوات وتهييج الفتنة واستمالة الغرائز، وإنما يقرأون في هذه الموضوعات للعلماء المسلمين الموثوق في دينهم وعلمهم. وإنه من المسَّلم به تماماً أن الزواج علم وفن معاً، ونحن نؤمن بأنه عصب الحياة المستمرة في الكون، ونعمة الله التي امتنَّ بها على عباده، ونؤكد أن الإسلام وضع له المنهج الكامل المتفرد، فأين هذا المنهج من واقعنا اليوم؟

إن على علماء الإسلام أن يبدأوا ببيان موقف الإسلام من كل القضايا التي أثارها العصر، وأن يضعوا الضوابط الشرعية لأتباع الإسلام حتى لا ينماعوا بين الإفراط والتفريط في عصر للمرء فيه عوالم افتراضية توازي عالم الواقع لمجرد الضغط على زر صغير بأطراف أصابعه، ونقترح ما يلي من إجراءات:

1-     إعداد مناهج دراسية في التربية الأسرية تعطي الشباب أساسيات الحياة الزوجية كما عالجتها نصوص الكتاب والسنَّة.

2-     عقد دورات دراسية شرعية إلزامية لكل مقدم على الزواج من الجنسين، يتلقى فيها أسس علم الزواج الإسلامي.

3-     تعزيز دور الأبوين في التربية الجنسية للأبناء بتقديم دراسات وأبحاث وندوات يشارك فيها المتخصصون والآباء لتأهيل الأبوين للقيام بهذا الدور.

4-     أن تقوم وزارات الأوقاف إصدار سلاسل كتب تعالج النواحي الحسية والعاطفية في الزواج من منظور إسلامي، على الشبكة الدولية للمعلومات.

5-     الاستفادة من وسائل الإعلام في تقديم المبادئ الصحيحة للحياة الزوجية الإسلامية ومعالجة المشكلات الحسية والعاطفية التي تؤدي إلى الطلاق علاجاً شرعياً صريحاً، وعدم الاكتفاء بعرض آراء المتخصصين في علم النفس والاجتماع والطب وبخاصة البعيدون عن الدين الحنيف.

6-     وفي النهاية نقول: إننا بحاجة إلى موسوعة إسلامية، تجمع ما ورد في الكتاب والسنّة وخلاصة ما في كتب الفقه القديمة والعلم الحديث من معلومات عن الحياة الحسية والعاطفية في البيت المسلم، وأن تكون هذه الموسوعة متاحة لجميع المقبلين على الزواج، سواء بالنشر الورقي، أو بالنشر الإلكتروني.

مجلة الوعي الإسلامي- العدد 450، صفر 1424هـ ، ص: 70

 

موقع الأسرة السعيدة