إلى الأزواج المقبلين أكدت الإحصائيات التي ترصد تزايد نسبة الطلاق في المجتمع الكويتي، والتي تجاوزت حالة طلاق واحدة بين كل ثلاث حالات زواج أي ما يوازي نسبة 40% من المجتمع أن النسبة تتزايد بشكل ملحوظ في السنة الأولى من الزواج، وتتقارب الآراء في أن عدم القدرة على تحمل المسؤولية وسوء الاختيار من أهم الأسباب التي تؤدي إلى فشل الزيجات الحديثة، كما أن بعض تقاليد وعادات المجتمع تضفي على عملية اختيار شريك الحياة شكلاً برجماتياً بحتاً، فيصبح زواج رجال أعمال تحكمه معايير مادية أو قبلية بصرف النظر عن معايير التوافق بين الزوجين التي من شأنها بقاء هذا الكيان الأسري صحيحاً سليماً بمايضمن استقرار المجتمع.

ومن جهتها تقول الاستشاري النفسي في مكتب الإنماء الاجتماعي في الكويت د. سعاد البشر: تقاليد وعادات المجتمع هي المسؤولة عن سوء الاختيار، الذي هو سبب رئيس لزيادة معدلات الطلاق في المجتمع، فبعض القبائل لا تسمح بزواج الفتاة بغير أقاربها، حتى لو كان هناك اختلاف في الفكر والثقافة وغير ذلك. وهذا الأمر يشكل نسبة كبيرة في المجتمع، لذلك نلاحظ تزايد نسبة الطلاق بين العوائل، التي يكثر فيها زواج الأقارب، بصرف النظر عن رضا أو عدم رضا الفتاة.

وأضافت: يجبر بعض الشباب على الزواج من بنات العائلة، بناءً على ضغوط الأهل، ثم يظهر عدم التوافق فيما بعد بين الزوجين مما يؤدي إلى الطلاق. والشباب أيضاً يتحملون جزءاً من المسؤولية، إذ أن معايير الاختيار عند كثير منهم أصبحت تبنى على المظاهر والماديات دون النظر إلى الجوهر، فتبدأ الأسرة خالية من مقومات بقائها، ويكتشف الشاب أنه اختار زوجة لا تستطيع أن تدير بيتاً أو تربي أبناءً. والفتيات بدورهن يشتركن في سوء الاختيار مع الشاب، فنجدهن يطلبن الشاب المتحرر مسيور الحال مما قد يضطر بعضهن إلى القبول بأزواج لا يعلمن عن حقيقة أخلاقهم شيئاً، وإما أن يتأخر سن زواجهن نتيجة هذه الشروط التي تقلص مساحة الاختيار أمامهن فيجبرن فيما بعد على الارتباط بأقرب متقدم لـهن حتى لا يفوتهن القطار.

 

عوامل عدة

وحول أسباب هذه النظرة السطحية لدى الشباب وما إذا كان هناك عوامل دفعتهم إلى ذلك، تقول د. البشر: هناك عدة عوامل، أولها العولمة والانفتاح وتأثر الشباب بالثقافات الوافدة، فضلاً عن التنشئة التي أصبحت في عصرنا الحالي يتولاها الخدم، فينصرف الوالدان كل منهما إلى عمله ويترك الابن للخدم يتلقى منهم ثقافاتهم وقيمهم التي تختلف بالطبع عن عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية في كثير من الأحيان. كما أن انصراف الآباء إلى الحياة المادية وإعطاء الأولوية لتلبية الحاجات المادية للأسرة حالت دون التواصل مع الأبناء، وأصبح الاتصال مادياً بحتاً وحوارهم ينحصر بين «أعطني وخذ». وبات الأبناء يفتقدون مَنْ يسدي لهم النصح، ليس في أمر اختيار الزوجة فحسب، بل في كافة مجالات الحياة.

وتابعت: ينبغي على الشاب قبل القدوم على مرحلة الزواج أن يحدد هدفه من هذه المرحلة، ويسأل نفسه هل هدفه مجرد إشباع حاجة لديه، أم تحقيق الاستقرار النفسي وتكوين أسرة صالحة؟ فإن كانت الثانية فليحسن الاختيار، ويتمثل حديث الرسول: «تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». ولا نقصد بذات الدين من تقضي اليوم بأكمله في المسجد، وإنما الإنسانة الملتزمة بقيم وأخلاق الإسلام، مما يصون قوام الأسرة فيما بعد، ويجعلها مستعدة لتجاوز العقبات، والتكيف مع المشكلات التي تواجهها، أما النوع الآخر من الفتيات والتي تنعدم لديها الرؤية في أمر الزواج تنتكس عند أول مشكلة وتصل بها الحياة إلى طريق مسدود وفي هذا الوقت يكون الطلاق هو المصير. ومن جانبه يقول أستاذ علم النفس التربوي.. بجامعة الكويت د. بدر الشيباني: ينبغي على الوالدين أن يعدوا أولادهم للزواج إعداداً جيداً، وأن يعمقوا قيمة الأسرة في نفوسهم، مشيراً إلى أن كثيراً من الشباب والفتيات يخرجون من بيوتهم هرباً من قيود الأب والأم، وليس إدراكاً لقيمة الزواج، بالإضافة إلى أنهم يتعاملون مع الزواج على أنه أمر نظري وروتيني.

