من الطبيعي أن تكون الفتاة صاحبة الحق الأول والأخير في اختيار الزوج المناسب لها. فليس لأحد أن يضغط عليها في فرض أي زوج، لأن الله لم يجعل أحداً مالكاً لأحد. ولكن هناك عدة نقاط، أو تحفظات، ينبغي بحثها في صدد هذه المسألة:


محتويات المقالة

    النقطة الأولى: هي البلوغ الذي يلتقي أو الذي يمتزج بالرشد. فلا يكفي في تصحيح عملية الاختيار أن تكون الفتاة بالغة سن التكليف، بل لابد من أن تكون راشدة أو رشيدة، بحيث تستطيع أن تميز الاختيار الصحيح من الاختيار الفاسد في حياتها. فإذا اجتمع لها هذان الشرطان: البلوغ والرشد فإن بإمكانها أن تختار مَن تشاء.

    النقطة الثانية: وتتمثل في الجدل الفقهي الدائر بين سائر فقهاء المسلمين حول السؤال التالي: هل يشترط في زواج الفتاة العذراء إذن الولي كالأب أو الجد، وربما يمتد بعضهم إلى الأخ الأكبر ولو على نحو الاستحباب، أو انه لا يشترط ذلك؟ هناك فريق كبير من الفقهاء يقول: إن البالغة الرشيدة كالبالغ الرشيد، ليس لأحد سلطة عليها.

    فإذا كانت الفتاة رشيدة في التسع سنوات فلا بأس في ذلك، وإذا لم تكن رشيدة فالأمر يحتاج أن تصل إلى سن الرشد، وسن الرشد ليس محدداً بحالة زمنية بل بحالة عقلية.

    وعلى هذا الأساس هناك رأي لا يشترط شيئاً في موضوع صحة زواج الفتاة وصحة اختيارها إلا البلوغ والرشد، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الرجل. وإن كان هذا الرأي يستحب لها أن تستشير أباها أو جدها أو أخاها في ما يمكن أن يحقق لها رشداً إضافياً على مستوى الاستشارة في الإنسان الذي تختاره، لأنها من الممكن أن تخضع لجو عاطفي ضاغط على مشاعرها يمنعها من أن تفكر بطريقة موضوعية في المسألة، لاسيما أن جانب الإحساس في المرأة أو جانب الضعف الطبيعي العفوي في حياتها قد يجعل كثيراً من الناس يستغلون هذا الجانب من شخصيتها، وهو براءة الطهر في ضعفها وفي إحساسها إذا صح التعبير.

    فيحسن لها أن تستشير في هذا الأمر الحيوي الذي يمثل مسألة مصير، لاسيما إذا عرفنا أن أمر الطلاق بيد الرجل وليس بيد المرأة، كما يحسن لها أن تستشير في القضايا الأخرى التي تتصل بالجوانب الأخرى من حياتها.

    وهناك رأي آخر لبعض الفقهاء، أو لكثير منهم، يشترط في صحة زواج الفتاة ممن تختاره إذن الأب أو الجد من جهة الأب. ولكن ليس معنى ذلك أن للأب أن يجبرها على قبول مَن لا تريده، لكن له أن ترفض مَن تريده انطلاقاً من المصلحة التي يراها. ولكن عندما نرى إن الأب لم ينطلق في رفضه من مصلحة بل من استغلال، أو من حالة تعسفية، وكانت الفتاة محتاجة إلى الزواج، فإنه من الممكن جداً في رأي بعض هؤلاء الفقهاء ـ ألا يكون للأب أي دور في هذه المسألة لأنه لا يمارس هذا الموقع الذي أعطاه إياه التشريع بطريقة إسلامية، بل بطريقة ذاتية عدوانية أو عبثية أو استغلالية.

    وفي كل الأحوال، للفتاة الرأي الأول والأخير في الاختيار. وربما تتحفظ بعض الفتاوى في حرية هذا الاختيار عندما تربطه بإذن الأب، ولكنها لا تتحفظ في أنه ليس لأحد أن يفرض عليها مَن لا تريده. هذا من الناحية الشرعية الملزمة.


    عناصر الاختيار:

    وفي صدد عناصر الاختيار نرى أن للفتاة ـ كما للشاب ـ الحق في أن تطلب الأشياء الذاتية، باعتبارها إنسانة لها أحاسيس ومشاعر وطريقة في التفاعل مع الإنسان الآخر. فلها أن تطلب ـ في عملية اختيارها الإنسان المقبول من حيث الشكل، لأنها لا تطيق أن تعيش مع إنسان قبيح الشكل، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الرجل. ولها أن تطلب الإنسان الذي يمثل الكفاية الحياتية من حيث إمكانياته المادية. ولها أن تطلب الشخص الذي يملك مستوى ثقافياً معيناً أو مستوى اجتماعياً معيناً.

    إن الإسلام لا يقف أمام رغبة المرأة في تحديد المواصفات الذاتية للرجل الذي تريد أن تختاره، باعتبار أن مسألة الزواج هي مسألة اختيار ناشئ عما يفكر فيه الإنسان في حياته. ولكن الإسلام الذي يحترم إرادة المرأة والرجل في هذا المجال يحاول أن يوجه رغباتهما ليؤكد أن هذه المواصفات التي قد تنجذب إليها المرأة أو الرجل لا تمثل القيمة الكبيرة، بحيث يجعلانها في قمة اهتماماتهما، فتكون الخط الصحيح في حياتهما.

