الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . الذي أرسله تعالى رحمة للعالمين , وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

وبعد يقول الله عز وجل : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة , ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وأحسن كما أحسن الله إليك . ولا تبغ الفساد في الأرض . إن الله لا يحب المفسدين [1].

     تبين هذه الآية الكريمة صلة العبد بخالقه , ومدى صلته بالدنيا وما فيما , ووجوب ابتغاء وجه الله تعالى وطاعته , والإخلاص له في كل ما يعمل , وأن يحسن إلى الخلق جميعاً , ولا يتسبب بالفساد مهما يكن نوعه ؛ مادياً أو أخلاقياً ؛ مما يتعلق بأخيه الإنسان أو بالحيوان أو بالنبات أو بالجماد , في الأرض أو السماء أو البحار . ويقتضي هذا منا أن نلقي الضوء على دور الإنسان في الحياة , ثم نعرج على بيان اهتمام الإسلام بالبيئة. وبالله التوفيق .

 

أولاً : دور الإنسان في الحياة  :

1-    الإنسان مستخلف في الكون لإعماره مادياً وأدبياً , ولإقامة شرع الله تعالى بين عباد الله ؛ على أرض الله . يقول الله عز وجل : وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ، فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربي قريب مجيب [2] ؛ أي مكنكم منها لتعمروها وتنتفعوا بخيراتها .

2-    وقد وعد الله تعالى المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف والتمكين , فقال سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً [3].

 

ثانياً : اهتمام الإسلام بالبيئة :

1-      اهتم الإسلام بالبيئة اهتماماً فائقاً , لا نعرف له مثيلاً في شريعة سابقة , ولا في قانون وضعي سابق أو معاصر , وأكد مسؤولية الإنسان عن البيئة ؛ بدليل قوله عز وجل :       وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [4] ؛ وهي عامة تتناول عموم ما يحل بالإنسان , ويدخل فيها ما ينال من بيئته ؛ جوها ومائها وبرها .. ويأتي بيان هذا من الناحية المادية في قوله عز من قائل : ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس . ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [5]. ويأتي هذا واضحاً من الناحية المادية والأدبية , التي تتناول القيم في قوله عز من قائل : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم [6].

2-      والبيئة في نظر الإسلام , وفي العرف العلمي , كل ما أحاط بالإنسان من قريب أو بعيد ؛ لباسه ومسكنه , والأرض التي يسعى عليها , والسماء التي تعلوه ، والمياه . . .   مما يتفاعل الإنسان معه , أو تتفاعل معه . لذا دعا الإسلام إلى الإعمار ، والمحافظة على البيئة ووقايتها وحسن رعايتها , وأكد على الاعتدال ، وعدم الإسراف . واتفق العلماء على قاعدة شرعية هامة جداً : [ دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع ] .

3-    جعل الإسلام حماية البيئة ونظافتها من الإيمان , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة , فأفضلها قول لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان ) [7] , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره , فشكر الله له فغفر له ) [8].

4-      ولما كان الإنسان محور التفاعل مع كل ما يحيط به , كان لا بد له من نظافة بدنه وثيابه ومسكنه وكل ما يلحق بهذا .

أ‌-    نظافة البدن من الفطرة ومن العبادة : عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية , والسواك , واستنشاق الماء , وقص الأظافر , وغسل البراجم - أي عقد الأصابع ومفاصلها – ونتف الإبط ، وحلق العانة , وانتقاص الماء[9] , و"الختان") [10].

      وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : (أنه وقت لهم حلق العانة وتقليم الأظفار

 وقص الشارب ونتف الإبط أربعون يوماً ) ؛ أي لا تتجاوز أربعين يوماً على أبعد       تقدير , والمطلوب ما دونها .

وما أبلغ قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يأتيني أحدكم يسألني عن خبر السماء  وأظفاره مثل مخالب الطير ) .

ب‌-    أمر الإسلام بالوضوء خمس مرات في اليوم والليلة , وفي هذا من النظافة والطهارة مالا يخفى . وعد الوضوء شطر الإيمان [11]، وأقر أن الوضوء على الوضوء        ( نور على نور ) .

ج- حث على الاغتسال يوم الجمعة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من       توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت , ومن اغتسل فالغسل أفضل ) [12].

د-  وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل للأعياد, ويرتدي الثياب النظيفة للجمعة والجماعات  ، ولقاء الناس , ويحث على ذلك .

هـ- نهى الإسلام عن كل ما يؤذي الآخرين , لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم :   ( من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين – يريد البصل والثوم – فلا يقربن مسجدنا , فإن كنتم لا بد آكليها فأميتوهما طبخاً ) [13].

عن عبد الله بن عمر قال : تجشأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال        له : ( كفَّ عنا جشاءك ) [14].

 

 5-    أمر الإسلام بعدم إفساد البيئة :

أ‌-       ما يتعلق بالماء : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً , فإنه لا يدري أين باتت يده )[15]. وقال صلى الله عليه وسلم : (لا يبولن الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل منه )[16].