 

الطابع المادي

وأضاف: إن معايير اختيار الزوج لدى الأسرة الالعربية ية يغلب عليها الطابع المادي ومبدأ المصالح وهذا يولد زوجاً وزوجة قد لا يكونان متفاهمين في كثير من الأمور، مما يؤدي إلى الطلاق في النهاية. وفي السياق نفسه قال د. الشيباني: إن العامل القبلي له تأثيره السلبي، حيث إن كثيراً من العائلات تُصر على تزويج أولادها من داخل العائلة وكأن هذا الأمر فرض عليهم، للحد الذي يجبر أحد الطرفين على الارتباط بزوج أوزوجة مريضة مرضاً مستعصياً. وحَّمل د. الشيباني الأسرة مسؤولية فشل الزيجات وتزايد نسبة الطلاق، وقال: إنها الوعاء الأساسي للمجتمع وهي مصدر سلوكياته.

وأوضح أن هناك عوامل أخرى تؤثر على عدم استقرار الزواج، إلاّ أن الأسرة - على حد قوله- تتحمل العبء الأكبر، وعلى الوالدين أن يعلِّموا أولادهم معنى الزواج وكيفية تحمل المسؤولية والتعامل مع المشكلات. نظرة سلبية وحول نظرة المجتمع أوضح د. الشيباني أن النظرة السلبية تجاه المرأة المطلقة، ويرفض الشباب الزواج منها، ويفترض مع هذه النظرة أن تتمسك المرأة أكثر بزوجها وتصر على الحفاظ على كيان الأسرة، إلاّ أن النتيجة جاءت عكسية لأن الفتاة في النهاية لا تدفع الثمن وإنما الأهل. وأضاف: لذلك نجد أسباباً تافهة تدمر أسرة، أذكر إحدى حالات الطلاق كان سببها أن الزوج يجب أن يرتدي «الفنيلة» بنص كم، فاختلفت معه زوجته وتم الطلاق على إثر هذا الخلاف.

 

فترة الخطوبه

ورداً على سؤال حول ما إذا كان انعدام فترة الخطوبة عاملاً مؤثراً في هذا الصدد قال د. بدر الشيباني: عادةً ما يتم «كتب الكتاب» دون فترة خطوبة ونادراً ما تجد أسرة توافق على غير ذلك، غير أنه من الصعب التكهن بمدى جدية فترة الخطوبة، وهل ستؤثر سلباً أم إيجاباً؟ ولكن علينا أن نفكر في حلول بديلة كأن يتصف الأهل بمرونة أكثر في اختيار الزوج وإعطاء الفرصة للفتاة للتعارف والعمل على تقريب وجهات النظر وغير ذلك مما يساعد على تدعيم الزيجة واستمرارها. وأكد د. الشيباني أن للطلاق آثاره السلبية على المجتمع ككل، وخاصة على الأبناء، حيث تكون مشاعرهم مضطربة ينمو في فكرهم أن الفشل هو الأصل، ومعظم الظواهر السلبية في المجتمع نجد مصدرها أب مطلق وزوجة مطلقة.

ويؤكد الأستاذ بكلية الشريعة د. ناصر اللوغاني على أن اختيار المرأة الصالحة مطلوب شرعاً، مشيراً إلى أن أموراً أخرى ضرورية قررتها الشريعة الإسلامية، ولها أثر إيجابي في استمرار الزواج منها شرط الكفاءة التي قد يُساء فهمها من قِبل البعض، وأوضح أن الشريعة اعتبرت شرط الكفاءة في الزواج، بما لا يعني التفرقة العنصرية في المجتمع، فيكون الاختيار على أساس مادي أو طبقي أو غير ذلك، وإنما هو شرط لضمان التوافق والاستقرار الأسري، ولا يُقصد منه منع تزويج مَنْ هم أقل في المستوى الاجتماعي لمن هم أعلى.