    إن مثل هذه الأمور لا تعتبر أساساً في ثبات الحياة الزوجية، فالجمال ـ مثلاً ـ شيء طبيعي في الرغبة، لاسيما في مجال الرغبة الحسية، ولكن قد يذهب الجمال بفعل التشويه، أو بفعل أي وضع من الأوضاع، وربما يذهب المال، وربما يُصاب الإنسان بنكسة مالية أو بخسارة كبيرة وقد يفقد مركزه الاجتماعي مثلاً، وتضعف ثقافته بفعل عدم الممارسة. إن هذه الأمور ليست من الأمور التي تمثل العناصر الثابتة التي يمكن أن تتحرك في داخل الحياة الزوجية لتضمن سلامتها.

    هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الزواج يمثل علاقة خاصة، لأنه يمثل أسلوباً من أساليب حركة العلاقات الإنسانية في ما يتصرف به كل فريق تجاه الفريق الآخر على مستوى احترام حقوقه، وعلى مستوى احترام مشاعره وعلى مستوى طريقة إدارة المعنى الإنساني في داخل هذه العلاقة، وما إلى ذلك.

    إن هذه المسألة تتصل بالجانب الأخلاقي في شخصية الزوج أكثر مما تتصل بالجانب المادي. فقد يغرق الزوج زوجته بالمال أو بتلبية الرغبات الحسية، ولكنه لا يحسن التعامل معها بشكل إنساني جيد من خلال غياب الجانب الإنساني في تعامله، إن حياتها سوف تتحول إلى جحيم. وكذلك عندما لا يكون الإنسان متديناً يخاف الله فإنه من الممكن جداً أن ينعكس عدم تدينه على طريقة تعامله مع زوجته التي يستضعفها في البيت، عندما لا يكون هناك شخص آخر معهما يحمي الزوجة من الزوج. كما انه يستطيع أن يدمر حياتها بطريقة أو بأخرى من خلال طبيعة إثارة المشاكل والقضايا وما إلى ذلك بشكل سلبي في الحياة الزوجية.

    لهذا ركز الإسلام في توجيهه المرأة على الارتفاع برغباتها إلى الجانب الذي يمس عمق إنسانية العلاقة وعمق ثباتها، هو (الخلق والدين). فقد جاء في الحديث المأثور: (إذا جاءكم مَن ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، على أساس أن الزيجات التي تتحرك خارج هذا النطاق هي زيجات لابد من أن تفرز الكثير من المشاكل ومن الخلافات ومن الفساد في العلاقات الزوجية.

    لا أريد أن أقول: إن على المرأة أن تنظر إلى الخلق والدين ولا تنظر إلى الأشياء الأخرى، وإنما أريد أن أقول: ن الفكر الإسلامي ـ في ما نفهمه من أمثال هذه الأحاديث ـ يدعو المرأة عندما تريد أن تنظر إلى الجوانب الأخرى ألا تعتبرها الأساس، بل عليها أن تنظر إلى العناصر التي تمس طبيعة العلاقة الزوجية من حيث هي علاقة إنسانية اجتماعية تحتاج إلى الأخلاق التي تحكم نظرة كل من الزوجين للآخر وتصرفه نحوه، وإلى الالتزام الديني الذي يمثل الضابطة التي تضبط تصرفات الزوج في الخط الشرعي نحو المرأة.

    للمرأة الحق في أن تطلب الرحل الجميل والرجل الغني والرجل الذي يملك مركزاً اجتماعياً والذي يملك مركزاً ثقافياً، ولكن عليها أن تضع أمامها ـ إلى جانب هذه العناصر ـ عنصري الخلق والدين، لأنهما هما اللذان يساهمان في نجاح الحياة الزوجية حتى ولو افتقر الرجل أو ذهب جماله أو فقد مركزه الاجتماعي.

    إن الأخلاق والدين يمكن أن يمثلا الأساس في هذا المجال. وهذا المعنى الذي يؤكده الإسلام في الرجل يؤكده في المرأة، فقد ورد في بعض الأحاديث إن هناك مَن سأل رسول الله (ص): مَن أتزوج؟ قال: (عليك بذات الدين تَرِبَت يداك)، انطلاقاً من هذا التعبير ـ أيضاً ـ لابد للرجل من ألا يجعل جمال المرأة ومالها الأساس، ولذلك ورد في الحديث: (مَن تزوج امرأة لمالها ولجمالها، سلبه الله مالها وجمالها). الدين إذن هو الأساس في شخصية المرأة في العلاقة الزوجية، والدين هو الأساس في الرجل في مسألة العلاقة الزوجية، والأخلاق هي نوع من أنواع الفكر الديني في تفاصيله.

    وإضافة إلى ما سبق نريد أن نؤكد حقيقة، وهي أن المرأة التي تطلب الجمال والثقافة والمال والمركز في الرجل، إلى جانب الخلق والدين، هي امرأة غير منحرفة إسلاميا. كما إن الرجل الذي يطلب في المرأة المتدينة الجمال والمال والثقافة والموقع الاجتماعي هو إنسان ليس منحرفاً إسلاميا. فالانحراف هو أن يكون الجمال كل شيء، أو أن يكون المال كل شيء، أو أن يكون المركز الاجتماعي كل شيء، بحيث تكون الأخلاق والدين حالة هامشية في البحث عن الشريك في الحياة الزوجية.

     

    موقع الأسرة السعيدة


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.