ب‌-    ما يتعلق بالمرافق العامة : نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يساء إلى كل ما ينتفع به الناس , قال: ( اتقوا الملاعن الثلاثة . قيل : ما الملاعن يا رسول الله ؟ قال : أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه ، أو في طريق , أو في نقع ماء )[17] أي يقضي حاجته , وقد نص على هذا صريحاً في رواية أبي داود , إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد , وقارعة الطريق , والظل )[18]. أي لا يعرض المرء نفسه لأن ينال الناس منه , فيلعنوه بسبب إيذائه لهم بإفساد ما يمكن أن ينتفعوا منه , كظل يستظلون فيه من شدة الحر ، ووهج الشمس , أو سبيل يطرقونه في ذهابهم وإيابهم , أو مورد ماء ينتفعون به؛ فيفسدها عليهم من لا خلاق له . واللعن : البعد من الرحمة .

ج- وما يتعلق بالجو : كإفساده بالدخان والهباب والتراب ونحوه , روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يؤذ أحدكم جاره بقتار قدره ) . إذا نهى  الرسول صلى الله عليه وسلم عن إيذاء الجار بريح طعامه , فمن الأولى أن لا يؤذي الناس بما هو أسوء من هذا بكثير ؛ من مداخن تنفث السموم , وروائح مختلفة , وغير ذلك من الأتربة والعفار ... ودفن النفايات النووية , والتجارب النووية في أعماق البحار التي تؤذي الأحياء المائية , أو في جوف الصحراء التي تلف ما حولها بأعمدة الرمال وآثار التفجير , التي لا يعلم آثارها الوخيمة إلا الله عز وجل .

6-     دعوة الإسلام إلى الخير وحسن الهيئة وإصلاح الحال :

والإسلام كله خير ونفع للناس , وبعد عن الشر , فالله عز وجل طيب لا يقبل إلا           طيباً , كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم . وقال سعيد بن المسيب : [ إن الله طيب ويحب الطيب , نظيف يحب النظافة , كريم يحب الكرم , جواد يحب الجود , فنظفوا أفنيتكم , ولا تشبهوا باليهود ] , ويروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : ( نظفوا أفنيتكم ) [19].

ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حسن الهيئة , وإصلاح الشأن , قال صلى الله عليه وسلم : ( إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم , وأصلحوا لباسكم , حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس ) [20].

وما أبلغ قول الرسول صلى الله عليه وسلم وأوسع دلالته في هذا المقام : ( إن قامَتْ على أحدِكم القيامةُ وفي يده فسلةٌ فليغرسها ) [21]. وهل بعد هذا مزيد خير للإنسان والبيئة !!؟  وهل بعد هذا من سبيل إلى التفاعل الإيجابي البناء بين الإنسان والبيئة !!؟

7- أمر بالاحتياط والوقاية من كل أذى يلحق بالإنسان , أو ببيئته : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أطفئوا المصابيح إذا رقدتم , وغلقوا الأبواب , وأوكوا  الأسقية , وخمروا الطعام والشراب )[22]. ففي بقاء اشتعال المصابيح زيادة في تصاعد غاز الفحم , الذي يسيء للإنسان وللبيئة وبخاصة أثناء النوم , لذا أمر بإطفائها , وأمر بإغلاق الأبواب منعاً للهوام وغيرها , وأمر بتغطية أوعية الماء والطعام ؛ مخافة التلوث بما لا تحمد عقباه , وكل هذه أسس وأصول في حماية البيئة , وفي الوقاية مما يسيء للإنسان .

 ودعا الإسلام إلى الحجر الصحي المعروف اليوم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الطاعون رجزٌ سُلطَ على من كان قبلَكم , أو على بني إسرائيل , فإذا كانَ بأرضٍ فلا تخرجوا منها فراراً منه , وإذا كان بأرض فلا تدخلوها) [23].

 

ولا يخفى أثر هذا في حماية الإنسان والبيئة . . .  وقد بوب مسلم في صحيحه :      [ باب ... لا يورد ممرض على مصح ] [24] , مما يؤكد أن هذا أصل يؤخذ به .

8-    ربط كل ما سبق بالعقيدة , وبناء على تقوى الله عز وجل , فإن في الاستجابة لأوامر الله عز وجل , والالتزام بطاعته سبيل الحياة الكريمة كما قال عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم  [25], وقال عز من قائل:يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[26], فبمراقبة الله عز وجل يلتزم المسلم بطاعاته, فلا يؤذي أحداً , ولا يلوث بيئة , ولا يستجر مفسدة  . . .  لأنه يدين بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )[27] , وحذر رب العالمين من مخالفة أمره والوقوع في معصيته , التي قد يعاقب عليها في الدنيا قبل الآخرة , والعقوبات كثيرة ؛ منها التصحر والجفاف والقحط , وتلوث البيئة والأمراض وغيرها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً : ( يا معشر المهاجرين , خمس إذا ابتليتم بهن- وأعوذ بالله أن تدركوهن - :لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا , ولم ينقصوا المكيال والميزان , إلا أخذوا بالسنين , وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم , ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء , ولولا البهائم لم يمطروا , ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله , إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم , وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله , ويتخيروا مما أنزل الله ,إلا جعل الله بأسهم بينهم )[28] .

إنها أسس وقواعد تحافظ على البيئة , وتحميها وتنميها , لما فيه خير الإنسانية وجميع المخلوقات , حري بأن يستفيد منها المشتغلون في مثل هذا الموضوع الهام .

والحمد لله رب العالمين