ويمنح شرط الكفاءة لولي الزوجة الكفء والثقة مساحة في القبول أو الرفض، وأنه إذا رأى المصلحة في غض الطرف عن انعدام الكفاءة في إ حدى الجوانب كالجانب الاجتماعي أو العلمي مثلاً، بما لا يؤثر التباين المترتب على فقدان هذا الشرط سلباً على حياة الزوجين فيحق له ذلك. وكذلك الزوجة لها الحق في رفض ما اختاره الولي لها إذا أخل بشرط الكفاءة. وشدد د. اللوغاني على أهمية استخدام كل الوسائل المتاحة في المجتمع نحو تكريس قواعد الاختيار الصحيح لدى الشباب، وذكر في ذلك عدة محاور يمكن العمل من خلالها لتحقيق هذا الهدف.

وأضاف: الإعلام والتربية محوران رئيسان في تصحيح مسار الشباب وتوجيههم نحو حسن الاختيار، وذلك إذا ما أحسن توظيفهما في هذا الجانب. وتنمية الوازع الديني والارتقاء بالمستوى الفكري لديهم يمكنهم من تجاوز النظرة السطحية، التي قد يؤسس البعض حياته عليها، إلى رؤية أكثر عمقاً وإدراكاً لمتطلبات المرحلة واستحقاقات الحياة الكريمة. وينبغي أن تعالج المناهج التربوية، ولو في سنوات متأخرة من المراحل الدراسية هذه الإشكالية، كما يجب أن تضطلع الأسرة بدور أكثر فاعلية.

 

رابطة مقدسة

ويؤكد أستاذ علم النفس بجامعة الكويت د. خضر البارون أن الزواج رابطة مقدسة يكمل فيها كل من الطرفين الآخر، موضحاً الاختلاف بين الزوجين أمر وارد، لكن العبرة في الاستمرار وذلك يعتمد على قدرة الزوجين على استيعاب كل منهم الآخر. وأضاف: لقد حصرت أكثر من أربعين سبباً للطلاق منها ما يتصل بالثقافة ومنها ما يتصل بالجانب الاجتماعي والعادات والتقاليد، إلاّ أن الطلاق يأتي نتاج عوامل مجتمعة، وليس بعامل واحد. ويعد اختيار الزوج على معايير مادية بحتة من أهم العوامل التي تؤثر على بقاء العلاقة الزوجية، حيث نجد الأسرة ترشح الزوج الثري، غاضين الطرف عن أخلاقياته ومدى توافقه، مما يفرز العديد من المشكلات التي تؤدي في النهاية لانفصام العلاقة الزوجية.

وأكد د. خضر البارون أن كثيراً من المشاكل التي تثور بين الزوجين، مؤداها عدم توازن العلاقة الجنسية بينهما، بسبب سوء فهمهم وقلة الوعي والثقافة في هذا الجانب. وأضاف: افتقاد فن الكلمة الحلوة بين الزوجين، والصمت العائلي يوسع الفجوة ويسير بالعلاقة الزوجية إلى نفق مظلم نهايته الطلاق، وفي إحدى الاختبارات التي أجريت، سألنا أحد الزوجات عن رد فعلها إذا كانت في المنزل وطفلها الرضيع يبكي، والآخر يصرخ يريد لعبته، في حين طلب زوجك منك فنجاناً من القهوة وهو يضع قدم على قدم، جاء ردها سأقول: الله يخلصني من هذا الزوج. بينما لو طلب منها الزوج هذا الطلب بكلمة حلوة وأسلوب طيب لمر الموقف بسلام وهكذا كل المواقف.

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت المرأة أكثر جرأة على الطلاق من الرجل، قال د. البارون: إن كلا الطرفين متهمان بتدمير العلاقة الزوجية بعدم استيعاب بعضهم البعض، وقد تكون المرأة أكثر صبراً وتحملاً من الرجل لأنها تعرف نظرة المجتمع للمطلقة والتي تحمل لها الكثير من الاتهامات. وشدد د. البارون على أهمية دور الإعلام في توعية المجتمع والشباب المقبلين على الزواج بالأسس الصحيحة لاختيار الزوج ونشر ثقافة الحياة الزوجية وطبيعتها وكيفية تجاوز الصعاب، التي لابد أن تعتري الحياة العائلية. وأضاف: الحوار الهاديء بين الزوجين واستعدادهما على تجاوز الخلافات هما الكلمة الفصل في الحفاظ على هذه الرابطة المقدسة، ويعود ذلك إلى طبيعة كل شخص والأصول والمبادئ التي تربى عليها.

 

منقول